وصلت إلى مطار « بيونس أيرس» فى تمام الثانية من بعد ظهر يوم 17 يوليو 1959، لأجد العميد «محمد أبو اليسر الأنصارى» الملحق العسكرى بالأرجنتين، وشيلى، وأوروجواى فى انتظارى بالمطار وبصحبته سكرتير السفارة، وبعد إتمام إجراءات الوصول إلى المطار اصطحبنى الزميل السابق فى الجيش أبو اليسر إلى الفندق الذى تم الحجز لى به، لأشكر سكرتير السفارة على معاونته لى بالمطار، وطلبت منه العودة إلى السفارة على أن يكون مستعداً لمرافقتى صباح اليوم التالى، لبدء العمل فى مهمتى. وما أن انفرد بى الزميل أبو اليسر حتى وجدته إلى حد كبير متفهماً لطبيعة مهمتى، بعد أن وصله خطاب سرى عن طريق قائد المخابرات الحربية بالقاهرة بتعليمات، ليضع كل إمكانياته فى تسهيل جميع الخطوات المطلوب الالتزام بها فى دعم التسهيلات الممكنة مع جميع السلطات الأرجنتينية بعيداً عن تدخل أى جهات أو شخصيات خارجية لا دخل لها بالعلاقة ما بين دولة الوحدة العربية مصر وسوريا، والسلطات الأرجنتينية العسكرية والمدنية. وهنا اتفقت مع الزميل أبو اليسر لإعطائى صورة واضحة بكل ما لديه من معلومات عن حالة وأوضاع الجالية العربية على أرض الأرجنتين، سواء أكانت سورية أو لبنانية هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى يهمنى أن أُلم بكل ما يتعلق بالجالية اليهودية من نشاط فى مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية على أرض الأرجنتين، بالإضافة إلى ما يتعلق بموقفهم ـ أى موقف الجالية اليهودية ـ من جميع إخواننا العرب المهاجرين والمستوطنين لأرض الأرجنتين، بالإضافة إلى الأعداد الموجودة منهم على أرض أوروجواى التى لا تبعد أكثر من 500 كيلو متر كما أعلم عن البر الثانى من خليج مياه المحيط الأطلسى، الذى يربط ما بين أوروجواى والأرجنتين لأنه وفى حدود ما وصل إلى علمى هناك ارتباط كبير ما بين مواطنى «بيونس أيرس» عاصمة الأرجنتين، «ومونت فيديو» عاصمة أوروجواى، وعلاقات وطيدة وتفاهم مصلحى بين مواطنى البلدين على جميع أنشطة التعامل. وأحب أن استوضح من أخى وزميلى عن وضع السفارة المصرية، بمعنى أصح سفارة دولة الوحدة، التى يرأسها ـ حسب معلوماتى والتعليمات المعطاة لى ـ السفير إبراهيم الأسطوانى، الموجود حالياً فى اجازة فى دمشق، وفى الوقت نفسه هل لدى الإخوة العاملين فى السفارة ما يمكنهم من الإلمام والمعاونة فى إعطاء تفاصيل كاملة عن الأنشطة التى يقومون بها أم ستكون هى المعلومات نفسها التى زودتنى بها ؟ ومن الطبيعى ألا أورطك وأشغلك؛ لتحصيل معلومات بلا مبرر، طالما أن هناك من يمكنه إمدادنا بها. ثم انتقلت إلى موضوع آخر وهو طبيعة تكوين الجالية العربية فى «بيونس أيرس» على النحو التالى. خلال الزيارة الأخيرة للرئيس جمال عبد الناصر إلى سوريا ـ قبل حضورى فى مهمتى هذه بثلاثة أشهر ـ التقى بنور الدين كحالة ـ نائب رئيس الجمهورية للإقليم السورى لدولة الوحدة وحينما علم بأن الرئيس عبد الناصر كلفنى بالاستعداد للسفر للاجتماع بجميع عرب المهجر بأمريكا اللاتينية، وجدته بعد أن أتم لقاءه بالرئيس عبد الناصر يصطحبنى لأجلس معه بمكتبه، ويخبرنى بأنه سعيد بهذه السفرة إلى دول المهجر؛ لما سيكون لها من آثار ممتازة على مستقبل الأوضاع لجماهير عرب المهجر من ناحية، وانعكاس تأثير هذه الزيارة والارتباط ما بين الدولة المضيفة للمهاجرين والوطن الأم من علاقات تفاهم وترابط وتبادل، لتعامل قائم على الثقة والفهم العميق، لما تتطلبه تلك العلاقات من فهم سليم وتقدير واع يخدم المصلحة العامة لكلا الدولتين. وهنا سألنى، هل لى معرفة سابقة بشخصيات من عرب المهجر؟ فذكرت له أن هذه مهمة جديدة من بدايتها تتطلب التعارف، وهنا ذكر لى أنه يسعده أن يعلمنى بأن أخاه فى حكم الواقع وابن عمه بحكم القرابة المدعو رفعت كحالة هو كبير شخصيات الجالية السورية بالأرجنتين، وعلى علاقة قوية ومتينة بجميع أبناء سوريا المستوطنين منذ هجرتهم إلى الأرجنتين، ولرئيس الجالية رفعت أفضال أخوية عليهم، مما ترتب عليه أن نشأت الجالية السورية الحالية بالأرجنتين نشأة أسرة واحدة، يربطهم رباط أسرى واحد، وكان لهذا الرباط آثاره الكبيرة فى دعم علاقتهم بالسلطات الأرجنتينية، الحكام منهم والعاملين فى مختلف النشاطات التجارية والسياسية و الثقافية والاجتماعية. وما أن سمعت تفاصيل سرد نور الدين كحالة حتى اطمأن قلبى، وسعُدت بما ينتظرنى من توفيق مهمتى، التى سمعت ما يؤهلها لتكون بداية طيبة نافعة من العلاقة الجديدة بين الوطن المضيف والوطن الأم. واستمع لى الملحق العسكرى بانتباه شديد وبدت ملامح وجهه يعلوها السعادة والسرور، وما أن توقفت بعد ذكرى لكلام نائب رئيس الجمهورية للإقليم السورى هذا حتى بادرنى الزميل أبو اليسر بقوله :«لقد كان حديث نور الدين صادق مائة فى المائة وتعبيراً واقعياً عما نُحِس به نحن كمصريين من عرب المهجر وتصرفاتهم معنا، مما يجعلنى أقول لك ستسمع منى ما يبهجك ويريح ضميرك. واستطرد «أبو اليسر» فى حديثه؛ ليشير إلى أن الجالية العربية التى استوطنت الأرجنتين مع الجالية السورية هى الجالية اللبنانية، وهذه الجالية بطبيعتها تميل إلى عدم الخروج عن التعايش فى قطاع التجمع اللبنانى، وعدم الخروج عن التقاليد اللبنانية، وبالذات فيما يتعلق بالتعصب الدينى والعقائدى، وكثيراً ما انحسرت ارتباطاتهم فى الالتزام بعصبية الاندماج فى الإقامة وفى الحياة فى إطار أبناء أى محافظة مهاجرين منها، والتى انعكست حتى فى إنشائهم لنواديهم الاجتماعية والترفيهية، لنجد أن كل أسرة مرتبطة بناد تطلق عليه اسم المحافظة التى جاءت منها، مثل : نادى بيروت، أو طرابلس، أو صيداة الخ، الأمر الذى وجدناه مع إخواننا السوريين، لتصل إليهم عدوى التعصب للمحافظات، وبدأنا نرى إنشاء نواد جديدة للجالية السورية، متفرقة على أسماء عواصم محافظات سوريا، مثل : نادى حمص، نادى حماه، نادى اللاذقية، ونادى دمشق.. الخ. ورغم كل هذه التناقضات التى تبرز فى كيان مجتمع عرب المهجر فى الأرجنتين إلا أننا ـ كمصريين ـ وجدنا من بعض أبناء الجالية السورية أو اللبنانية الإقدام على اتخاذ إجراءات أو أعمال ممتازة تخدم مصلحة مجموع الجالية بلا تمييز بين مصرى وسورى ولبنانى، فعلى سبيل المثال، قام الدكتور حداد ـ وهو سورى الأصل بإنشاء مستشفى متكامل التجهيز لعلاج جميع الأمراض، واستعان بأطباء آخرين ليساعدوه، منهم أرجنتينيون ومنهم من تعلم فى البداية واستكمل تعليمه على يده وزملائه من كبار الأطباء، وحصل على درجة الاختصاص الطبى من الجامعة الأرجنتينية، مما أدى إلى نجاح فكرة إقامة المستشفى الذى أصبح غير قاصر على علاج عائلات عرب المهجر، بل واستقبل كل من لجأ إليه. مما أعطى سمعة طيبة لدى مواطنى الأرجنتين على جميع مستوياتهم ومن ثم أضاف الكثير لدعم حسن التعامل من جانب مواطنى الأرجنتين مع عرب المهجر. وتم الاتفاق على تأجيل الاجتماع الثانى مع الملحق العسكرى إلى الساعـة العاشـرة من صباح الغد 18 يوليو 1959، ليتم بمكتب الزميل أبو اليسر. وصباح اليوم التالي وصلت مبنى مكتب الملحق العسكري لاجده في انتظاري فعاجلنى أبو اليسر بمجرد مصافحتى له، ليصطحبنى إلى مكتبه؛ ليبلغنى بأننى سعيد الحظ لأنه وجد لديه عدة تقارير كان قد أعدها لإرسالها إلى القاهرة، تشمل الكثير من المعلومات والأخبار الدقيقة التى تمكن من جمعها بتفاصيلها للإجابة عن سلسلة من الأسئلة والاستفسارات التى طلبتها قيادة المخابرات الحربية، لاحتياجهم إليها منذ نحو ثمانية أشهر، وكنت على وشك إرسالها بالحقيبة، بعد استكمال بعض الإجابات التى أتممنا الحصول عليها مؤخراً، وحمداً لله العلى القدير أنك وصلت لتجدها جاهزة للاستعانة بها فى تغطية طلبات الرئيس عبد الناصر. وسوف أوضح لك كل ما يتعلق بالجالية اليهودية الصهيونية المستوطنة فى الأرجنتين فيما يلى : أ ـ تحرص الصهيونية العالمية كل الحرص على تدريب الشباب اليهودى بالذات تدريباً عسكرياً خلال زيارات دورية تنظمها لهم الكيبوتزات في إسرائيل، وهم يشكلون قوام جيوش ضخمة من المتطوعين. ب ـ تشكل الجاليات اليهودية بالأرجنتين معقل الجاليات اليهودية بأمريكا اللاتينية، الأضخم حجماً وتعدادها نصف مليون نسمة، بالإضافة إلى أنها الأقوى نفوذاً، وقوامها الأثرياء من يهود ألمانيا، الذين فتح أمامهم هتلر باب الهجرة حين سيطر على الحكم، الأمر الذى يكشف كذب الدعاية الصهيونية التى تدعى أن هتلر شن على اليهود حملة كبيرة للتخلص من شبابهم وقياداتهم بالقتل الجماعى فى سنوات حكمه الأولى. والحقيقة تؤكد أنه فتح لهم الأبواب الألمانية على مصاريعها حينذاك، أما من أختار منهم البقاء عن رغبة أو سعياً وراء هدف أو غرض فترك لهم الحبل على مصراعيه، إلى أن تخلص منهم بعد اكتشاف خداعهم وسلبهم ونهبهم وإدانتهم فى الكثير من جرائم الغش والدعارة والاختلاس. ج ـ لاحظ الرئيس الأرجنتينى رئيس الجمهورية «فرونديزى» على يهود الأرجنتين حين اختطفوا «إيخمان» أن اليهود بالأرجنتين يشكلون دولة داخل الدولة، بل جهازاً خطيراً تغلغل إلى أدق كيانات وأجهزة الدولة وسيطر عليها من الداخل. د ـ كما تبين لرئيس الجمهورية أن أجهزة الأمن الأرجنتينية هى الوحيدة التى قاوم رجالها ذلك التغلغل اليهودى، وأصبح نجاح وتوفيق جهاز الأمن الأرجنتينى يكاد لا يمر بهم يوم دون أن يضعوا أيديهم على عصابة تهريب أو وكر للتغرير بالفتيات القصر أو اكتشاف لصوص منهم يتلاعبون مالياً تحت ستار تصفية أعمال أو إعلانات إفلاس مختلفة، أو أن يقعوا على شبكات ابتزاز قوامها «بلطجة» أو أندية ميسر مرفهة أنيقة، ورؤوس الشر فيها جميعاً يهود أو واجهات تتستر من خلفها عصابات يهود. هـ ـ كعادة اليهود وحرصهم المستمر على تمكين اللوبى اليهودى بأمريكا ليلعب دوره المستمر فى جميع دول العالم؛ بهدف إتاحة الفرصة للجالية اليهودية المستوطنة جميع الدول ذات المستوى الدولى بما لها من كيان وقدرات ذات تأثير كبير على الدول المحيطة بها، والمرتبطة بها سياسياً أو اقتصادياً، حتى يتسرب العنصر الصهيونى إلى داخل كيان السلطة القيادية لتلك الدولة، ليصبح لأمريكا موطئ قدم داخل السلطة السياسية لهذه الدولة، للسيطرة على مجلس الوزراء، ومن ثم استغلال أى أزمة اقتصادية لتفرض أمريكا ـ ومعها زبانية اليهود المغرضون ـ على الحكم شخصية عميلة لهم، دعموا إلى مكانتها بقرض ضخم أو ملايين الدولارات، ومن ثم تختل موازين الدول المنهوبة؛ ليحركها اللوبى اليهودى مع أمريكا؛ لتنفيذ جميع أهدافهم فى السيطرة على مقادير وكيان الدولة التى غدروا بها. واكتشفـتـ بعد جهـد ليـس بسيـطاًـ أن رئيـس الجاليـة الصهيونية بـ «الأرجنتين» والمتحكم فى مقدراتها وحركتها هو «مودبيرتو لوفيلد مان »، وهو فى ظاهره شخصية يبدو عليها الطمأنينة، والقدرة على اجتذاب الغير أو الصديق أو القريب إلى أهدافه كزميل فى أسلوب كله خداع، ومكر، ودهاء، الأمر الذى كان له تأثيره الواضح حينما بدأ اتصاله بشخصى هو وزوجته للتعرف على واكتسابى كصديق مصرى مر فى زيارة بـ «الأرجنتين »، خاصة أن أهداف مرورى التقطها من أصدقائه من عرب المهجر، حينما تساءل عن شخصيتى وحقيقة أسباب مرورى عليهم بـ «الأرجنتين»، الأمر الذى كان له الدفعة القوية فى إبداء اهتمامه الكبير بشخصى، ومحاولة توثيق الصلات بى، وخبثه فى إعطاء نفسه اسماً واحداً من أسمائه؛ لعدم كشف جنسيته بالاسم البعيد عن كل الأسماء المتعارف عليها، والتى تنتهى بلفظ «مان» فكان منذ بداية تعريفه بنفسه مودبيرتو؛ لإيحائه لى بأنه اسم لاتينى من أبناء الأرجنتين، إلا أننى انتابنى كثير من الشك، انطلاقاً من حرصى فى تعاملى مع الأشخاص الذين لا أثق فيهم، ومن خلال اتصاله المستمر بى تمكنت من الحصول على اسمه بالكامل، حينما اطلعت على رخصة قيادته لسيارته، وهنا زاد شكى، واحتطت إلا أن هذا الحذر الشديد لم أتركه يتملك كل حركتى؛ حتى أحصل على كل ما أهدف إليه من معرفتى بتفاصيل حياته، وعمله، ودوره فى المجتمع الأرجنتينى فى بيونس أيرس، خاصة بعد أن علمت من كثير من أصدقائه أنه يمتلك مزرعة غريبة فى تكوينها، وفى أسلوب التعامل مع ضيوفه داخلها، وبعد الوصول إليها فى ضواحى«بيونس أيرس» على بعد حوالى 40 كيلو متراً ومساحتها نحو مائة فدان، المزرعة مزودة بجميع أنواع الفاكهة والخضراوات المشهورة والمطلوبة للغذاء الصحى المفيد، ويوجد بها أحسن أصناف الحيوانات، كالخيول العربية الممتازة للركوب والسباق، والخيول الأسترالية الصالحة للاستخدام فى جميع احتياجات المزارع وأيضاً ( الكمية ليست بسيطة )، كمية وفيرة من الغزال الشهير بلحومه الممتازة والمطلوبة للغذاء الفاخر، أنواع عديدة من المواشى من النوعيات الممتازة من الأبقار، والخراف، العديد من الطيور كالبط، والأوز والأرانب بالإضافة إلى جميع نوعيات الدواجن الممتازة، وبعض النعام المستخدم للتربية والذبح للغذاء. ويتوسط المزرعة قطار يضم عربتى سكة حديد، إحداهما مستخدمة كصالون للنزهة داخل المزرعة يستغله صاحب المزرعة فى ضيافة الشخصيات المهمة التى يرغب فى دعم علاقاته بهم؛ ليسير القطار با لضيوف طوال تناولهم طعام الغذاء وقت سير القطار داخل المزرعة؛ للتمتع بالمناظر الجميلة، والاستمتاع برؤية محتوياتها، كما فهمت من جميع من التقى بى واكتسبوا إليه كصديق ممن لم يعرفوا عن حقيقة جنسيته شيئاً، الأمر الذى دفعه إلى الاستمرار فى أسلوبه المتخفى وراء مظهره العام كشخصية لها وزنها فى المجتمع الأرجنتينى، ووسط السلطات الأرجنتينية، باعتباره من كبار الملاك والشخصيات المهمة ببيونس أيرس، إلا أننى بدأت أشعر خاصة عندما تزايدت اتصالاته بى بأنه يهدف إلى الحصول على شيء ما لديّ، ويهمه أن يُلم به، الأمر الذى دفعه إلى استضافة العديد من الاخوة عرب المهجر ودعوتى بصفة مستمرة لأكون معهم فى حلقة الاجتماعات المستمرة، وبحمد الله وتوفيقه وبصورة مفاجئة فلت بلسانه لفظ «أنه يتمنى أن يعرف رأينا فى دولة إسرائيل وموقفنا من وجودها فى وسط الأمة العربية، وهل لهذا تأثير على موقفنا إذا تعرف وتصادق مع أحد أبناء إسرائيل»؟ وهنا واجهته مباشرة قبل مغادرتى الأرجنتين فى طريقى إلى البرازيل بأننى أشعر منذ البداية بحقيقة جنسيته، وتأكدى من ارتباطه الكامل فى عمله وصداقاته، وأبحاثه، واستنتاجاته، وأسئلته من جميع عرب المهجر ومن يزورهم من أبناء الأمة العربية أنه يحاول بكل الطرق أن يتغلغل إلى وسط المحيط العربى؛ ليستكمل معرفة نيات، وأهداف، وخطط الأمة العربية فى مواجهة المدعوة إسرائيل، وكما أمكننى أنا أيضاً أن أتأكد من حقيقة نياته خاصة فيما يقوم به حالياً من الإشراف وقيادة عملية التدريب الكاملة عسكرياً وسياسياً، وذاتياً لمصلحة إمداد إسرائيل بقوات مدربة ضد الشعب العربى فى فلسطين. وكان السنيور «فرونديزى» رئيس الجمهورية حينها يقيم بقصر «لاكازا روسادا» البيت الوردى المقر الرسمى لرئيس الجمهورية وعلاقته طيبة مع الجيش الأرجنتينى، ذلك الجيش الذى يعتبر دائماً القوة الحقيقية وراء الحكم ولا يزال، رغم بعض الانقسامات العنيفة التى تمزقه والتى كادت تؤدى بالبلاد إلى الحرب الأهلية فى بعض الظروف، وكما هو معروف كان ينقسم الجيش فى الأزمات على نفسه إلى «زُرق» و«حُمر» ولكن هؤلاء ليسوا صفات شيوعية، بل إن البعض يعتبرهم يمينيين متزمتين، وهى تسميات يستعيرونها من الأعلام التى ترفع فى لعبة المناورات. وهناك تنظيمات سرية تمتد بخلاياها إلى أدق الخبايا أهمها جماعتان: «التنين الأخضر» و«الغوريلا »، هذا بالإضافة إلى «شلل» فى القوات الجوية ملتفة حول أفراد متناحرة فيما بينها قد تنجح إحداها ـ وإن لم تكن الأقوى عدداً ـ فى فرض رأيها خلال الأزمات لمجرد أنها سارعت فأمسكت بزمام المبادرة، بالنسبة لمواضيع معينة، لم تثر لسبب أو آخر اهتمام زميلاتها ـ أو بالأحرى غريماتها ـ فهى حينئذ لا تبالى إلا أن المهم الذى يجمعهم آخر الأمر هو بغضهم للحركة «البيرونية»، أو هلع يصيبهم إذا ما لوح لهم النفوذ الأمريكى المتغلغل باحتمالات خطر شيوعى مزعوم فيما يظهر من اتجاهات تقدمية هنا أو هناك، أو حتى حين تبزغ نوازع إلى إصلاحات اجتماعية. ومن خلفهم جميعاً كتلة من ضباط البحرية، لا يتحركون ـ رغم حساسيتهم «المشتعلة» ـ إلا بحساب وفى الوقت المناسب وهو ما حدث عام 1955 حين أقلع الأميرال «روخاس» بسفينة حرب قديمة من مدينة «ماردل بلاتا» على مئات الأميال من العاصمة ومينائها، فذعر الرئيس بيرون، وتم عزل مراكز ثورة القوات البرية، تمهيداً للقضاء عليها، وهرع مهرولاً لاجئاً سياسياً إلى سفارة البراجواى. واختتم أبو اليسر تقريره المركز عن القوات المسلحة الأرجنتينية، ليشير إلى التحرك الجديد من جانب الولايات المتحدة الأمريكية، لمحاولة إقناع السلطات الأرجنتينية بأهمية فتح أبواب مشاركتها فى تمويل القوات المسلحة الأرجنتينية بالأسلحة والمعدات الحربية الأمريكية وتزويدها بالطائرات الحربية الأمريكية النفاثة؛ لتحل محل المملكة البريطانية؛ منتهزة فرصة اصطدام إنجلترا والأرجنتين بشأن الصراع على الجزيرة الأرجنتينية «فوركلاند»، وعرضهم عرضاً كبيراً للقيام بإعداد وتدريب القوات المسلحة للأرجنتين عسكرياً بمعرفة هيئة أمريكية عسكرية من أحسن الضباط الأمريكيين ذوى القدرة والكفاءة الشهيرة عالمياً والمشهود بتفوقها. وإن كانوا قد كسبوا إلى جانبهم بعض الوزراء الجدد، إلا أن جماهير الشعب بجميع طوائفها رفضت هذا المشروع الذى كان حينذاك تحت الدراسة؛ نظراً للوضع الخاص الذى يثقل كاهل الحكومة الأرجنتينية بمسئولية تأمين الأمن الداخلى فى الأرجنتين على اتساع مساحة أراضيها، وتعدد الجنسيات التى هاجرت إلى الأرجنتين منذ أوائل القرن العشرين وفى منتصف القرن، بلجوء معظم من رَحَلهَم هتلر من ألمانيا بعد سيطرته على الحكم إليها، ومن ثم استوطن جميع من هاجروا إلى الأرجنتين كوطن جديد لهم، وبالتالى تزايد عدد سكان الدولة بأكثر من عشرين مليون نسمة جديدة، وبذلك أصبح عبء السيطرة على جهاز الأمن بعد تزايد أعداده وتدريب أعضاء الجهاز على جميع وسائل ومعدات وأسلحة الأمن يتطلب ميزانية كبيرة؛ لتغطية احتياجاتها وللنجاح فى تحمل مسئولياته بتفوق. وطبيعى أن يترتب على تحمل جهاز الأمن لمسئولياته لضمان تأمين المواطنين وحماية الأمن الداخلى للدولة فى كل مجالات نشاطها والتصدى لأى تدخل أو عدوان خارجى، انتهاج جميع الجاليات المهاجرة والمغتربة أسلوباً فى نظام معيشتها وتعاملها مع مواطنى الأرجنتين، بما يحقق تضامن الجميع فى إطار من المحبة والتقدير لجميع أجهزة الدولة المسئولة عن إدارة دفة الحكم، بما يخدم المصلحة العامة لجميع المواطنين. وأبلغنى الزميل أبو اليسر أن رفعت كحالة ـ عميد الجالية السورية ـ المهاجرة أرسل مندوباً عنه لدعوتى؛ للاجتماع به وأنه سيكون سعيداً إذا تكرمت بزيارته بمنزله غداً فى الحادية عشرة صباحاً، فوافقت على قبول الدعوة. ووعدنى بالاتصال به تليفونياً بعد إتمام عمله معى، وانتهز فرصة ختام جلستنا ليبلغ رسالة القبول لرفعت كحالة.