فشلت الوساطات الدولية تتوسل الى السجين الحالي، الرئيس السابق ليوغسلافيا سلوبودان ميلوسيفيتش ان يوقف عمليات القتل الجماعي.. الاغتصاب.. التعذيب.. طرد الأبرياء المدنيين من ديارهم.. حرق وتدمير مساكن المدنيين.. والمجرم لم يستجب لنداء الضمير الدولي.. فرضت عليه عقوبات اقتصادية وحظر للطيران.. لكن كانت تأتيه المساعدات خلسة من بعض جهات العقاب.. وضربت قوات حلف شمال الاطلسي يوغسلافيا بالطائرات.. وبقي الرئيس في عرينه الظالم يمارس ويحمي أعوانه من المجرمين، ساسة ورجالات شرطة وقادة في جيشه، تفتت مجتمعات المسلمين في البلقان: البوسنة والهرسك، كوسوفو، ألبانيا، على مسمع ومرأى من كل الدول الأوروبية، وأخيراً بعد أن أصبح من الصعب اخفاء الفضائح، ولم يعد ضمير العالم يتحمل الانتظار، لم يكن امام الدول الكبرى المانحة الا المقايضة، تشترى العدالة الدولية بالمال، وتقدم المجرم للمحاكمة، لماذا لم تفعل أوروبا وأمريكا ذلك من قبل؟ وكانت حقنت الدماء وأنقذت المسلمين من شر الظالم وأعوانه، ووفرت الجهود والأموال وضياع الوقت على العدالة، وعلى شعب يوغسلافيا الذي يعاني الفقر والجوع، بسبب جيشه العسكري، وحكومته السياسية، وماذا الآن بعد أن وقع الصيد السمين في شبكة المحكمة الدولية؟ فهل ستدفع الدول المانحة ثمناً جديداً للقبض على المجرمين المطلوبين من يوغسلافيا؟ بعد ساعات قليلة من إعلان تسليم ميلوسيفيتش للمحكمة شوهدت عشرات سيارات المحطات التلفزيونية تعلوها الأطباق الفضائية، تسير في طابور تجاه المركز الهولندي للمؤتمرات الدولية المقابل لمحكمة مجرمي الحرب الدولية في العاصمة السياسية لهولندا لاهاي، وممثلو وسائل الإعلام يركضون على أقدامهم بعد ان اصبح من الصعب ايجاد مكان للسيارات امام بابه أو بالقرب منه، والجميع يريد حضور المؤتمر الصحفي الطاريء الذي اعلن عن عقده برئاسة كلاودي جوردا رئيس هيئة القضاة في حضور السويسرية كارلا ديل بونتي المدعية العامة، وعلى الرغم من حضور الجميع إلا ان المؤتمر الصحفي تأخر عن زمن بدايته دون إعلان السبب، الذي سرعان ما تكشف بوصول موظف الأمم المتحدة ويحمل في يده العلم الأزرق للأمم المتحدة، حيث سلمه لرئيس القضاة الذي رفعه ووضعه بجانبه ـ أمام 70 من عدسات كاميرات التلفزيون في حضور اكثر من 300 صحفي ـ معلنا بداية المؤتمر الصحفي، وبداية النصر للعدالة الدولية، بإعلان كلاودي جوردا: «ان اليوم قد تحقق غرس واحد من أهم الاعمدة الرئيسية للعدالة الدولية، والتعاون الدولي، وهو الأمر الذي تمثل في مظاهرة التأييد العالمية والاعتراف الرسمي بوجود شخصية محكمة مجرمي الحرب الدولية»، وأضاف ان وجود ميلوسيفيتش في لاهاي هو رسالة لبداية مرحلة جديدة لتطور العدالة الدولية، وان الضحايا يعلقون آمالهم وينتظرون الكثير من المحكمة ومسار قضية محاكمة رئيس يوغسلافيا السابق. ظهرت للمرة الأولى في مايو 99 المطالبة بمحاكمة سلوبودان ميلوسيفيتش بتهم ارتكاب جرائم حرب، وأصدرت المحكمة قراراً رسمياً بالقبض عليه، ولقد واكب ذلك عمليات القصف الجوية التي قامت بها القوات العسكرية لحلف شمال الأطلسي، وجاء في عريضة الاتهام في حينه اتهامه بمسئوليته عن قتل 340 مواطنا من ألبان كوسوفو، وطرد 740 ألف مواطن ألباني من أراضيهم، أما معاونوه فهم متهمون شخصياً بعمليات القتل المباشرة، وذلك لعلاقتهم في المواقع العملية للمعارك والحملات العسكرية غير العادلة، واعطائهم اوامر صريحة لمرؤسيهم، بارتكاب الجرائم وإشرافهم على تنفيذها، ومن أشهر هذه العمليات مجزرة راح ضحيتها 45 ألبانياً في بحر الدماء في مدينة راك في شهر يناير 99، وكانت هي أحد أهم أسباب بداية الغارات الجوية لحلف الأطلسي على يوغسلافيا. معسكر الاغتصاب «فوكا» تم ادانة ثلاثة من صرب البوسنة في مدينة فوكا بشرق البوسنة في فبراير هذا العام 2001 بارتكاب جرائم اغتصاب جماعية، ممارسة الجنس بالاستعباد، التعذيب البدني والنفسي، وحكم على قائد الشرطة السابق دراجوليب كوناراك بالسجن 28 عاماً، رادومير كوفاك نائب رئيس الشرطة العسكرية حكم عليه بالسجن 20 عاماً، بتهمة بيع فتاة عمرها لم يتجاوز الثانية عشرة، وزورا فوكوفيتش قائد الفصائل العسكرية في مدينة فوكا حكم عليه بالسجن 12 سنة لارتكابه جرائم الاغتصاب والتعذيب لفتاة عمرها 15 سنة، وقد غضب القاضي في محاكمة هؤلاء الثلاثة لأنهم لم يعربوا عن اسفهم لما اقترفوه من جرائم بشعة، وشهدت هذه المحاكمة لأول مرة اضافة بند اتهام جديد في تاريخ قضايا جرائم الحرب الدولي وهي: جريمة الاغتصاب بالاستعباد. اغتصاب وقتل أكثر من نصف مدينة فوكا أثبتت التحقيقات والتحريات ان ربيع عام 92 شهد ان 51.6% من مدينة فوكا المسلمة قتلوا، اغتصبوا، سرقوا، تم تعذيبهم، ومئات الفتيات المسلمات دون الثانية عشرة تم جمعهن في ساحات رياضية كبيرة وفنادق، ومنازل، حيث تم اغتصابهن وتعذيبهن، وإجبارهن على الرقص عاريات لإمتاع الجنود والضباط، وبعضهن تم بيعه لآخرين، وأحد المجرمين سلم نفسه طوعاً لقوات سفور في البوسنة، وآخر قتل اثناء محاولة القبض عليه بمعرفة القوات الفرنسية، ولقد تم التقاط صور لتباهي بعض المطلوبين معلناً عن «نصره» ويفخر بعمليات الاغتصاب في تحد للعدالة الدولية. سقوط سربنيتشيا أثبتت تحريات مكتب المدعي العام في محكمة مجرمي الحرب الدولية في لاهاي بتقصي الحقائق واستجواب سري لعدد من الساسة والمسئولين السابقين، والذين كانوا في مواقع المسئولية ابان حرب البوسنة والهرسك، وسقوط مدينة سربرنيتشيا في يوليو عام 95، والتي شهدت ابشع المذابح على ايدي الصرب، ولا يزال مصير 7 آلاف مسلم غامضاً حتى الآن ولم يعثر على اثر حتى بين المقابر الجماعية، وفي مقدمتهم بطرس غالي السكرتير العام السابق للأمم المتحدة، وفان ميرلو وزير الخارجية الهولندي السابق، ووزير الدفاع السابق فورهوفا، وآخرون من دول أوروبية أخرى ان هولندا وقواتها لحفظ السلام تسببت في سقوط مدينة سربرنيتشيا والتي كانت تحت حمايتهم عندما اجتاحتها القوات الصربية، وان الهولنديين سلموا المدينة ليحموا انفسهم من العنف والدخول في مواجهة مع الصرب. بينما تنفي هولندا ووزير دفاعها السابق تسبب القوات الهولندية في سقوط المدينة، ويؤكد وزير الدفاع ان الهولنديين اضطروا لتسليم المدينة لحماية آلاف المدنيين من الموت والذين كانوا يحتمون بالمستشفيات والمدارس، وان القوات الهولندية قد طلبت المدد والمساعدة بقوات اضافية من قائد القوات لحفظ السلام الفرنسي جانفير عدة مرات، لكن رفض القائد الفرنسي تقديم العون، وأخيراً عند الموافقة وقدوم المساعدات كانت القوات الصربية قد اقتحمت المدينة، واضطر الهولنديون للتسليم لإنقاذ المواطنين والمدنيين، فقد كان الوقت قد تأخر وفقاً لتأكيدات وزير الخارجية الهولندي السابق فان ميرلو. والذي أكد ان قائد القوات الصربية البوسنية التي اقتحمت المدينة كان الجنرال مالديك ـ المتهم بجرائم حرب من قبل المحكمة الدولية ـ وان مالديك هدد بارتكاب مذابح جماعية وتحويل المدينة الى حمامات دماء اذا لم يتم تسليمها، مما أجبر الهولنديين على حقن الدماء لعدم كفاية اعدادهم على المقاومة، فقد كان هناك آلاف من اللاجئين المسلمين من المدينة والمدن المجاورة، وبضعة مئات فقط من القوات الهولندية. ولا تزال التحقيقات والتحريات جارية حول مصير اكثر من 7 آلاف مسلم لا يزالون في عداد المفقودين، ويستوجب التحقيق، السماع الى اقوال السكرتير العام للأمم المتحدة السابق بطرس غالي بصفته الرسمية حيث تندرج قوات حفظ السلام تحت راية الأمم المتحدة، ومن المتوقع أن تستدعيه المحكمة للشهادة. عقبات أمام يوغسلافيا في طريق انضمامها للاتحاد الأوروبي ومن الأمور التي تثير غضب الاتحاد الأوروبي، انه بعد مرور ما يقرب من عام على حكم جديد في بلجراد تم اختياره بأسلوب ديمقراطي، يوجد مجرم حرب ـ مطلوب للعدالة الدولية ـ في سدة الحكم رئيسا لصربيا، وهو من الاسباب التي تجعل مستقبل يوغسلافيا محل شكوك، ويقف عقبة في طريق انضمامها لعضوية الاتحاد الأوروبي، في حالة انفصال مونتينجرو تصبح يوغسلافيا في حالة اللاوجود، ومن افرازات ذلك ان الرئيس اليوغسلافي الحالي كوستونيتشا يصبح رئيسا لغير دولة!؟ وفي هذه الحالة يكون الحل الوحيد هو ان يتم عزل ميلان مييلوتينوفيتش رئيس صربيا من السلطة، ويحل محله كوستونيتشا رئيساً لصربيا. أما نائب رئيس يوغسلافيا السابق نيكولا ساينوفيتش فهو رجل مهام العمليات القذرة الذي كان يستخدمه ميلوسيفيتش في حرب كوسوفو، وهو مهندس سياسة هذه الحرب الذي نفذ أوامره الشفهية، التي كانت تعطى للقيادة العسكرية وقوات الشرطة، وقد تمكن جهاز الاستخبارات الامريكية «سي.آي.ايه» من التنصت وتسجيل عدد من المكالمات الهاتفية، التي افادت مضمونها بمنح أوامر صريحة للشرطة والجيش بالتعامل بقسوة مع المسلمين، وعقب واحدة من هذه المكالمات بوقت قصير تم قتل 40 شخصاً في مدينة Racak، ووزير الداخلية السابق لصربيا فلاجكو ستوجيلجيكوفيتش احد اعضاء شبكة يطلق عليها اسم Pozarevac-clan وهو اسم مسقط رأس ميلوسيفيتش، هو المسئول عن اعمال العنف التي ارتكبتها الشرطة الصربية في كوسوفو، وقد كشفت حكومة بلجراد الجديدة مؤخراً النقاب عن ادلة دامغة تفيد ان ميلوسيفيتش اعطى ستوجيلجيكوفيتش أوامر بإخفاء معالم المقابر الجماعية التي دفن فيها قتلى كوسوفو. الجنرال دراجليوب اوجدانيتش تولى رئاسة اركان الجيش اليوغسلافي بعد خريف 1998، وذلك بعد ان واجه سابقا نقدا شديدا بسبب سياسته في كوسوفو، وهو لم يعترض على تنفيذ أوامر ميلوسيفيتش قبل وأثناء حرب كوسوفو. عقبات دستورية يتمتع الآن من بين رجالات القمة لعام 1999 ثلاث شخصيات بالحصانة السياسية وهم: ميلان مييلوتينوفيتش كرئيس لصربيا، ونائب رئيس وزراء يوغسلافيا السابق نيكولا ساينوفيتش، ووزير الداخلية السابق لصربيا فلاجكو ستوجيلجيكوفيتش باعتبارهما اعضاء في البرلمان، ولا يتم رفع الحصانة عنهما إلا بقرار من البرلمان في جلسة خاصة، ومن غير المتوقع وفقا لتركيبة مجلس النواب الحالي حدوث هذا الأمر، وحصانة الرئيس الصربي الحالي مييلوتينوفيتش لا يتم رفعها عنه إلا بانتهاء مدة رئاسته في عام 2002. لاهاي ـ سعيد السبكي: