لم تكن المحكمة الدستورية التركية في حاجة إلى أن تتمحل حيثيات دستورية تقضي على إثرها بحل حزب الفضيلة ذي النزعة الإسلامية، فقد كانت حيثيات الحل الأصلية ذات منحى سياسي ايديولوجي لا دستوري، ومنذ البدء كان الجيش عازما على حل الحزب بأي اسلوب وبأي ثمن. سواء نجح الادعاء أو فشل في دعم قضيته ضد حزب الفضيلة، وسواء تمكنت المحكمة الدستورية أو عجزت عن سد الخلل في مرافعة الادعاء. استبسلت المحكمة الدستورية في تبني وجهة نظر الادعاء «الخصم»، وأعانته بصيغة جديدة لطرح قضيته ضد الحزب الاسلامي، بما يبرر حله وتشتيت قواه، وتمكنت بذلك من اصدار الحكم ضده بأغلبية كبيرة «8 إلى 3 من أعضاء المحكمة»، وأعطت بذلك احتراما شكليا للتقاليد المؤسسية الديمقراطية، التي تمنع حل الأحزاب إلا بعد التحري والتقصي والبحث الدستوري العميق! هذا على مستوى السطح ومستوى المحاججة النظرية، لكن دعنا نفترض أو نتخيل أن المحكمة حكمت لصالح حزب الفضيلة، أكان الجيش يقبل بذلك؟! وماذا كان يمكن أن تواجه المحكمة بقضاتها على إثر ذلك؟! أكانت تنجو هي نفسها من الحل والتشتيت بواسطة الجيش؟! لهذا السبب لم يكن أحد يتوقع منذ أن رفعت قضية حزب الفضيلة إليها، قبل عامين، انها ستقضي فيها بغير ما قضت. حيثيات سياسية مما أكد ان قرار الحل اتخذ بحيثيات سياسية ـ وهو أمر لم يكن يحتاج إلى تأكيد أصلا ـ ان هندسة القرار جاءت بحيث تجنب البلاد مسألة الاضطرار إلى اجراء انتخابات مبكرة. ومراعاة لذلك لم تضمن المحكمة قرارها بحل الحزب، قرارا تبعيا بطرد نوابه من البرلمان. يملك حزب الفضيلة 105 نواب يمثلون نحو 20% من جملة مقاعد البرلمان، ويستندون في جملتهم إلى نحو 15% من مجموع أصوات الناخبين الأتراك، ويمثلون الكتلة الثالثة من حيث الحجم في البرلمان. وإذا تم طرد هذا الحجم المهول من النواب كان لابد أن يهتز الوضع السياسي، وتضطر الحكومة إلى حل البرلمان، واجراء انتخابات مبكرة، أو على الأقل انتخابات تكميلية، وهذه كلها مغبات لا تريدها الحكومة، ولا يريدها الجيش. لذا سارع بولنت أجاويد، رئيس الوزراء، حتى من قبل صدور الحكم، ليتقي امكانية قيام أي انتخابات شاملة، أو جزئية في الوقت الراهن، قائلا ان مجرد صدور شائعات وتعليقات حول الموضوع، أدى إلى نتائج سالبة في الوضع السياسي، ودعا لذلك مختلف الأحزاب التركية، لترفض أي دعوة لقيام انتخابات من أي نوع. وهكذا ترك أعضاء حزب الفضيلة ليحددوا مستقبلهم سواء بالانضمام إلى أحد الأحزاب القائمة، أو الاستقلال عن تلك الأحزاب، أو تشكيل حزب سياسي جديد لهم. مناورة جديدة وهكذا قاد عامل الزمن إلى خدمة أولئك النواب، وأعطاهم قدرا من المناورة ضد الجيش والأحزاب المتحالفة معه. ليس من المعروف الآن ماذا سيفعل أولئك النواب ولكن احتمال انشائهم لحزب جديد احتمال وارد. ففي يناير 1998 عندما أعلنت ذات المحكمة عن حل حزب الرفاة وحرمان زعيمه البروفيسور نجم الدين اربكان، من العمل السياسي، لمدة خمس سنوات، سارع تلميذه المهندس رجائي قوطان بتأليف الحزب الجديد ـ حزب الفضيلة ـ وانضم إليه معظم نواب حزب الرفاه «كانوا نحو 150 نائبا» وأعلن قوطان يومها ان حزب الفضيلة سيسير على خطى حزب الرفاة، في تبني المبادئ السياسية الإسلامية، وتفعيل مفاهيم الاسلام القائدة للتمدن الإنساني، فأزعج بذلك أوساط الكماليين الذين أحسوا وكأنهم ما فعلوا شيئا، سوى اجبار حكومة أربكان على الاستقالة، وحرمانه من العمل السياسي إلى حين، أما حزبه فقد بزغ إلى الوجود من جديد! لذا لم يكن غريبا ان استهدف حزب الفضيلة، فور تكوينه، بدعوى قضائية دستورية، تطالب بحله، لانه استقبل واستوعب كتلة نواب حزب الرفاه في داخله. مما يعني ان اربكان سيقوم بتوجيه الحزب الجديد بطريقة الـ «ريموت كونترول» أي من خلال أولئك النواب. وكان منطقيا أن أذاع المدعي العام، فورال سافاز، ان الحزب الجديد ما هو إلا استمرار لممارسات الحزب القديم، الذي هدد تهديدا سافرا مبادئ «الأصولية» الكمالية، وهو أمر يتوجب أن تطاله أيضا يد المحكمة الدستورية، التي أقيمت حارسا للحاجز الذي يفصل الدولة عن الدين. دثارات علمانية كاشفة قضية كاسبة ولا شك، تدعمها المبادئ الدستورية «الاعتباطية» كما تدعمها القوة «المادية «العسكرية». لم تظل على حراس العلمانية التركية حيلة حزب الفضيلة في لفلفة مبادئه الاسلامية، بدثارات علمانية، ولا تجاوبوا مع التنازلات التي قدمها قادته التجديديون. أصبح حزب الفضيلة يؤيد دخول تركيا في المجموعة الأوروبية على خلاف ما كان موقف حزب الرفاه في هذا الموضوع، كما أخذ حزب الفضيلة يعطي للمرأة مجالات قيادية في صفوفه، حتى وصلت المرأة إلى صفه الأول، ممثلا في اللجنة العليا لاتخاذ القرار، وغضت قيادة الحزب النظر عن موضوع غطاء الرأس كأمر الزامي للمرأة. وبدلا عن الحديث الدائم عن المرجعية الاسلامية تحول حديث الحزب للتركيز عن الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والحريات الشخصية ... إلخ حتى موضوع الحجاب أحاله الحزب إلى تلك المرجعية وحاكم القيادات السياسية التركية بمقتضاها! ولكن كل ذلك لم يشفع للحزب الذي بدل ثوبه، ولم يبدل أصوله ومبادئه قط.. فهو إذن حزب الرفاه تحت مسمى آخر! الحزب الخامس بل أكثر من ذلك انه حزب «النظام القومي» الذي أسسه نجم الدين أربكان في 1969 وخاض به غمار العمل السياسي لعامين اثنين حتى تعرض للحل في 1971 بدعوى الانتماء الديني المستتر. وانه كحزب «الخلاص القومي» الذي أسسه اربكان في 1973 وخاض به الانتخابات وبنى به أولى دعامات مجده السياسي عندما اتخذ وهو نائب لرئيس الوزراء قرار التدخل العسكري في قبرص لحماية الجالية التركية من العسف اليوناني، وهو الحزب الذي عاش أطول الفترات بالمقارنة مع أحزاب أربكان الأخرى، إذ استمر في العمل السياسي إلى أن قام انقلاب كنعان ايفرين في 1980 وقام بحله من ضمن الأحزاب السياسية الأخرى. أما صلة حزب الفضيلة بحزب الرفاه فهي صلة مباشرة لا تخفى على أحد. أسس اربكان حزب الرفاه في 1983 عندما اختفى العسكر من واجهة العمل السياسي، مكتفين بادارته من وراء ستار. كذلك قنع أربكان بأن يدير حزبه من وراء ستار، وذلك إلى 1987 حيث ترأس حزب الرفاه علنا، وأعطاه ايديولوجية اسلامية واضحة، ذات موقف متشدد ضد الصهيونية النافذة في دوائر السياسة التركية. وفي 24 ديسمبر 1995 فاجأ حزب الرفاه كل الأوساط باحرازه المركز الأول في الانتخابات التركية، وهي الصدمة التي لم تستحملها الأوساط العسكرية والسياسية التركية، فعملت على استبعاده عن تشكيل الحكومة، ولكن الحزب أفلح أخيرا في تشكيل حكومة الائتلاف في الثامن من يوليو 1996، وهي الحكومة التي لم تعمر أكثر من عام واحد، حيث قام المدعي العام بطلب حل الحزب، قائد الائتلاف الحاكم، فسقطت حكومته في الثامن من يوليو 1997. ثم جاء قرار حله في 16 يناير 1998. ولم تفصل بين نهاية حزب الرفاه، وبداية حزب الفضيلة سوى خمسة أسابيع. فهل يا ترى سينشأ حزب أربكان الخامس خلال خمسة أسابيع؟! ربما.. ذلك ان أصول اللعب السياسي التركي هي من المرونة بمكان.. وآية ذلك ان الاسلاميين هنالك ليسوا متشددين ولا مصادمين.. ولو كان اسلاميو الجزائر بمستوى ذلك التعقل، وكان عسكرها كذلك، لربما نجت الجزائر من مطبات ومآزق واقعها السياسي، وإلى أفق معلوم كآفاق التحولات السياسية التركية.