شهدت الفترة التي عقبت الحرب العالمية الثانية المرة الأولى في تاريخ البشرية لمحاكمة مجرمي حرب بمحاكم دولية، في كل من نورينبيرج الألمانية، وطوكيو باليابان، وتم محاكمة ومعاقبة أهم كبار الساسة والضباط بتهم عرفت في حينه: ـ جرائم ضد السلام. ـ جرائم ضد الإنسانية. ـ مخالفة قوانين الحرب الدولية. وكانت فكرة جرائم الحرب جديدة على العالم كله، وهي أصبحت ممكنة بفضل «اتفاقية فيرساي» لعام 1919، ومنحت قضاة من أمريكا، بريطانيا، ألمانيا، فرنسا، ايطاليا واليابان الحق في محاكمة الامبراطور الألماني وليام الثاني لكن المحكمة والمحاكمة تعثرت. ونتيجة لما أفرزته الحرب العالمية الثانية من جرائم ضد البشرية، وكذلك نتائج الحرب الباردة، ظهرت للوجود مرة أخرى في فترة الخمسينيات والستينيات خطط لقيام محكمة مجرمي حرب دولية دائمة، ولقد تجددت هذه المبادرة بعد سقوط حائط برلين في عام 1989، حيث قامت مجموعة مستقلة من خبراء القانون الدولي، بالتعاون مع لجنة العدالة الدولية، بطلب من هيئة الأمم المتحدة لدراسة وبحث وثيقة تأسيس وإجراءات إقامة مثل هذه المحكمة، وبعد ذلك ارتفعت أصوات المطالبين بها في اجتماع لرؤساء وزراء الاتحاد الأوروبي عام 1991، وكان ذلك بسبب طلب هؤلاء لتقديم الرئيس العراقي صدام حسين لمحاكمة دولية على جرائم الحرب التي ارتكبها في عملية القتل الجماعي في شمال العراق ضد الأكراد، وتعثرت من جديد عملية اقامة محكمة عراقية، إلا ان النجاح كلل بمبادرة مجلس الأمن الدولي، حيث تم تأسيس محكمة جرائم حرب ليوغسلافيا في بداية عام 1993، وذلك بهدف محاكمة مجرمي الحرب في يوغسلافيا السابقة على الجرائم التي ارتكبوها اعتباراً من عام 1991، وبالفعل بدأت المحكمة أعمالها في نوفمبر 1993، وشهدت المرحلة الأولى العمل بجهود متواضعة لا تفي بالغرض، وذلك لعدم وجود مدع عام، وبضغط وجهود مكثفة من السكرتير العام السابق للأمم المتحدة بطرس غالي تطوع رئيس جنوب أفريقيا السابق نيلسون مانديلا بإرسال خبير القانون الدولي المعروف ريتشارد جولدستون، ومارس مهامه مدة سنتين عاد بعدها لبلاده ليرأس وظيفة رئيس المحكمة الدستورية العليا في جنوب أفريقيا، وخلفته في منصب المدعي العام الكندية لويزا اربور التي تركت هذا المنصب في سبتمبر 99، وتبعتها المدعية العامة الحالية السويسرية كارلا ديل بونتي. وقد قرر مجلس الأمن الدولي بسبب الجرائم الفظيعة التي ارتكبت في رواندا مايو عام 1994، انشاء محكمة لرواندا ومقرها اروشا في تنزانيا، وهي تتطابق مع محكمة يوغسلافيا في لاهاي من حيث التنظيم والشكل القانوني، فهي تعرف وجود منصب المدعي العام، ولجنة غرفة القضاء، و بعكس محكمة نورينبيرج تتميز كل من محكمة يوغسلافيا ورواندا بأنهما من إرادة المجتمع الدولي، نظراً لأنهما بقرارات من مجلس الأمن، وهو الأمر الذي يجلب معه مسئولية والتزاما من كافة الدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة بالتعاون وتسليم المطلوبين للمحاكمة.