لم تأت زيارة كولن باول وزير الخارجية الأمريكية إلى المنطقة، مجرد استعراض أو تلبية رغبة كما يحاول البعض دمغها، ولا حتى في حيز عرض العضلات الأمريكية، لان القاصي والداني يحمل قسطاً يسيراً من معرفة حقيقة حجمها، الذي لا يطاولها أحد على المستوى الكوني هذه الأيام. فزيارة باول حملت مجموعة من الأهداف المحددة على المستوى الإقليمي، حتى وإن بدا للبعض المراقب أو المحلل أنها اقتصرت على المثلث المصري، الإسرائيلي، الفلسطيني، وهذه الأهداف بكل تأكيد تعتبر ثلاثية الوجوه، لان باول لم يحضر إلى المنطقة دون سابق معرفة لتفاصيل التفاصيل الجارية على الأرض، ولكل الأخطار التي بدأت تتهدد المصالح الأمريكية في المنطقة برمتها على المدى المنظور، فهو الذي حضر بعد جولة جورج تينيت رئيس جهاز الاستخبارات الأمريكية (السي .أي .أيه) ، والذي لم يمارس خلالها دور المراقب، بل على العكس من ذلك فقد عبأ مكانه في اللجنة الأمنية المشتركة المؤلفة من الأمريكيين والإسرائيليين والفلسطينيين، وبتوجيه مسبق من قيادته السياسية، والذي يعتبر باول أحد أهم ثاني رجل فيها. على العكس مما ساقته بعض وسائل الإعلام بأن باول وصل إلى المنطقة يحمل في جعبته سهماً واحداً، لا غير تمثـل في فرض الإرادة الأمريكية بهدف تثبيت وقف إطلاق النار والشروع بتنفيذ آلية ميتشيل .وعلى العكس أيضاً من الذي قيل بأن باول دخل إلى المنطقة وخرج منها بمثل ما دخل إليها .واعتبار أن مهمته مجرد رفعاً للعتب، كما يقال، فمجرد وقف التدهور الحاصل في المنطقة، ومنع الانزلاق للوصول إلى حافة الهاوية، يعتبر رداً على الذين يقولون بأنه خرج من المنطقة بكفي حنين . وعود على بدء، لا بد من النظر إلى ما تقدم، والتطرق إلى الثلاثية التي حضر من أجلها باول للمنطقة، فالأولى كما أشرنا، رغم أنه لا يحمل حلاً سحرياً ونهائياً للصراع الفلسطيني - الإسرائيلي المحتدم ولا حتى برنامج حل، إلا أنهم - الأمريكان - سيبقون على إشرافهم الدائم على صيرورة الأحداث الدائرة على الأرض، وهم استمرأوا على ما يبدو لعبة اللجان التي تخفف حرجهم على الأغلب أمام الشريك الإسرائيلي، الذي يخرج بين الحين والآخر عن القواعد المرسومة له أمريكياً للحفاظ على مصالح واشنطن .ولعل هذه السياسة قد أثارت الكثيرين من الساسة وصناع القرار الإسرائيلي، حتى ذهب البعض منهم بالقول ان اللجنة العليا تشبه، مع تحسين ما، لجنة المتابعة التي شكلت في لبنان بعد عملية «عناقيد الغضب» فالأمريكيون سيعرفون بالتأكيد ماذا يجري على الأرض، ولكنهم يقولون أنهم لا يريدون أن يكونوا قضاة .ولهذا فهم لم يكلفوا أنفسهم عناء تعريف مالذي سيعد عنفاً .وإذا ما حصل تدهور، فانهم سيمتنعون عن التأكيد بأن وقف النار قد مات وتحديد المذنب في ذلك. «لكن رغم الانتقادات الإسرائيلية الحادة، التي أعقبت زيارة وزير الخارجية الأمريكية للمنطقة، إلا أن الولايات المتحدة ومن خلال الكثير من التسريبات الإعلامية، قد حمت اسرائيل أو إذا شئت شارون من نفسه ومن خططه الجهنمية، والتي ستقلب كل الموازين القائمة أولاً، ومن الانتقادات الإقليمية والدولية، التي ازدادت مؤخراً على صفحات الجرائد الأوروبية ثانياً، وأجلت بكل تأكيد وصول اسرائيل داخلياً إلى ما يشبه الفراغ الدستوري، أو انفضاض التحالف الواسع من حوله، والعودة مجدداً إلى نغمة حكومة اسرائيلية مصغرة، لان الولايات المتحدة لا تسعى بالتضحية بشارون، رغم كل انتقاداتها لسياسته ولو بشكل خفي، مقابل صعود الأحزاب الدينية المتطرفة مثل شاس .بالمقابل لا توجد الرغبة حتى هذه اللحظة عند الأمريكيين بفرض منطق الشرعية الدولية بشكل كامل على الإسرائيليين، وهم من خلال باول لبوا رغبة الأطراف التي لها مصلحة في تخفيض حدة التوتر إلى أدنى مستوى له .بموازاة ذلك تعتبر الولايات المتحدة السلطة الفلسطينية شريكاً وحيداً لها، رغم كرهها لعرفات ، وأن المجازفة بمستقبل السلطة يعني ذلك صعود القوى الدينية إلى الواجهة، وهي بجد تعتبر الوريث الوحيد والأوحد، إذا ما غيبت السلطة، بخطأ أو حماقة قد يرتكبها شارون كعادته .ناهيك بأن تغييب السلطة الفلسطينية بالنسبة للولايات المتحدة، يعتبر بداية النهاية، للمشروع الأمريكي في المنطقة، باعتبار أن الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي، هو المدخل الوحيد لإحداث تغيير أو تأثير حقيقي على الواقع السياسي العربي برمته، مع الأخذ بعين الاعتبار حجم التواجد العسكري الأمريكي في المنطقة، الذي سيصبح عبئاً على الدول المضيفة، أكثر مما هو عامل استقرار إقليمي. ومن هنا جاءت أولى محطات باول لتحط الركاب في مصر أولاً، بهدف خلق حالة من التوازن الذي يصب بمصلحتها، مع التذكير، وأخذاً بكل الاعتبارات أن البحث عن خلق حالة من التوازن، سيصب هو الأخر في المصلحة العربية ولو على المدى البعيد نسبياً هذا يعتبر الوجه الأول . أما الوجه الثاني الذي حضر باول من أجله، محاصرة مشاريع أوروبا الحديثة، التي تقوم على أساس إحياء مجموعة من الاستراتيجيات القديمة المحسنة، التي كانت قد استخدمتها في وقت مضى، باتجاه العودة إلى منطقة الشرق الأوسط، بعيداً عن الشروط والاملاءات الأمريكية التي كانت تحكم أو تهيمن إذا شئت على شكل وآليات العلاقة الأوروبية - العربية، في وقت مضى لكن هذه المرة بأهداف ومضامين مؤنسة بعض الشيء كرشوة للعرب على حساب الجانب الأمريكي المتحيز كليةً إلى اسرائيل .فقد حضر ليقطع الطريق ما أمكنه ذلك، على هذه التحركات النشطة، ويذكر بمبدأ كارتر، لكن بكل تأكيد المعدل في نظر بوش وحاشيته، والذي كان في أساسه إنشاء قوة الانتشار السريع في مارس 1980 تحت اسم قوة المهمات المشتركة للتدخل السريع، والتي تغطي منطقة مسئولياتها، ما كان يسميه بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأسبق «قوس الأزمة» ، الممتد من القرن الأفريقي وصولاً إلى إيران وأفغانستان وباكستان، مروراً باليمنين سابقاً وشبه الجزيرة العربية .ليعيد للذهن الأوروبي بأن هذا المبدأ الذي كان مقتصراً على مواجهة الاتحاد السوفيتي السابق، سيمتد الآن ليطال التعديات الأوروبية من وجهة نظره، والذي يقوم هو الآخر على أساس من خلق شكل جديد من التحالفات ، ذات الطابع الاقتصادي ظاهراً، والأمني - العسكري مضموناً، لكن شرط نجاح مثل هكذا مشاريع أساسها إيجاد حلول وسطية، على أقل تقدير، لما يسمى بالصراع العربي - الإسرائيلي بشكل عام وللقضية الفلسطينية بشكل خاص، باعتبارها المدخل الرئيسي والأساسي كما أشرنا، ومقدمة لخلق تحالفات عربية -أمريكية، في مواجهة المشاريع الأوروبية التي تسعى للعودة مجدداً إلى المنطقة، والتي أصبحت مركبة على حوامل إقليمية وترى في اسرائيل والولايات المتحدة العدو رقم واحد. رغم تقليلنا نحن العرب من هذا العامل، واطلاق رصاصة الرحمة عليه عند ذكره، دون أن نعي أن أوروبا وبالأخص فرنسا بالدرجة الأولى وألمانيا بالدرجة الثانية، تسعيان إلى الاستقلال الكامل في صناعاتهما العسكرية وفصلها عن الصناعات الأمريكية بالمطلق، وأنها وبالتحديد أعني فرنسا باتت تمتلك مجموعة من الاتصالات والشبكات الفضائية والجوية المتطورة، تؤهلها من مواجهة التجسس الكوني الأمريكي الخاص بالأغراض العسكرية، ورد التجسس بالمثل على الولايات المتحدة وغيرها، وأن صراعاً خفياً قد بدأ يلوح في الأفق .وليس غريباً أو مستغرباً، رغم قلة المعلومات، إذا ما قلنا، أن أوروبا تعمل هذه الأيام على مد الجسور بالإضافة للدول الشرق أوسطية ذات المكانة الإقليمية، مع الكثير من القوى الإسلامية وغيرها، التي تعتبر بنظر الولايات المتحدة الأمريكية قوى إرهابية، وهذه القوى ستكون بكل تأكيد الباكورة التي ستتكئ عليها أجلاً أم عاجلاً في مواجهة الولايات المتحدة الخفية حيناً، والمعلنة أحيانا بالمنطقة .دون أن نسقط من حساباتنا الدور الروسي المتآخي قلباً وقالباً مع الرؤية الفرنسية، والذي بات يشكل حجر الرحى مع فرنسا أو إذا شئت جزءاً من الأثافي الثلاث إذا ما أخذنا الدور الألماني القادم بالحسبان. بالإضافة إلى الوجه الثالث، العراق، والذي بات هاجساً أمريكياً، وهو العامل المباشر الذي دفع كولن باول وزير خارجية الولايات المتحدة، للقدوم إلى المنطقة على وجه السرعة، ولجم شارون ومنعه من القيام بأي عمل عسكري واسع النطاق، إن كان ضد السلطة الفلسطينية، أو ضد سوريا ولبنان، وابقاء التوتر في حدود الممكن والمسيطر عليه، حتى يتسنى للولايات المتحدة حشد الدول العربية المحيطة بالعراق لتنفيذ ما يسمى بالعقوبات الذكية، ودون ذلك ستفشل الولايات المتحدة في كل ما تسعى له، والهادف إلى شرعنة ديمومة الحصار على العراق، لان العراق بات الهدف الأمريكي رقم واحد، ولا يمكن للولايات المتحدة أن تتراجع عن هذا الهدف، وإذا ما تراجعت فسيصبح ذلك سابقة خطيرة في السياسية الأمريكية بعد فيتنام والصومال، ونموذج قد يشجع الكثير من الدول اتخاذ خطوات مفاجئة تساعدها على الخروج من دائرة سيطرة الولايات المتحدة عليها، وهي حسب اعتقادي كثيرة، بل وكثيرة جداً .وليس من قبيل التحزب أو الانتصار للعراق، فإذا ما صمد العراق بمساعدة بعض الدول مثل روسيا وفرنسا وغيرهما من الدول الأوروبية، سيقلل من حجم السيطرة الأمريكية على المنطقة على المدى المنظور وليس البعيد، لكن هذا الأمر قد يدفع بالولايات المتحدة دفع اسرائيل إلى نسف ما يسمى بالعملية من جذورها، وفتح حرب على بلدان محيطة بإسرائيل هي لا تأمن الجانب لها على الإطلاق، وبالتحديد سوريا، التي تسعى لان تكون بوابة أوروبا إلى الشرق بهدف خلق حالة من التوازن، قياساً باختلال موازين القوى المرجحة أمريكياً. وختماً للقول فان الولايات المتحدة هذه الأيام قياساً بالحفاظ على مصالحها، مضطرة لمجاراة الفلسطينيين رغم أنها باتت ترى بالانتفاضة الفلسطينية ذات الخطر الذي تراه اسرائيل، وأنها مضطرة أكثر من أي وقت مضى للعمل على إرضاء حلفائها العرب في تقديم جملة من التنازلات على حساب الطرف الإسرائيلي .وأن باول في زيارته قد نوه لتقديم هذه التنازلات وفرضها على الحكومة الإسرائيلية بهدف الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية في المنطقة. لكن شرط ذلك أن يبقى الفلسطينيون مصرون على المضي قدماً في انتفاضتهم بكل الأشكال المتاحة، والشرط الأهم يتمثل في ديمومة الدعم السياسي العربي لها، وديمومة الضغط على الولايات المتحدة من خلال مطالبتها بتنفيذ كل القرارات الدولية المتعلقة بذات الشأن، والعمل الجاد لنقل القضية برمتها إلى الأمم المتحدة لفض الذرائع الأمريكية، وكسر طوق الانحياز لإسرائيل. خاصة إذا ما علمنا أن اسرائيل تعي تماماً رغم تودد بوش لشارون، وتراجع باول في القدس عن نشر قوات مراقبة دولية، ولكنه في لحظة الحقيقة سوف يباشر الأمريكيون بالشروع باتجاه التسوية النهائية بشكل يزيد أو ينقص قليلاً عن اقتراح كلينتون. بقلم: عبد الكريم محمد ـ كاتب فلسطيني