توقع الدكتور رمزي رباح عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين ان جولة كولن باول في المنطقة لم تحقق اهدافها وان القيادة الفلسطينية ستجد نفسها قريباً مضطرة للعدول عن موقفها من تقرير لجنة ميتشيل، وكل الالتزامات التي ابدتها امام جورج تينيت وكولن باول الذي دفعته عدة اسباب للتحرك في المنطقة واكد الدكتور رباح في حديث لـ «الملف السياسي» على مواصلة الانتفاضة بزخمها مع استمرار الاجماع الوطني على المضي قدماً واشار الى انه لا يمكن ان يكون هناك موقف امريكي متطور تجاه الحقوق الفلسطينية ودعا القيادة الفلسطينية لاشراك القوى السياسية في اتخاذ القرارات المصيرية وتوقف التعاطي بعقلية اوسلو وما قبل انتفاضة الاقصى وانتقد بشدة الاعلان الفلسطيني بقبول تقرير ميتشيل ووفق اطلاق النار من جانب واحد واعتبر ذلك قرارات في غير مكانها ومتسرعة جداً لأن ما جاء به ميتشيل وتينيت وباول يلغي المرجعية الدولية ولا يلبي الحد الادنى. وقال د. رمزي رباح ان اول الدوافع الرئيسية للتحرك الامريكي تجاه الاحداث في المنطقة كان بهدف محاصرة النيران التي مازالت تهدد بالانتشار واحتمال انفجار واسع في المنطقة خاصة بعد العملية الاستشهادية على شاطئ تل ابيب وكذلك التهديدات الاسرائيلية لتوسيع العدوان بشكل لم يسبق له مثيل. واضاف: لقد سارعت الادارة الامريكية في محاصرة احتمال امتداد الانفجار وحصره في دوائر يمكن السيطرة عليها وكبحها عند الضرورة.. وثاني الدوافع للتحرك الامريكي ان الولايات المتحدة التي حاولت ان تدير ظهرها في بداية ولاية الرئيس بوش للشرق الاوسط والازمة والصراع الدائر ضد الاحتلال والاستيطان على الارض الفلسطينية وجدت نفسها تتدخل بعد ان بدأت الانتفاضة تفرض تفعيلات ووقائع في الصراع الفلسطيني الاسرائيلي ذات ابعاد عربية، اقليمية، ودولية ايضاً وباتت الانتفاضة تحتل مرتبة الأولويات في الاهتمامات العربية والاسلامية ودول عدم الانحياز وشعوبها وهذا لا يتناسب مع الاولويات الامريكية في المنطقة التي تريد ان تصب الجهد على الخليج والعراق والترتيبات الاقليمية منطلقة من هذا باعتبار ان الانتفاضة تعيد خلط الاوراق وتنمي مشاعر معادية وكابحة للترتيبات الامريكية الجارية في منطقة الخليج والعراق. واشار الى أن المطلوب الآن هو تهدئة هذا الصراع ليتسنى اعادة ابراز اولويات الادارة الامريكية من جديد ومن ذلك الموضوع الايراني ـ العراقي ـ او الترتيب الاقليمي في الخليج العربي بصورة شاملة. وألمح الى ان العامل الثالث هو المأزق السياسي الكبير الذي تواجهه حكومة اسرائيل بزعامة أرييل شارون: واوضح ان الاخير قد فشل في تحقيق ما وعد به الناخب الاسرائيلي اي الأمن الشخصي والجماعي بعد حوالي (100) يوم من فترة حكمه رغم انه استخدم ما استخدم من اسلحة ووسائل قمع وقتل وبطش ضد الفلسطينيين ووجد انه في مواجهة العنف هناك ردود فعل متصاعدة وهجمات ومواجهات مؤثرة داخل قلب كيان الدولة العبرية وبالتالي كان شارون امام مأزق في قدرته على توفير الامن الاسرائيلي اما من الناحية السياسية فقد فشل شارون في تسويق صيغته السياسية للتسوية القائمة على الاتفاقات المرحلية طويلة الامد ومفاوضات بلا سقف زمني وازاحة قضايا جوهرية في مفاوضات الحل النهائي الى مراحل لاحقة كقضية القدس واللاجئين والاكتفاء بالصيغة التي قدمها بالموافقة على كيان فلسطيني على 42% من اراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، لذلك هو لم يجد اذاناً صاغية ولم يتمكن من تسويق هذه السياسة على المستوى الدولي ايضاً. ونوه د. رباح الى ان شارون امام هذا الفشل كان امام خيار واحد هو التصعيد العسكري وهذا الاخير في كل الحالات سيؤدي الى تأجيج الصراع وتوسيع مداه ونطاقه الاقليمي ليشمل دولاً وردود فعل عربية وسيؤدي الى دور عربي اوسع في المعركة مع اسرائيل فإن لم يكن رسمياً فدور شعبي اكيد في العالمين العربي والاسلامي له تأثيراته على المواقف الرسمية للدول والحكومات. وقال ان الادارة الامريكية سارعت لمنع هذا التدهور الذي يمكن ان يؤدي الى خلط الاوراق واضاف كل هذه الاعتبارات كانت وراء التحرك الامريكي الاخير لكنه قد يتبنى المواقف والمطالب الاسرائيلية مستفيداً من عاملين رئيسيين هما الاول محاولة توليد رأي عام ضاغط على الفلسطينيين ومستخدماً كل وسائل الضغط على القيادة الفلسطينية، خاصة من الادارة الامريكية والحلفاء في الغرب كالمانيا وغيرها وتابع عضو المكتب السياسي للجبهة الديمقراطية لقد مورست ضغوط على القيادة الفلسطينية من اجل ان تعلن وقف اطلاق نار غيرمشروط واكد د. رباح ان هذا الاعلان من الجانب الفلسطيني كان متسرعاً جداً ولم يكن في مكانه. وثبت انه فتح الباب على الضغط وانه لم يحتويها بدليل ان ما جاء بعد وقف اطلاق النار وما يجري يومياً واخره ما اعلن شارون ان موعد وقف اطلاق النار (فترة التبريد) لم يبدأ اساساً رغم ان الجميع يقول بما فيهم الجانب الفلسطيني ان نسبة الانخفاض في العمليات تجاوزت الان 80%. وانه تم وضع الفلسطينيين تحت ضغوط ومطالب لا تنتهي في الجوانب الامنية وكذلك تحويل قضية الانتفاضة ومطالبها والنضال المشروع في مواجهة العدوان القائم بالاحتلال والتوسع والاجراءات الاسرائيلية تحويله كله الى قضية امنية ومحاولة تقديم حلول امنية في اطارها وان الادارة الامريكية تحركت على هذا المستوى ولم تقدم أي شيء يمكن ان يفتح على المعالجة السياسية للصراع القائم ولو من موقع اقل انحيازاً فهي لم تفتح اي نافذة سياسية لكنها تحركت امنياً ومن هنا جاء جورج تينيت وقدم مشروعه الذي هو عبارة عن مطالب اسرائيلية بحتة وهو المرحلة الاولى من خطة ميتشيل المكونة من ثلاث مراحل الاولى منها امنية وفيها ثلاثة محطات والمرحلة الثانية بناء الثقة والثالثة المفاوضات السياسية واوضح رباح انه في المرحلة الاولى لا يربط جورج تينيت بين الامن ووقف تجميد الاستيطان وهي ربما النقطة الوحيدة الايجابية في هذا التقرير. واعتبر رباح ان الترجمات الفعلية هي ما جاء بها وحملها معه وزير الخارجية الامريكي كولن باول اي هناك اسبوع هدوء كامل يعقبها ستة اسابيع كفترة هدنة لتثبيت الهدوء ثم يعقبها (8) اسابيع تتصل باجراءات بناء الثقة وهذه الآلية ليست اوتوماتيكية انما هي خاضعة لاعتبارات التقرير ان هذه المرحلة استنفدت التطبيق وليس الوقت اي لم يعد هناك حوادث اطلاق النار وساد الهدوء وان من يقدر كل هذا انه شارون وفق ما جاء به باول، وثانياً نحن امام اجراءات بناء ثقة او مفاوضات للقسم الثاني لا ترتبط بقرارات الشرعية الدولية حسب تقرير ميتشيل بدليل ان هذا التقرير لم يورد عند ذكر المفاوضات بكلمة واحدة عن قرارات الشرعية الدولية او اي منها بل تحدث عن قوانين دولية واتفاقات معقودة سابقاً وماهية الاتفاقات والمفاوضات السابقة بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي. واعتبر ان ذلك كله يهدف الى وضع الفلسطينيين تحت مطرقة شروط ومطالب لن تتوقف الا بوقف الانتفاضة اي تجريد الفلسطيني من اي ورقة قوة عندما يذهب لطاولة المفاوضات. وبيّن د. رباح ان الموقف الفلسطيني وقف بحزم معتبراً ان خطة تينيت هي خطة اسرائيلية وكلها خدعة والمقصود منها اعتصار ما يمكن من التنازلات الفلسطينية دون تأدية الحد الادنى من المتطلبات الوطنية الفلسطينية وفي مقدمتها الاستحقاق السياسي المتعلق بفتح ملف الاحتلال والاستيطان بعد 8 سنوات من اتفاقات التسوية في الوقت الذي يقوم الاحتلال الاسرائيلي بكل ممارساته في الاطواق والحصار والاغتيالات والتدمير المنهجي للاقتصاد والبنية التحتية وغير ذلك. وقال ان تقرير ميتشيل لا يشكل اساساً ولا سقفاً سياسياً لأي تحرك سياسي يلبي الحد الادنى من الحقوق الفلسطينية وهو لا ينطلق اساساً من قرارات الشرعية الدولية بل هو يضع مقاربات للحل والتسوية تقوم على الفهم والتوجه الامريكي واضاف ان التقرير منذ البداية يطرح حلولاً امنية تساوي بين الضحية والجلاد وفي موضوع الاستيطان ورغم حديثه عن تجميد شامل للاستيطان لكنه اولاً لا يدعو للوقف الكامل للاستيطان ثانياً لا يستذكر قرار مجلس الامن (478) بشأن الاستيطان باعتباره غير شرعي وينبغي الغاؤه وثالثاً التقرير لا ينطلق من قرارات الشرعية الدولية بل من النظرة الامريكية ان الاستيطان يعيق عملية السلام فالتجميد شيء والوقف الكامل للاستيطان شيء اخر اما في موضوع الحماية الدولية فإن تقرير ميتشيل يجهض تماماً دعوة قوات دولية للاراضي الفلسطينية والذي ورد فيه انه لا يمكن للجنة ان توصي بموضوع حماية دولية لانها تأخذ بالاعتبار ان الحماية الدولية هي اجراءات تمس بأمن اسرائيل اما الامن الفلسطيني فلا احد يسأل عنه والتقرير غير معني فيه اساساً وفي موضوع التنسيق الامني هو يدعو لا ستئنافه كما كان عليه الوضع قبل الانتفاضة ثم يستعرض مطالب اسرائيل بما فيها اعتقال نشطاء فلسطينيين ومصادرة السلاح ووقف التحريض في وسائل الاعلام الفلسطينية الرسمية وغير الرسمية، وبعد ذلك يأتي التقرير لموضوع المفاوضات ليقول انها ينبغي ان تأخذ بروح الاتفاقات السابقة وتستند للقوانين الدولية وان تكون مكثفة بين الجانبين. وان التقرير لا يقدم مرجعية هذه المفاوضات المتمثلة بقرارات الشرعية الدولية 242 و 338 و 194 كما انه لا يأتي اي ذكر عن المدة الزمنية لهذه المفاوضات وضرورة الانتهاء منها والاهم من ذلك هولا يأتي على الاستحقاقات المطلوبة من اسرائيل بموجب اتفاقات المرحلة الانتقالية. كالاسرى والممرالآمن والميناء وغير ذلك ويدعو لمفاوضات بين الطرفين بدون مرجعية ولا اطار قانوني. وشدد ان هناك ضرورة فلسطينية لاعادة النظر في كل المواقف التي اعطيت مؤخراً لأن كل تنازل فلسطيني يؤدى عملياً الى فتح شهية شارون والامريكان لمزيد من الضغوط على الفلسطينيين. ودعا القيادة الفلسطينية للحفاظ على الانجاز الاكبر والاهم في هذه الانتفاضة وهي الوحدة التي تحققت بين كل القوى والتيارات وتجمعات الشعب الفلسطيني كما انها فتحت افقاً عربياً ومؤازرة كانت مفقودة طوال سنوات مضت ثم انها احدثت تفعيلات كبرى على صعيد الاسرائيليين الذين يمثل شارون طلقتهم الاخيرة. ورداً على سؤال قال د. رباح اعتقد ان جولة كولن باول لم تأت بجديد خارج اطار الخطة الامنية التي وضع اساساتها جورج تينيت والتي جرى التفاهم عليها جيداً بين الادارة الامريكية واسرائيل حتى اوساط السلطة الفلسطينية لم تستطع ان تدعي ان هناك جديداً، في جولة كولن باول وتقول ان ما جاء به هو فقط بحث الخطة الأمنية اما كل ما يتعلق بموضوع ميتشيل والانتقال الى المعارضات السياسية والربط بين الامن والسياسة تجاهله ووضعه باول خلف ظهره عندما جاء للمنطقة. وقال رباح. وكشف ان هناك دعوات واسعة بين القوى الفلسطينية لتشكيل قيادة طوارئ وطنية فلسطينية تتولى ادارة الجوانب السياسية والاعلامية والدبلوماسية والنضالية للمعركة التي نخوضها مع شارون الذي يعد للعدوان وهو لا يفعل اكثر من انه يحاول ان يسجل في رصيده مكاسب سياسية تساعده على شن هذا العدوان. غزة ـ ماهر إبراهيم