ماذا تريد الدبلوماسية الأمريكية من الشرق الأوسط وبالتحديد من اهم ملفاته وهو القضية الفلسطينية؟! سؤال عريض قد طالت لحظات الانتظار من اجل ان يجيب البيت الابيض بحلته الجديدة عليه، فقد اتى الرئيس الامريكي جورج بوش الى كرسيه الرئاسي وقضية الصراع العربي الصهيوني تمر في اخطر مراحلها، وكان بالامكان ان يتسلم البيت الابيض هذا الملف منذ دخوله معترك السياسة الدولية، ولكن نقاط استفهام كثيرة طرحها الموقف الامريكي من هذه القضية وتحديدا فيما يتعلق بشكل الرعاية الامريكية لمفاوضات التسوية المتعثرة، الا ان الاسلوب الجديد في التعاطي مع هذا الملف اخذ طريقا مختلفا لعل القصد منه ان تترك الاحداث لتأخذ مستوى التصعيد الذي وصلت اليه في طريقة واضحة شنها رئيس الوزراء الاسرائيلي ارييل شارون معلنا من خلالها حربا حقيقية ضد الانتفاضة التي اشعل بارودها الملتهب اصلا قبل زيارته المشؤومة الى المسجد الاقصى. اذن معادلة السياسة الخارجية الامريكية التي بدت بطيئة جدا فيما يتعلق بملف المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية لم تستطع السير على ظهر السلحفاة طويلا بل انطلقت بأسلوب مباغت فأجأ الطرفين ان لم نقل الطرف الفلسطيني وحده فتحركت الدبلوماسية الامريكية مستعينة بأجنحتها المتعددة كجورج ميتشيل الذي سارع بتقديم وثيقته وجورج تينيت مدير وكالة الاستخبارات الامريكية وكذلك مساعد وزير الخارجية الأمريكي ليأتي بعد ذلك كولن باول زعيم دبلوماسية بلاده محاولا ان يدخل في معركة هذا الصراع ولعلنا من خلال ترقب الشخصيات الامريكية ندرك اولا اهمية هذا الملف وتنوع المشغولين فيه ثانيا، وهو ما كان مقدمة حقيقية تبرز سرية القلق الشديد الذي اصيبت به الولايات المتحدة على اسرائيل خاصة بعد عملية تل ابيب الاستشهادية. وبغض النظر عن الاضطراب الذي اصاب الدبلوماسية الامريكية فإن واشنطن قد ارسلت وزير خارجيتها بعد تحديد ذلك الخطر على اسرائيل دون ان نفهم ان الاراضي الفلسطينية لا تعيش خطرا اشد وأكبر، ولكن وضمن المفهوم الامريكي تبدو ساحة النزال هي الاخطر بالنسبة لاسرائيل فهل استطاعت الانتفاضة ان تجر السياسة الامريكية رغم انفها الى هذا الملف الصراعي!! الواقع ان ذلك قد حصل حقيقة لأن الاستعراض الواضح لجديد السياسة الامريكية يدلل على ذلك بشكل اكبر على سرية المفاوضات رغم ما كان يبرز علنا الى وسائل الاعلام وهذا ما تؤكده وثيقة (تينيت) مدير المخابرات المركزية الامريكية، فمن المعروف ان هذا الرجل لا يتدخل في مهمات علنية وإن تدخل لتلك المهمات فهو يريد ان يكسب السرية بعلنيتها ولذلك فإن تقريره للبيت الابيض لم يحمل وثيقته المعلنة بل حمل معه رؤية واقعية لما يحصل ولما قد يحصل اذا ما استمرت الاوضاع على ما هي عليه، ولعلنا نستطيع ان نقرأ ذلك بمعطيات ما قدمه للادارة الامريكية وأول هذه المعطيات الواقعية هو الاثر المباشر للانتفاضة الفلسطينية على اسرائيل ومن ثم على المصالح الامريكية في المنطقة وينبع هذا الاثر من الشلل الذي اصاب اسرائيل في جميع النواحي الامنية والاقتصادية وحتى الاجتماعية وبالطبع فليست العمليات الاستشهادية هي السبب الرئيسي بل هي المحرك الرئيسي لهذا الشلل، ويمكن ان نتوقع ثانيا تفكير الارهابي شارون بعمليات واسعة النطاق ضد الشعب الفلسطيني وهذا لا تستبعده السياسة الامريكية لأنها تعرف تاريخ هذا الجزار الذي استخدم طائراتها المقاتلة (16F) في قمع الانتفاضة وقد يقول البعض هنا ان شارون لا يستطيع فعل ذلك او انه لن يفعل لعدة اعتبارات منها اشعال المنطقة بحروب لا ترضى عنها الولايات المتحدة وأوروبا ولكن كل ذلك لا يجدي اذا شعرت اسرائيل بخطر يتهدد امنها ويجعل بعض مواطنيها يفكرون بالهجرة وهذا جزء من تأثير الانتفاضة. ولذلك فإن جولة كولن باول في المنطقة انصب اهتمامها على ملف الصراع الفلسطيني الاسرائيلي وجاءت لتأكيد ما احضره جورج تينيت من اوراق سرية الى البيت الابيض وهي وإن اظهرت ضعفا في الفهم الامريكي لمشروع شارون خاصة عندما اطلق كولن باول قنبلته ضد اسرائيل التي رأى من خلالها الحاجة لمراقبين دوليين فإنه بذلك ارسل بالون اختبار للجانبين الفلسطيني والاسرائيلي رغم ان المشهد العام يؤكد تناقضا في السياسة الامريكية وبالون الاختبار هذا قدم بالتناوب للطرفين، فالطرف الفلسطيني اريد له من خلاله ان يؤكد جزئيا على مقترحات تينيت العلنية والسرية معا وكذلك مشروع ميتشيل، اما للجانب الاسرائيلي فقد أراد باول اثبات التأييد الكامل لاسرائيل بأنه ملزم والبيت الابيض بسياستها بولاء الادارة الامريكية للسياسة الشارونية! ان الاستغراب قد يبدو واضحا هنا ولكن اذا امعنا النظر في ورقة تينيت العلنية نرى ذلك بوضوح اكبر، فالوثيقة اكدت على خطة ميدانية اساسية وهي «ان الطرفين ملتزمان بوقف اطلاق النار المتبادل والكامل والذي ينطبق على اعمال (العنف) وفقا للتصريحات العلنية للزعيمين » الاسرائيلي والفلسطيني ولكن الادارة الامريكية تدرك هنا ان الزعيم الفلسطيني الذي بدأ يحاول اظهار موقفه الداعي لوقف اطلاق النار لا يمكن ان يحقق ذلك على ارض الواقع نظرا لطبيعة التنظيمات الفلسطينية المتواجدة على ساحة الانتفاضة، ورغم ان التماسك الوطني الفلسطيني ما زال واضحا منذ بدء الانتفاضة الا ان هذا التماسك يمكن ان يشل السلطة الفلسطينية التي بدأت دعواتها تختلف عن رؤية وتطلعات الشارع مما يجعلها قنبلة موقوتة قابلة للانفجار في اية لحظة وهو سعي امريكي اسرائيلي تروج له المخابرات المركزية الامريكية لكي تستطيع واشنطن الضغط اكثر على السلطة الفلسطينية لاعتقال الناشطين في حركة المعارضة، ولكي لا يصبح ذلك مجرد رأي فإن الوقائع داخل الكونجرس الامريكي تدلل على ذلك وتدلل على حصار حقيقي للخارجية التي يقودها باول، فقد حاول الكونجرس تمرير قانون بمعاقبة منظمة التحرير نتيجة لضياع اساليب وزارة الخارجية في تعاملها مع مجمل الملفات الدولية وبالتحديد الملف الفلسطيني، ويطالب هذا القانون الرئيس الامريكي بتقديم تقرير يوضح هل منظمة التحرير ملزمة على ارض الواقع الحالي بمنع العنف وتتحمل مسئوليتها بالنسبة لكل فصائل المنظمة، وفي حال عدم تأكيد التزامها بذلك فإن مشروع القانون يطالب بوقف العمل بالسماح لمنظمة التحرير بالعمل المسموح به والاقتصار على الاعلام، اضافة الى ذلك فإن مشروع القانون سيعتبر بعد التقرير الرئاسي الذي يجب ان يقدم خلال ستين يوما بعد 13 يونيو ان (فتح وقوة 17) مجموعات ارهابية علما ان القوتين تتبعان للرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. ان مشروع القرار هذا يؤكد اولا سيطرة اللوبي الصهيوني على سياسة الكونجرس وبالمقابل سياسة واشنطن ويؤكد من الطرف الآخر ان كولن باول قد اراد تصحيح خطأه الذي يعتقد من خلاله ان غالبية مجلس النواب مؤيدين لسياسة الادارة الامريكية وهنا تأكيد آخر على سرية الزيارة التي قام بها باول والتي اعطت بالمقابل التزام الولايات المتحدة بعدم شن هجمات ضد منشآت السلطة الفلسطينية او قوات وأجهزة الامن والاستخبارات والسلطة في الضفة الغربية وقطاع غزة كما جاء في وثيقة تينيت التي يتضح من خلالها انها تقدم حماية للسلطة وتجعل دم الشعب الفلسطيني وتنظيماته المختلفة مباحا لشارون ولكن التساؤل المطروح ما هي دلالات الجولات المكوكية الامريكية في ظل التطورات الحالية وما هي الاستراتيجية الامريكية ازاء الشرق الاوسط وما هو موقع الاتحاد الاوروبي في خريطة المنطقة؟ بقلم: محمد أحمد يوسف ـ كاتب فلسطيني