لقد عكس هيكل تصويت المحكمة الدستورية على قرار الحل بغالبية 3 ـ 8 عكس تصميم القوى العلمانية على المضي قدمًا في تصفية تيار الإسلام السياسي وضرب روافده الاقتصادية والإعلامية، بيد أن ثمة ملاحظات يمكن الإشارة إليها فيما يتعلق بحكم المحكمة الدستورية وهي: ـ 1ـ أول ملاحظة ترد في هذا الإطار، هو أن حزب الفضيلة الذي حظرت أنقرة نشاطاته، هو الحزب السياسي الثالث والعشرون الذي يلقى هذا المصير في تركيا بقرار من المحكمة الدستورية منذ تأسيس هذه المحكمة عام 1962، الأمر الذي يعني أن المحكمة أتمت على مدى الأربعين عامًا الماضية مهمة إزالة 23حزبًا تركيًا من الوجود الشرعي وذلك على اختلاف الذرائع والمبررات والتي تتراوح ما بين التوجهات الشيوعية ـ ومحاباة الأكراد ـوتهديد العلمانية. ـ 2ـ يذكر أن دعوى الحل أقيمت على محورين أساسيين الأول: تحويل الحزب إلى بؤرة لنشاطات رجعية وأصولية، والثاني: كون الحزب امتدادًا لحزب الرفاه، حيث ينص القانون على عدم جواز قيام حزب باعتباره استمرارًا لحزب محظور. وتشير القراءة القانونية إلى أنه في حال صدور الحكم بناء على المحور الأول، فسيتم إسقاط عضوية مجموعة صغيرة من نواب الحزب، مما يعني انتفاء الحاجة إلى إجراء انتخابات فرعية، أما إذا اعتمد الحكم على المحور الثاني، ففي تلك الحالة ووفقًا للقانون سيتم إجراء الانتخابات الفرعية التي ربما تتمخض عن موازين قوى سياسية جديدة في تركيا. ونظرًا لأن أطراف اللعبة السياسية مدركون تمامًا لهذه القراءة فقد استند الحكم إلى صيغة لم يأت عليها الإدعاء، الأمر الذي أكد الصبغة السياسية للقضية، بمعنى أن الحكم لم يستند إلى إدعاء المدعى العام الجمهوري الذي اتهم الحزب بأنه امتداد للرفاه وتحوله إلى بؤرة لمعاداة العلمانية، مما يوجب طرد نوابه جميعًا من البرلمان. ـ 3ـ إن المحكمة الدستورية التركية رفضت-قبيل إصدارها القرار-التماسًا تقدم به حزب الفضيلة الإسلامي يطلب فيه تأجيل النطق بالحكم عدة أسابيع انتظارًا لتعديل دستوري يجعل حل الأحزاب السياسية أكثر صعوبة، وكانت الأحزاب السياسية الخمسة في البرلمان بما فيها حزب الفضيلة قد اتفقت على سلسلة تعديلات دستورية تجعل حظر التنظيمات السياسية أكثر صعوبة. وفي هذا الإطار سعى حزب الفضيلة جاهدًا في وقت سابق إلى الدخول في مساومة سياسية مع أحزاب الحكومة من أجل تعديل مواد أخرى في دستور تزيد حصانته وتجعل حله مستحيلاً، ذلك في مقابل موافقة نوابه على تأمين الدعم اللازم لإجراء تعديلات دستورية تقلص صلاحيات رئيس الجمهورية وتختصر ولايته الرئاسية من 7 إلى 5 سنوات. أما الملاحظة الثالثة فتتعلق بالنواب الذين طالهم قرار الطرد من البرلمان وحظر القيام بأنشطة سياسية، ففي حين تحاشت المحكمة العليا زعيم الحزب رجائي قوطان ولم تحرمه من النيابة أو العمل السياسي فإنها حرمت خمسة نواب من العمل السياسي من بينهم نائبتان حظر عليهما ممارسة العمل السياسي 5 سنوات، الأمر الذي يدعو إلى التأمل، أما الشخصية الأولى فهي الصحافية نازلي اليجاك، النائبة عن أسطنبول في الانتخابات التشريعية عام 1999 وهي أحد وجوه المعارضة الإسلامية في تركيا وتكتب دوريًا في الصحيفة اليومية «يني صافاك» ذات التوجهات الإسلامية، والتي تجمع عددًا من المثقفين المعارضين للنظام وسياسة العلمانية، وقد عُرفت بمحاربتها للفساد وسعيها إلى كشف الفاسدين في الحكم. كما عُرف عنها خلافها مع نائبي رئيس الوزراء مسعود يلماظ وحسام الدين أوزكان. أما الشخصية الثانية فهي مروة قاوقجي والتي انتخبت هي الأخرى نائبة عن أسطنبول في ذات الانتخابات التشريعية إلا أن دخولها البرلمان وهي ترتدي الحجاب أثار غضب النواب العلمانيين، وكان من المفترض أن ترمز مروة وهي عضو الحزب إلى النساء العصريات الناشطات اللواتي يحافظن على حجابهن رغم إيمانهم من دون أن يتعارض ذلك مع نمط حياتهن العصرية. ردود الأفعال حيال قرار الحظر وعلى الرغم من اختلاف الأطراف وتباين مصالحها إزاء قرار الحظر، بيد أن ردود الأفعال انصبت في اتجاه واحد تقريبًا وهو استنكار القرار. فمن جانبه أبدى رئيس الوزراء أسفه للقرار المحزن لكنه حض مواطنيه على الهدوء حفاظًا على الاستقرار في البلاد التي تعاني وضعًا اقتصاديًا صعبًا، وصرح بولنت أجاويد بأن «هذا القرار اتخذ لأن بنود دستورنا تسهل حظر الأحزاب»، وأضاف «أن سلسلة من التعديلات أحدها يتعلق بالأحزاب السياسية تناقش حاليًا في البرلمان ومن شأنها أن تصعب اتخاذ قرارات مماثلة في المستقبل». وعلى صعيد الأحزاب السياسية أوضح حزب الوطن الأم الشريك الأصغر في الحكومة، أنه لا يحبذ على الإطلاق مبدأ إغلاق حزب من الأحزاب السياسية.إلا أن الحزب، وعلى الرغم من ذلك بدأ إعداد خطة يهدف من ورائها محاولة جر عدد من أعضاء حزب الفضيلة للانضمام إليه بهدف زيادة مقاعده في البرلمان وضمان الحصول على عدد من النواب من دون الحاجة إلى الدخول في معركة انتخابية تضم كل الأحزاب السياسية. أما حزب الحركة القومية الشريك الثاني في الحكومة التركية فقد أوضح أنه لا يملك فعل شيء تجاه قرار صادر من المحكمة، ولا يسعه إلا الامتثال له وإظهار الاحترام له. أما حزب الفضيلة نفسه، والصادر بحقه قرار الحظر فقد اعتبر زعيمه رجائي قوطان قرار الحظر «مجحفًا وخاطئًا» وأنه «يوجه ضربة قاسية إلى حقوق الإنسان والديمقراطية في تركيا المرشحة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي». وقد غادر نواب حزب الفضيلة المحظور البرلمان احتجاجًا على قرار حظر حزبهم، وذلك إلى حين تبني تعديل دستوري يجعل حظر الأحزاب أكثر صعوبة.بيد أن أهم رد فعل جاء من المؤسسة العسكرية حيث أصدر كبار القادة في القوات المسلحة التركية نفيًا حاسمًا لاضطلاعه بأي دور في حظر نشاط حزب الفضيلة الإسلامي المعتدل. وذكرت الأركان العامة في بيان أصدرته في وقت لاحق لحكم المحكمة الدستورية أنه «ليس من العدل أو احترام الدستور أو القوات المسلحة التركية على الإطلاق ربط قرار حظر الحزب المناهض للعلمانية بالقوات المسلحة». وعلى صعيد العالم الخارجي، أثار قرار الحظر أصداء كبيرة على الصعيد الدولي، حيث أعربت واشنطن عن أسفها لهذا القرار، وقال مساعد وزير الخارجية الأمريكية فيليب ريكر «نأسف لإغلاق هذا الحزب لأن ذلك مخالف للمعايير المقبولة دوليًا فيما يتعلق بالديمقراطية». تداعيات قرار المحكمة الدستورية ومما لاشك فيه أن الشق الأهم في تحليل مايجري على الساحة التركية، يتعلق بتداعيات هذا الأمر سواء على الصعيد الداخلي أو الصعيد الخارجي، فعلى الصعيد الداخلي لا تزال الأوساط السياسية التركية تترقب بحذر التداعيات المتوقعة للحكم الصادر بحق حزب الفضيلة، وذلك على الرغم من انتفاء احتمال الذهاب إلى انتخابات عامة أو جزئية في حال حل الحزب، وهو الاحتمال الذي كان قائمًا حتى تدخل المدعي العام الجمهوري الجديد صبيح كانان أوغلو، وتقدمه بمذكرة إدعاء جديدة طلب فيها حرمان اثنين من مؤسسي الحزب فقط من مقعديهما في البرلمان، فيما كان المدعي السابق الذي أحيل للتقاعد طالب بإسقاط الحصانة عن كل نواب الحزب الـ102 من أصل550، الأمر الذي كان سيترتب عليه خسارة البرلمان أكثر من 5% من نوابه الأمر الذي يجبر الحكومة على إجراء انتخابات عامة أو جزئية خلال فترة قصيرة، وذلك وفقًا لنص المادة 87 من الدستور والتي تستلزم الدعوة إلى إجراء انتخابات برلمانية في 41 دائرة انتخابية خلال 3أشهر من صدور القرار. ألا أن أكثر ما يشغل المراقبين للساحة التركية هو مصير أعضاء حزب الفضيلة، فعلى الرغم من أن أعضاء الحزب اتخذوا موقفًا موحدًا ومتماسكًا بانسحابهم من البرلمان احتجاجًا على القرار، فإن أكثر التوقعات تفاؤلاً تشير إلى أن أعضاء الحزب سيوزعون ما بين حزبين جديدين أحدهما يقوده نجم الدين أربكان ولكن من وراء الكواليس، في حين يقود الثاني رجب طيب أردوغان زعيم حركة المجددين داخل الحزب ورئيس بلدية أسطنبول سابقًا والذي يتمتع بشعبية كبيرة ربما تفوق أستاذه أربكان. وفي هذا الإطار لا يخفي أردوغان أنه يسعى إلى إنشاء حزب جديد يجمع القوى اليمينية والمحافظة من دون أن يكون الإسلام شعارًا له، وقال «إن تركيا ليست بحاجة إلى رجال ملتحين وإنما إلى رجال يجيدون فن الإدارة والسياسية». ويؤيد هذا الاحتمال جملة من الشواهد لعل من أهمها: ـ حث نجم الدين أربكان زعيم حزب الرفاه الذي حل بتهم مماثلة تتعلق بتهديد الأسس العلمانية للجمهورية-أعضاء حزب الفضيلة على الإسراع بتشكيل حزب آخر جديد يعبر عن تيار «الإسلامي السياسي» في حال حل الحزب، وإن كان هذا الاقتراح لم ينل موافقة كل أعضاء حزب الفضيلة، إذ إن رئيسه رجائي كوتان طالب بعدم التسرع بتشكيل حزب جديد حتى يظهر الحزب بصورة متماسكة أمام الرأي العام . ـ الخبرة التاريخية في الحياة السياسية التركية، فحزب الفضيلة ذاته يعتبر امتدادًا لحزب الرفاه المحظور. ففي أعقاب تدخل الجيش عام 1997 من خلال الانقلاب تم إبعاد أربكان عن رئاسة الحكومة، وتم حظر حزب الرفاه بحكم المحكمة الدستورية العليا برئاسة أحمد نجدت سيزر الرئيس الحالي لتركيا . وتضمن حكم المحكمة حرمان أربكان من ممارسة العمل السياسي لمدة خمس سنوات، كما أصدرت إحدى محاكم التمييز حكمًا ضد أربكان بالحبس مع النفاذ لمدة سنة. ومن وراء ستار وبسبب هذا الحظر قام أربكان بعد حل حزب الرفاه بتأسيس حزب الفضيلة واختار لرئاسته رفيقه في الكفاح رجائي كوتان. ـ الانقسام الذي يشهده حزب الفضيلة، حيث ظهر هذا الانقسام جليًا في المؤتمر العام للحزب في مايو 2000، بانقسام نواب الحزب إلى تيار تقليدي (الحرس القديم) ويضم نحو 52 نائبًا بقيادة رجائي كوتان. وتيار إصلاحي يقوده نائب رئيس الحزب عبد الله جول ويضم 50 نائبًا. وقد تقدم التيار الإصلاحي بأجندة سياسية جديدة تهدف إلى تطوير أهداف أو أيديولوجية الحزب، وتضمنت هذه الأجندة أعمدة رئيسة هي: الديمقراطية، حقوق الإنسان، حكم القانون، الحرية، التنمية الاقتصادية. إذن يتضح مما سبق أن هناك صراعًا على زعامة الحزب الإسلامي وأن هذا الصراع دفع البعض إلى القول أن الجيل الجديد من الإصلاحيين داخل الحزب يطمع إلى تأسيس حزب جديد وبالتالي فإن قرار الحظر يشكل الأساس الشرعي لتأسيس مثل هذا الحزب. مع ملاحظة أن من شأن هذا الانقسام تشتيت قوى الإسلام السياسي في تركيا، كما قد يؤدي هذا الانقسام إلى توزيع أصوات الحزبين بحيث لا يستطيع أي منهما الحصول على نسبة 10% اللازمة لدخول البرلمان، وهو ما تأمل فيه المؤسسات العلمانية التي تسعى إلى إقصاء الأحزاب ذات التوجه الديني عن البرلمان. ويشير عدد من الخبراء إلى أن أخطر ما في الأمر أن المجددين كما يطلقون على أنفسهم لم يطرحوا مشروعًا متكاملاً يكون بديلاً للفضيلة الحالي، حيث أقصى ما يتمناه القائمون على الحزب أن يكون الفضيلة في ثوبه الجديد على نفس النموذج الذي ابتدعه الرئيس الراحل تورجوت عندما أسس حزب الوطن الأم. بحيث يضم الحزب كل التيارات السياسية ذات الميول الدينية. وإذا ما تم استبعاد خيار الانقسام، يظل هناك بديلان أحدهما أن يتابع أعضاء الحزب عملهم السياسي كنواب مستقلين وأن يتفادوا الانضمام إلى الأحزاب الأخرى.أو يتمسكوا بموقف محدد ومتماسك مثل الاستقالة الجماعية من البرلمان، الأمر الذي قد يؤدي إلى إجراء انتخابات مبكرة ربما تدخل بها تركيا مرحلة جديدة من القلاقل السياسية. وعلى الصعيد الاقتصادي تمر الدولة التركية بأزمة اقتصادية حادة، ومن المتوقع أن تؤثر مجريات الحياة السياسية على الوضع الاقتصادي، وكانت الأسواق توقعت صدور القرار، فهبطت أسعار الأسهم قبل الإغلاق، فيما خسرت العملة 6% من قيمتها أمام الدولار في انعكاس مبدئي لأثر السياسة على الاقتصاد. بيد أن تركيا تعول كثيرًا على الاستقرار السياسي كمخرج من أزمتها الراهنة، وتخشى من أن تؤثر قضية حزب الفضيلة على اتفاق كانت قد أبرمته أنقرة مع صندوق النقد الدولي في مايو الماضي، حول برنامج تقشف اقتصادي جديد يساعدها على الخروج من الأزمة المالية المتفشية. آثار خارجية ويتمثل أخطر تداعيات قرار المحكمة الدستورية في أثرها على سعي تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي لا سيما وأن قرار الحظر جاء في وقت انعقاد اجتماع مجلس الشراكة بين تركيا والاتحاد الأوروبي هيئة الحوار السياسي في لوكسمبرج لبحث عملية انضمام تركيا إلى الاتحاد. وفي أسرع رد فعل أوروبي على القرار أوضحت محللة أوروبية «المشكلة أن الأتراك يحظرون أحزابًا سياسية على أساس ما يمكن أن تقوم به هذه الأحزاب وليس ما تقوم به فعلاً». وعلى الصعيد الرسمي، أعلنت وزيرة العدل الألمانية هيرتا دايوبلر جميلين أن قرار المحكمة التركية بإغلاق حزب المعارضة الرئيسي يُشعر الاتحاد الأوروبي الذي تسعى تركيا للانضمام إليه بالقلق. ومن جانبه انتقد رئيس الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا اللورد راسل جونستون قرار السلطات التركية حظر حزب الفضيلة وقال في افتتاح الدورة الصيفية للجمعية «كان على رئيس المجلس الدستوري في تركيا انتظار أن تتخذ المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قرارًا في هذه القضية، وآسف لكون السلطات التركية فضلت مرة أخرى القمع على الحوار لدى مواجهتها تحديات اجتماعية وسياسية في بلادها». ويرى المراقبون أن مشكلة حزب الفضيلة أضحت مناسبة جيدة لدعوة تركيا مجددًا احترام واجباتها حيال مجلس أوروبا والمعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان، ومراجعة سجلها الخاص بحقوق الإنسان. ويذكر أن الاتحاد الأوروبي يطالب تركيا بمراجعة دستورها وإلغاء عقوبة الإعدام وإصلاح نظام السجون ومنح حرية التجمع كاملة للمنظمات لا سيما تلك العاملة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان. وأخيرًا يمكن القول إنه للمرة الرابعة وعلى حد قول المراقبين يثبت «العلمانيون» و«العسكر» بأنهم مازالوا الأقوى تأثيرًا في معطيات وتطورات الحياة السياسية في تركيا. حيث نجحت هذه القوى في منع نشاط أربعة أحزاب إسلامية هي حزب النظام الوطني (1971) وحزب السلامة الوطني (1980) والرفاه (1998). وأخيرًا حزب الفضيلة (2001). ويشير كثير من المراقبين إلى أن الإسلام لم يعد ضمن مقولات القيادات السياسية المرشحة لزعامة الحركة الإسلامية والسياسية مستقبلاً، حيث أن جيل الشباب ممن أسموا أنفسهم بالحركة التجديدية أو الإصلاحيين تتميز طروحاتهم باقترابها من اليمين الوسط ذي الملامح القومية المحافظة، بدلا من النهج الإسلامي الذي كان يشكل القاعدة السياسية والعقائدية لكل ممثلي هذه الحركة وفي مقدمتهم نائب أربكان السابق عبد الله جول ورئيس بلدية استنبول السابق رجب طيب أردوغان وغيرهم. وفي ظل أي تراجع للحركة الإسلامية التركية - والتي تعتبر بعيدة عن الراديكالية التي تتميز بها نظيرتها في إيران وأفغانستان.فمن المتوقع أن يشهد اليمين القومي المتطرف متمثلاً في حزب الحركة القومية صعودًا ملحوظًا لا سيما وأنه ليس حزبًا جديدًا وإنما كان الحاضر الغائب في المسرح السياسي منذ 40 عامًا. ويرى الحزب أن تركيا جماعة قومية واحدة هي الجماعة التركية، ولا يعترف بالأكراد كجماعة قومية، بل أتراك من أصل كردي.ويدمج الحزب القومية التركية بالإسلام. وفي هذا الإطار يؤكد نائب رئيس الحزب شوكتا ياهنيجي أن الإسلام أحد مكونات الشخصية القومية التركية وضمن مكونات أيديولوجية الحزب، إلا أنه ليس حزبًا دينيًا وإنما حزب يرى تركيا دولة علمانية. والجدير بالذكر أن حزب الحركة القومية نجح في احتلال المرتبة الثانية في الانتخابات البرلمانية عام 1999، وأصبح له في البرلمان 129 نائبًا ويشارك في الحكومة الائتلافية الحالية ويشغل رئيسه منصب نائب رئيس الوزراء. وفي النهاية يمكن القول بأن الصيغة التركية العلمانية تواجه بالفعل تحديات حقيقية بسبب تزايد حضور ونشاط تيار الإسلام السياسي الذي تعد تلك الأحزاب تعبيرًا عنه، ولا شك أن زيادة نسبة المسلمين عن 95% من الشعب التركي، إضافة إلى تاريخه الطويل المرتبط بالإسلام، يجعل من الضروري البحث عن الصيغة الأنسب لتنظيم المجتمع والدولة في تركيا بما يحقق الحل الوسط بين مبادئ الحداثة السياسية وروافد التاريخ والثقافة دون طغيان لأحدهما على الآخر.