أخيراً، اقتنع معادو الدور السوري في لبنان ان الخطوة الاخيرة بإعادة انتشار الجيش السوري كانت في محلها، ورحبوا بها بعد سلسلة من الانتقادات والمواقف المتهجمة والمتجهمة. أما كيف حل سحر القناعة اخيرا، فلأن هؤلاء ادركوا ان تلك الخطوة ليست عسكرية بل سياسية، تهدف الى اعادة الحوار اللبناني ـ السوري الى مساره الموضوعي والهاديء، والى تبريد المتاريس السياسية، خاصة جبهة بكركي التي ادخلت مواقفها في هدنة مفتوحة بانتظار ان يستكمل السوريون الخطوات المطلوبة، بحيث لا يحصل فراغ أمني أو سياسي، في حال الاقدام على اية خطوة مرتجلة. هكذا انقلبت القراءة والمقاربة، وبات السؤال: متى يستكمل لبنان وسوريا ارضية الانفراجات العسكرية، ليأخذ قطار الحوار السياسي مجدداً وضعه الطبيعي على سكته بين بيروت ودمشق، وبالعكس؟ ثمة دوافع ما زالت غير محددة في الخطوة السورية، وتدخل في مجال الاحتمالات والدوافع المفترضة والمطعمة ببعض البهارات من المعلومات. ومنها حرص الأسد على ان تتسم زيارته الى باريس بأجواء تحريكية للملف اللبناني، باتجاه ايجابيات التأكيد على الالتزامات والمصالح المشتركة وطنياً وأمنياً ومصيرياً. ولعل الاتجاه الأبرز دحض الحملة الصهيونية التي تركت بصماتها بسهولة على العقلية السياسية الساذجة في بعض اروقة السياسة الفرنسية، والتي استغلت تصريحات الأسد اثناء زيارة البابا يوحنا بولس الثاني، وحرفتها، واتهمتها بالعنصرية، معتبرة ان الرئيس السوري معاد للسامية. وتردد ان تلك الادعاءات «تلقفها» عمدة باريس الاشتراكي الذي تراجع في اللحظة الأخيرة عن اتجاهه لعدم استقبال الاسد في قصر بلدية العاصمة الفرنسية. وفي المعلومات ان الرئيس السوري سمع كلاماً عربياً صادقاً في غير مناسبة، مفاده ان على دمشق ان تعيد اوراق الملف اللبناني باتجاه المزيد من الاسهام في حلحلة مشاكله الداخلية، واستيعاب تناقضاته، خاصة وان حكم رئيس الجمهورية العماد اميل لحود اثبت مصداقية قياسية في التعاون مع القيادة السورية في مختلف المجالات المشتركة والوطنية والقومية، وانه بحاجة بالتالي الى «جرعة فيتامين ومصداقية» تجعله يستقطب القوى اللبنانية كافة حول المسلمات الناهضة بأسس الوطن، والمتمسك باستعادة الارض وكامل الحقوق في مزارع شبعا و المياه والتربة وما شابه. هذا ما همس به مباشرة ولي العهد النائب الأول لرئيس مجلس الوزراء في السعودية الأمير عبدالله بن عبدالعزيز في اذن الرئيس اثناء زيارته الاخيرة الى دمشق، فرد الرئيس السوري: «الامور سهلة ومقنعة فنبدأ من اعادة الانتشار الذي بدأناه لقواتنا في لبنان في مارس الماضي، وجمدناه في حينه نظراً للاضطراب السياسي الذي لف حياة الحكم والحكومة والمعارضة في حينه. وهكذا بدأ استكمال اعادة الانتشار في مرحلته الثانية. والفارق بين التوقيتين انه تم هذه المرة بصورة علنية، ووفق اعلان مسبق صدر عن قيادة الجيش اللبناني بالتنسيق مع القيادة السورية، وذلك بهدف تلافي الكثير من القيل والقال الذي ترافق مع خطوة مارس التي انطلقت بصمت ووراء الكواليس، ومن دون اعلان أو توضيح الامر الذي ترك علامات استفهام كثيرة شككت «ببراءة» ما يحصل، الى درجة ان البعض وصف الامر بأنه «توسيع مركز» لاعادة الانتشار للقوات السورية. اعادة الانتشار والطائف رغم ان ذلك قد تم هذه المرة بإعلان واضح مع بدء الجولة الثانية من اعادة الانتشار في 14 يونيو الماضي، واخلاء مواقع مهمة في بيروت شملت في يومها الاول محيط البرزة وبعبدا والحدث والحازمية، ثم في مناطق عديدة اخرى شملت 14 موقعا ابرزها في منطقة المتن الشمالي وبيروت، فقد جاء في بيان مديرية التوجيه في قيادة الجيش ان «وحدات سورية تقوم بتنفيذ اعادة انتشار خلال الايام القليلة المقبلة في مناطق البرزة وبعبدا ومناطق اخرى في بيروت وجبل لبنان، بالتنسيق بين القيادات العسكرية المعنية في الجيش اللبناني والجيش العربي السوري الشقيق». ويعود وجود القوات السورية في لبنان الى منتصف السبعينيات، بحيث شكلت الغالبية العظمى من «قوات الردع العربية» (25 الف جندي من اصل 30 الف جندي عربي توزعوا بين اماراتيين وسعوديين وكويتيين وقطريين وسودانيين). وكانت تلك القوات قد دخلت الى الاراضي لوضع حد للحرب الدائرة والفصل بين المتحاربين وفق قرار اتخذته جامعة الدول العربية، وبموافقة لبنانية. وتحدد دورها ومهامها بغرض الالتزام بوقف اطلاق النار وإنهاء الاقتتال، والفصل بين القوات المتحاربة، وردع اي مخالف، وحفظ الأمن الداخلي وإزالة المظاهر المسلحة، على ان يتم كل ذلك خلال 90 يوما (فقط لا غير!!). وبسبب تعذر تنفيذ مثل تلك المهام خلال الوقت المشار اليه، فقد جرى التمديد لتلك القوات المرة تلو الاخرى نظراً لعدم استعداد الجيش اللبناني لتسلم المهمات الامنية، وبقيت القوات السورية وحدها ضمن عداد هذه القوة، اثر انسحاب القوات الأخرى تباعاً. وفي العام 1987 عادت القوات السورية الى الاماكن التي انسحبت منها اثر الاجتياح الاسرائيلي لبيروت في العام 1982، كما أبقت على انتشارها في معظم المناطق اللبنانية بسبب الحرب التي استمرت في لبنان، وصولا الى الاتفاق الوطني الذي تعثر تنفيذ بعض بنوده وفق الوثيقة الاصلاحية التي وقعها النواب في الطائف بالسعودية قبل حوالي 12 سنة. بسط سلطة الدولة ويأتي اعادة انتشار القوات السورية تنفيذاً للفقرة الرابعة من بند «بسط سيادة الدولة على كامل الاراضي اللبنانية، والتي من ابرز ما جاء فيها: «... وحيث ان هدف الدولة اللبنانية هو بسط سلطتها على كامل الاراضي اللبنانية بواسطة قواتها الذاتية المتمثلة بالدرجة الأولى بقوى الامن الداخلي، ومن واقع العلاقات الاخوية التي تربط سوريا بلبنان، تقوم القوات السورية مشكورة بمساعدة قوات الشرعية اللبنانية لبسط سلطة الدولة اللبنانية في فترة زمنية محددة، اقصاها سنتان، تبدأ بعد التصديق على وثيقة الوفاق الوطني، وانتخاب رئيس الجمهورية، وتشكيل حكومة الوفاق الوطني واقرار الاصلاحات السياسية بصورة دستورية. وفي نهاية هذه الفترة تقرر الحكومتان الحكومة السورية وحكومة الوفاق الوطني اللبناني اعادة تمركز القوات السورية في منطقة البقاع، ومدخل البقاع الغربي في ضهر البيدر، حى خط حمانا ـ المديرج ـ عين دارة، واذا دعت الضرورة في نقاط اخرى يتم تحديدها بواسطة لجنة عسكرية سورية ـ لبنانية مشتركة ويتم اتفاق بين الحكومتين، يجري بموجبه تحديد حجم ومدة تواجد هذه القوات مع سلطات الدولة اللبنانية في اماكن تواجدها». بين الانسحاب والانتشار ويلفت المراقبون الى ان مرد تأخير الالتزام بوثيقة الطائف على ذلك الصعيد لا يعود الى قرار سوري، او رغبة من قبل دمشق، بل مرده الاحتلال الاسرائيلي الذي فرض لسنوات طويلة وجوب اقامة توازن عسكري تحقق من خلال تمركز القوات السورية على العديد من الاراضي اللبنانية من ناحية، والاستمرار في تهيئة القوات الشرعية الامنية اللبنانية لتحمل مسئولياتها بالكفاءات العالية المطلوبة من ناحية اخرى. ولعل ذلك يرد سورياً على تساؤلات عدة طرحت معظمها من دون براءة سياسية خلال الاسابيع الاخيرة تتمحور حول القول: لماذا قامت القوات السورية، وتقوم بإعادة انتشار وليس بسحب قواتها من لبنان؟ ولعل الجواب الانجع جاء من الرئيس الأسد نفسه الذي قال عشية بدء زيارته الى باريس للتلفزيون الفرنسي: «ان عدم انسحابنا من لبنان ضرورة امنية لبنانية ـ سورية مشتركة، طالما ان السلام العادل والشامل لم يتحقق في المنطقة، وان الاعتداءات والانتهاكات الاسرائيلية لم تتوقف». مخيبر لكن هذا الموقف لا يروق للنائب اللبناني المعارض، الذي يعتبر الاكثر عداء للدور السوري في لبنان الدكتور البير مخيبر الذي يحض الاسد على «السير في سياسة السلام والابتعاد عن كل ما يزرع الشكوك» داعيا رئيس مجلس النواب نبيه بري الى تعيين جلسة نيابية لمناقشة «مرامي هذا الانتشار ـ السوري ـ غير الشرعي». ويقول د. مخيبر: «مرت ايام على اعادة الانتشار الجزئية والمعدلة التي نفذتها السلطة العسكرية السورية بالاتفاق مع السلطة العسكرية اللبنانية من دون الرجوع الى نص اتفاق الطائف الذي يعتبر اتفاقا دوليا، وتعديله ليس من صلاحية العسكريين». ويضيف: «كنا ننتظر من الحكومة اللبنانية ايضاحا عن هذا الغموض الذي يشمل هذا الانتشار المجزأ والذي يعدل نص الانتشار الوارد في اتفاق الطائف، والمناطق التي كان يجب ان ينسحب اليها وهي البقاع الغربي وضهر البيدر، وحمانا، وعين دارة. ان هذا الانتشار لا يؤمن الفوائد التي كان اللبنانيون ينتظرونها، والذين كانوا وراء تنظيم هذا الانتشار ومفرداته كان في نيتهم العودة الى لبنان اكمالا للحرب». وبعد ان يتوقف عند قول الرئيس الأسد: «ان وجود الجيش السوري مؤقت، وان موعد الانسحاب الكامل مرتبط بالظروف الداخلية للبنان والاوضاع الاقليمية»، يقول مخيبر: «دعونا نحلل هذين الشرطين لخروج الجيش السوري من لبنان». ـ الأول: نحن قلنا ولا نزال نردد ان الظروف الداخلية للبنان هي مسئولية الحكومة اللبنانية، ولا دخل لأي دولة بها. ـ والثاني: فيما يخص الاوضاع الاقليمية يعالجها الحكم اللبناني كدولة مستقلة، ويتحمل مسئولية حكمه، وهكذا يريد شعبنا، والذي يرى ان ليس من مصلحة سوريا، ولا من مصلحة لبنان، ان يقعا في نتائج خطأ، هذا القول المشروط الذي يعني عدم انسحاب الجيش السوري من لبنان قبل السلام باعتبار ان لبنان شريك في الحرب. لذلك، فإننا ندعو الدولة السورية ورئيسها الى السير في سياسة السلام والابتعاد عن كل ما يزرع الشكوك، وهذا الانتشار الأخير للجيش السوري في لبنان يعرض لبنان ايضا لهذه الشكوك. لذلك أيضاً، فإنني أطلب من رئيس مجلس النواب نبيه بري تعيين جلسة نيابية لمناقشة مرامي هذا الانتشار غير الشرعي لأنه يخالف نص الانتشار المشار اليه في اتفاق الطائف». قانصوه وما بعد الانتشار لكن النظرة تختلف تماما لدى الأمين القطري الجديد لحزب البعث العربي الاشتراكي في لبنان النائب عاصم قانصوه الذي يقول: «هذا الانتشار مقرر منذ مارس من العام الماضي اي ان عمر هذا القرار الذي اتخذه الرئيس الأسد اكثر من سنة. يجب ان نفرق ما بين الانتشار والانسحاب. الناس الذين ما زالوا يطالبون بالانسحاب يرتكبون جريمة، او انه موحى لهم ان يطرحوا هذا الموضوع حتى نبقى على قتال بيننا وبين سوريا، او اظهار السلطة السورية وكأنها حاكمة او محتلة للبنان». ـ لكن الرئيس الاسد كرر مؤخراً القول: ان وجودنا في لبنان مؤقت حتماً، اما الانسحاب الكامل فمرتبط بسلام شامل وعادل، وهذا كلام امريكي ايضا، بمعنى ان مثل هذا السلام يمكن ضمان خروج جميع القوى والقوات. ـ يرد قانصوه بالقول: «لذلك لماذا نعمل نحن ملكيين أكثر من الملك». ـ هل هذا يعني اننا سنشهد اجتماعات توضيحية، بعد اعادة الانتشار؟ ـ قانصوه: كما يقول المثل الشعبي: «ان اللبيب من الاشارة يفهم» دعونا نفرق بين المفردات التي نستعملها نحن على الساحة اللبنانية، مرات تبقى ساذجة. لنفرق بين اعادة الانتشار ضمن اتفاق الطائف الذي يقول «ان ذلك يتم حتى حدود ضهر البيدر، معروف أين، وهذا أمر متفق عليه، هذا الذي صار عليه خلاف، وبين الانسحاب، اذ ان انسحاب الجيش السوري كله من البقاع مرهون بعملية الصراع. من مصلحة لبنان الآن ان يبقى الجيش السوري هناك. وجود هذا الجيش مهمة عسكرية في هذا الاطار فقط، لا علاقة للامر بالسياسة، ولا باتفاق الطائف بالمعنى السياسي، بل من حيث تنفيذ القرار فقط. ولكن كيفية التموضع في منطقة البقاع، فهذا يتم بالتنسيق بين القيادتين العسكريتين السورية واللبنانية، هناك تنسيق يومي بينهما. انا اعرف هذا الامر، وليس الامر مقتصراً مثلا على عملية مشتركة نفذتاها بالانسحاب كنزع الالغام، وما شابه». ـ لكن هناك من يتحدث عن ازمة ثقة تاريخية بين لبنان وسوريا. فهل هذا صحيح برأيك؟ وماذا تطرح من اسس واطر للشراكة بينهما باتجاه ان تكون سليمة ومتكاملة على الاصعدة كافة؟ ـ قانصوه: نحن نعمل على الاساس الذي قاله الرئيس الاسد من ان لبنان وسوريا شعب واحد في دولتين. ثم صار هناك اتفاق الطائف. وانا شخصيا كنت ضد تثبيت طائفية الرئاسات الثلاث بين ماروني (رئيس الجمهورية)، شيعي (رئيس مجلس النواب) وسني (رئيس مجلس الوزراء). صار هناك اعتراف بالكيان اللبناني من قبل سوريا من ايام الرئيس الراحل حافظ الاسد. ضمن قناعاتنا الوحدوية صرنا في خانة الاعتراف الكامل بالكيان اللبناني. ونحن مشاركون في السلطة، وفي مجلس النواب. يعني اننا ارتضينا على انفسنا، نحن البعثيون وحزب البعث العربي الاشتراكي، وبتوجيهات وبقرارات من الامين العام لحزبنا الرئيس حافظ الاسد، والآن يكمل المشوار الرئيس بشار الاسد، ان نتعاطى كوحدويين في الاعتراف بذلك الكيان اللبناني وبكل مستتبعات ذلك حسب اتفاق الطائف. ذلك من ناحية، اما العلاقات بين سوريا ولبنان، فلم تكن احسن مما هي عليه الآن منذ اتفاق الطائف وما بعده، فبين مؤسسات الدولة، سواء على مستوى رئاسة الجمهورية، أو مجلس النواب، او مجلس الوزراء، هناك تعاط وتنسيق كاملان مع سوريا نتيجة تلك الاتفاقات التي قامت بين بيروت ودمشق، والتي من المفروض تفعيلها، ونراقبها، ونرى اذا ما كانت فيها اخطاء بحق لبنان نعمل على انتقادها وتصحيحها وتصويبها في اطار المصلحة اللبنانية. نحن كلبنانيين، يجب ان نكون موجودين في كل الاتفاقيات للحفاظ على مصالح شعبنا في لبنان، سواء على صعيد الجمارك أو الاتصالات والمواصلات والمياه، أو سواها. اذا كان الخطأ من قبلنا فلماذا نحمله لسوريا؟ بصراحة اذا كان لدينا حق عندها، فنحن الذين يجب ان نطالب به. التهريب ـ ويضيف :اما فيما يتعلق بالتهريب والجمارك، فعندنا نحن خلل ايضا، وليس عند سوريا، فالمواطن اللبناني المسكين يصر على تهريب صفيحة الزيت من سوريا الى لبنان مثلا، لأنه يشتريها هناك بأربعين دولاراً، بينما التاجر اللبناني يريد ان يبيعه اياها بـ 150 دولارا او 100 دولار مثلا، علينا ان نخفف كلفة السلع عندنا لنقضي على التهريب. كان يتم تهريب دخان المارلبورو من لبنان الى سوريا، لكن عندما رفعنا سعره صار يتم تهريبه بالعكس اي من سوريا الى لبنان ـ اما ان تلجأ الدولة الى تخفيض الاسعار، او تدعمها حتى يتساوى السعران بين بيروت ودمشق. عند ذاك يقف التهريب من دون اية اجراءات رادعة، الخلل عندنا نحن، فالقطاع الزراعي آخر هم يفكر به المسئولون لدينا، سواء كانوا وزراء أو نواباً». بطرس حرب بالمحصلة التي يتحدث عنها النائب قانصوه تخرج عملية اعادة الانتشار من مجرد كونها تدابير عسكرية لتصب في الصلب السياسي للتوازن في العلاقات اللبنانية ـ السورية على غير صعيد سياسي واقتصادي وعلائقي وفق ما حدده «الطائف» نفسه ايضاً. والمتحمسون لتلك الحصيلة يشيرون الى اهمية اعادة الانتشار عسكريا تكمن في طابع التهدئة السياسية التي رافقتها، ونقلت بندقية التوتر من كتف الصرح البطريركي الماروني في بكركي الى كتف اكثر اعتدالا وانفتاحا تمثل بما سمي «لقاء قرنة شهوان». وتكتسب اعادة الانتشار صدقيتها السياسية كونها جزءاً لا يتجزأ، لكنها مكملة للاتفاق السياسي الوطني المعروف باسم «الطائف». ويكفي في نظر المعتدلين السياسيين اللبنانيين من قادة مسيحيين ومسلمين، ان يكون السوريون قد فكروا سياسيا وهم يعيدون نشر وحداتهم العسكرية، ويجمعونها في مواقع جديدة. وبالمقارنة، فإن اعادة الانتشار كشأن أي وقف لإطلاق النار، حيث يبقى هشا، وما يلبث ان ينهار اذا لم يستند الى اي مسوغ سياسي كما يقول رئيس الحكومة رفيق الحريري: ـ لا أحد يريد استمرار اطلاق النار، ولكن من المستحيل ان يكون هناك حل امني بمعزل عن حل سياسي. وفي التجارب التي عشناها في لبنان، جرى الاتفاق مرارا على وقف اطلاق النار، وحصل ذلك نحو 1200 مرة، ولأنه لم يكن هناك حل سياسي، استمر اطلاق النار، وعندما توصل اللبنانيون الى حل سياسي استمر اطلاق النار لفترة بسيطة، ثم توقف لأنه اصبح هناك حل سياسي، اما ان تقول للمقاتلين ان يوقفوا القتال، فلماذا؟ لنستطيع الكلام، من الممكن ان يتوقفوا عن اطلاق النار لبعض الوقت ثم يعودون مجددا. يجب التركيز على الحل السياسي، وليس فقط على الحل الأمني، لأن الثاني بمعزل عن الاول لن يستطيع الاستمرار». والشيء بالشيء يذكر، والامر نفسه، بنظر النائب بطرس حرب ينسحب على اعادة الانتشار التي «اذا بقيت عسكرية وامنية فحسب فلا قيمة بعيدة المدى لها اما اذا كانت مبنية على قواعد سياسية سورية في تطبيق الطائف، والتعاطي مع الساحة اللبنانية، فإن الأمر يختلف تماماً، ولكي تصبح ذات جدوى يجب ان تكون منشودة من اللبنانيين كما من السوريين والعرب والاصدقاء في الخارج على حد سواء». الطائف كإطار سياسي كلام النائب حرب يعني تكريس «الطائف» كإطار سياسي للعلاقات اللبنانية ـ السورية، وهذه نقطة محورية باعتبار انها تجعل هذه العلاقات مميزة، على عكس ما يذهب اليه رافضو الطائف، لجهة تمسكهم بالمقولة القائلة: «ما على سوريا الا الانسحاب، وترك لبنان وشأنه». ويعتبر حرب ان الوفاق الوطني والعلاقات مع سوريا هما من اهم وأخطر الملفات. أولاً، ان السلطة في لبنان الآن هي ابنة اتفاق جرى لوضع حد لحالة الفلتان والانقسام التي كانت سائدة في سنوات الاحداث. وبالتالي من هو في السلطة موجود لأن ذلك الاتفاق (الطائف) قد حصل. وقام على قواعد اساسية اهمها اثنان: الوفاق الوطني والمصالحة، وثانيا: العلاقات اللبنانية ـ السورية. وهما اهم قاعدتين قام عليهما هذا النظام... هذه هي روح الاتفاق الذي حصل، وهذا هو المدماك الاساسي والكبير في العلاقات اللبنانية ـ السورية، وكيفية تنظيمها. الخلل السياسي وبرأي النائب حرب ايضا، فإن حدوث الخلل السياسي جعل لبنان لا يعيش وفق ما كان يتمناه من خلال «الطائف» وبعده، وهنا يعيد السبب الى العامل السياسي ايضا، وليس الى التأخير الذي حصل في الخطوة العسكرية المتمثلة باعادة انتشار القوات السورية. وهذا ما يبلوره بصيغة سياسية اكثر وضوحا، حيث يقول: «من المفيد ان نعود بالذاكرة الى «الطائف». فقد كان ضمن عملية توازن لتحقيق المصالحة الوطنية والاتفاق السياسي الداخلي على اساس ان يتنازل المسيحيون عن صلاحيات موجودة في الدستور، وان لم تكن تمارس، الى مجلس الوزراء مجتمعاً بحيث يشعر المسلم في لبنان انه مشارك فعلي في السلطة... على ان الدور السوري في لبنان يجب ان يعود الى اطاره السليم في علاقة بين دولتين مستقلتين تسعيان الى علاقات ممتازة وعميقة بينهما، تخدم مصلحة الشعبين، والى اتفاقات تكرس وتترجم تحسين العلاقة اللبنانية ـ السورية وتحترم سيادة كل بلد واستقلاله». ويرد حرب مرة اخرى الى العامل السياسي: «تلك هي القاعدة الاساسية. انما اين حصلت المشكلة؟ الواقع انها حصلت عندما تبادلت المعطيات السياسية الاقليمية، فسقط الوفاق، وسقط مفهوم العلاقات اللبنانية ـ السورية، وحل مكان الوفاق الاستئثار، ووضع اليد على القرار السياسي اللبناني». وثيقة قرنة شهوان بالتأكيد، يبقى ذلك هو السبب للاسراع بوضع «وثيقة قرنة شهوان» كعامل تدعيم سياسي للمأمول من الخطوات الاولى في اعادة الانتشار السوري، وفي اطار تحصين هذا المكسب الامني بما هو عاكس لقاعدة توافقية سياسية يستند اليها. لذلك، يقول النائب حرب، فإن «محتوى الوثيقة في قرنة شهوان، صالح لاطلاق الحوار، لا سيما انها اعادت التأكيد على المباديء الاساسية والوطنية والقومية التي يمكن ان تجمع اللبنانيين ولا تفرقهم. ومن خلال قراءة هادئة، يتبين ان الجهد الذي بذل عند وضعها لم يكن يهدف الى التوفيق بين واضعيها وفريق آخر، بقدر ما كان للتوفيق بين المشتركين في وضعها». والابرز في بيان الوثيقة، حسب احد الموقعين عليه، رئيس تحرير صحيفة «النهار» جبران تويني، انه لم يتبنى الطائف بل ايده، بمعنى آخر ايد تطبيق الطائف الذي يفرض اعادة انتشار الجيش السوري، بغية انسحابه حسب جدول زمني محدد. لم يقل احد منا ان على الجيش السوري الرحيل غدا صباحا، بل ما نقوله ان وجوده كما هو حاليا، مع التدخل في الشئون اللبنانية الداخلية، يسيء الى العلاقات بين لبنان وسوريا». ... مرة اخرى ان اعادة انتشار القوات السورية ضمن القالب الوفاقي ـ التوفيقي السياسي جعلها قرارا غير عسكري، بل يهدف الى تأكيد الحرص على متابعة الملفات، وتطبيق الاتفاقيات السياسية. وهل أولى من «الطائف» بهذه المهمة التي طال انتظارها؟». بيروت ـ وليد زهر الدين: