التطورات والمتغيرات تتبدل على مدار الساعة في أوضاع المنطقة العربية، بسبب استمرار الانتفاضة وكثرة الوسطاء المحابين لاسرائيل. وتتوزع الأدوار بالتناقضات وبالتعابير الدبلوماسية الاسرائيلية الأمريكية المخترعة، منها: ضبط النفس، وقف اطلاق النار من جانب واحد، التبريد أو التجميد، وقف العنف، بناء الثقة، اكتمال وقف اطلاق النار، المحافظة على المنجزات الناجمة عن الهدوء، آلية اطلاق العملية السلمية بشكل مجزأ، حل حزمة ميتشيل إلى مقترحات تعالج بصورة متتابعة. تعابير أطلقها التحالف الاسرائيلي الأمريكي للتهرب من المسئوليات أو للانفلات من تعهد بعد اطلاقه بساعات (كولن باول في رام الله مع عرفات قَبِلَ بالمراقبين الدوليين لضبط الوضع، ثم عاد عنه في اجتماعه بشارون). تعطي أمريكا مفتاح الحل حصرا إلى السفاح شارون. وتغلق الباب على المطالب المحقة للشعب الفلسطيني، الذي تؤكد مسيرته ان التمسك بالانتفاضة هو الطريق إلى الحرية. إن بناء الثقة قد تبعثر مع نسف تقرير ميتشيل لتنفيذ وثيقة تينيت الخالية من أي التزام سياسي. المهل والمواعيد يتقاذفها الاسرائيليون والأمريكيون: أسبوع لوقف اطلاق النار الشامل بعدها ستة أسابيع من بناء الثقة. هل يمكن أن تفرض مهلة على شعب فقد أرضه ورزقه وقتل أطفاله وجرفت بيوته ونهبت مياهه على أيدي أعتى الجيوش في العالم، المزود بالأسلحة الفتاكة المقدمة من أمريكا لسحق الشعب الفلسطيني ودعم التوسع العدواني الصهيوني. الضغط العربي مستمر على واشنطن والاتصالات بها جارية لتذكيرها بأن مصالحها في المنطقة سوف تتعرض للخطر. العرب كما نرى معترفون لأمريكا بالمصالح ولا يأخذون في الاعتبار مصالح الشعب الفلسطيني. العرب لا يصنعون الأحداث. المفروض ان لجنة المتابعة ينبغي أن تجتمع بشكل دائم. منذ تسلم جورج بوش رئيسا للولايات المتحدة قبل ستة أشهر فتحت أبواب البيت الأبيض أربع مرات للمسئولين الاسرائيليين.. مرتان لرئيس الوزراء ارييل شارون ومرة للرئيس موشي كاتساف، ومرة لوزير الخارجية شمعون بيريز. وهذا «الشرف» لم تمنحه واشنطن لأية دولة أخرى. وفي المقابل لم تفتح هذه الأبواب للرئيس ياسر عرفات، ولا يبدو انها ستفتح قريبا رغم انه كاد أن يصير من أهل البيت في عهد الرئيس بيل كلينتون. والمقيمون الجدد في البيت الأبيض يطمئنون إلى «صراحة» رئيس الوزراء الاسرائيلي و«وضوحه» في خطته للقضاء على السلطة الفلسطينية واحتلال الضفة وقطاع غزة. وعلى نقيض معظم المسئولين الاسرائيليين الآخرين، فان شارون ينظر بود واعجاب الى الرئيس المتربع على عرش البيت الأبيض، ذلك اليانكي التكساسي الساذج الذي لا يفقه شيئا في الجغرافيا السياسية والعلاقات الدولية والشئون الاستراتيجية كما تقول الصحف الاسرائيلية. وتؤكد هذه الصحف ان الرجلين قد أقاما كيمياء شخصية بينهما. ولعل أكثر ما يجمع بينهما تمجيدهما للقوة والحسم العسكري. الاحساس العربي بالارتياح قصير وموهوم من مواقف أمريكية أخيرة، أثناء زيارة شارون لواشنطن، ناجمة عن الضغط العربي، خصوصا من «التباين» بين القراءتين الأمريكية والاسرائيلية للوضع الأمني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ويجب ألا يحجب حقيقة مرة هي أن التحالف الأمريكي ـ الاسرائيلي قائم ومتين، وان انحياز واشنطن إلى تل أبيب أقوى من أن يهتز وهو شيء مطلوب في حين ان العلاقة العربية الأمريكية مضمونة بالنظم العربية القائمة. انطلاقا من هاتين الحقيقتين يمكن تناول نتائج زيارة رئيس الوزراء الاسرائيل ارييل شارون لواشنطن وما ظهر من خلال المؤتمر الصحفي المشترك للرئيس جورج بوش وشارون من «افتراق» في تقويم وقف اطلاق النار أو التهدئة التي عمل لها مدير وكالة الاستخبارات المركزية جورج تينيت ووضعها في وثيقة «عمل أمنية اسرائيلية ـ فلسطينية». فالرئيس الأمريكي يجد في الجهد من أجل التهدئة غير ما يجده رئيس الوزراء الاسرائيلي. الأول يركز على «فكرة الجهد الكبير والنتائج المقبولة» أما الثاني فيركز على الحل العسكري لفرض الأمر الواقع على العرب. لذلك رغب بوش في ايفاد وزير خارجيته لاستثمار التهدئة، وجاء كولن باول وعاد بخفي حنين. لان الرأي العام العربي والعالمي أيضا مقتنع بأن واشنطن معنية بأمن اسرائيل وسلامتها وتفوقها ومداها الحيوي الاقليمي، لكنها غير معنية بنشوء حرب اقليمية تفجر المنطقة بأسرها وتتمخض عنها نتائج كارثية على استقرار منطقة «نفوذ أمريكية» استراتيجيا، وبالتالي على مصالحها الحيوية. كما انها غير معينة بأن تواكب حربا اسرائيلية شاملة على الفلسطينيين تفضي إلى قتل وترحيل جماعيين للفلسطينيين وتدمير عملية السلام. لقد مرت عشرة أشهر طويلة وصعبة في ظل انكفاء سياسي أمريكي واضح المعالم وخطير العواقب، لكن الأحداث المتسارعة والمأساوية فرضت نفسها على برنامج الرئيس بوش كما ان الارهاق الملحوظ لطرفي النزاع فتح المجال واسعا أمام عودة السياسة التدخلية الأمريكية بما يتناقض والمنحى العدواني لحكومة ارييل شارون. وبمناسبة العودة الأمريكية ينبغي على أصدقاء أمريكا العرب رفع لهجة خطابهم لتذكير واشنطن بأن الشرق الأوسط أكثر حساسية وخطورة من أن يترك في يد شارون مفتاح جميع الكوارث في المنطقة. الصوت المرتفع المؤيد للحقوق الفلسطينية الذي سمعناه من العرب جاء على لسان الرئيس بشار الأسد والأمير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد السعودي وصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الامارات علنا ما يقولونه في مباحثات الغرف المغلقة. قال هؤلاء القادة: السلام لا يقوم إلا بين طرفين متعاقدين والغاء احدهما لا يعني تحقيق السلام. والشعب الفلسطيني الأعزل تجري ابادته. ان التعجيل في التدخل الأمريكي في القضية الفلسطينية يعود إلى مخاوف ظهرت مؤخرا فيما يمكن أن نسميه في الأفلام الأمريكية «الأكشن»: تحريك الاسطول في الخليج ـ الغاء مناورات لا ضرورة لها ـ اغلاق سفارات أمريكية مؤقتا ـ كل ذلك من الأسباب الداخلية الأمريكية لزيادة موازنة وزارة الحرب الأمريكية، ولتبرير بقاء الجيوش الأمريكية في منطقة الخليج. ان سياسة أمريكا ازاء القضية الفلسطينية مازالت ضبابية وتعتمد ردود الفعل لدى الأطراف في المنطقة. الأهم في هذا الصدد مقال على الانترنت نشرته «النهار» مؤخراً وهو صورة للمخاوف الأمريكية على اسرائيل. وربما كان السبب في الاسراع بارسال وزير الخارجية باول إلى المنطقة خوفا على سلامتها. فيما يلي بعض المقاطع منه: اذا كان رئيس الحكومة ارييل شارون ينوي استخدام لقائه مع الرئيس جورج بوش كرخصة لاثارة مستويات جديدة من الحرب في الشرق الأوسط، فان النتيجة التي لا مفر منها فعليا هي الابادة النهائية لدولة اسرائيل. كما انه تقويم عدد كبير من المفكرين الاستراتيجيين البارزين في أوروبا. وهو كذلك الخوف الذي يعبر عنه عدد متزايد من الشخصيات النافذة وغيرها، ممن يسيرون على خطا رئيس الوزراء رابين، داخل اسرائيل نفسها. من الواضح ان اسرائيل تملك الامكانات العسكرية التي تخولها كسب حرب تقليدية، أو نووية في الشرق الأوسط، لكن فقط اذا كان النزاع محصورا بالقتال العادي. واذا أخذنا في الاعتبار الاحتمال غير المرجح بأن يشن حلفاء شارون المتطرفون حربا نووية، فذلك لن ينقذ اسرائيل، بل يؤذن بانحلالها المبكر. لا يمكن لاسرائيل الصمود في حال طويلة الأمد من الفوضى الشاملة التي ترافقها حرب غير منتظمة في منطقة الشرق الأوسط. فحالات «الحرب غير التقليدية» هذه لا يمكن معالجتها بـ «أساليب تقليدية» بحتة. وتزداد حدة هذا الخطر حين تتخذ هذه الحرب غير المنتظمة شكل الحرب الدينية والعنصرية. على غرار الأشكال الدينية والعشائرية للحرب العرقية التي مارسها النازيون. إن حربا دينية من هذا النوع، مازال يدأب على اقتراحها زينجنيو بريجنسكي وصموئيل هنتنجتون وأوساطهما، تشكل الخطر الأكثر دمارا وفظاعة مما تواجهه أية حضارة. إنها محرقة تشعل الغابة في كل الاتجاهات، هل يمكن اجتناب هذا الزوال البطيء لدولة اسرائيل؟ الرأي السائد في معظم أنحاء العالم هو ان القوة الوحيدة القادرة على وضع حد لتصعيد شارون، هي تدخل الرئيس بوش، واذا ما تدخل بوش الآن، فسوف يضمن لنفسه مساعدة فاعلة من أوروبا وغيرها. منذ بدأ سيل المبعوثين الدوليين التدفق لوقف ما سموه، وسمته اسرائيل، احداث العنف في المنطقة، بدا ان قدرة القيادة الفلسطينية على الصمود في وجه الوساطة الأوروبية والأمريكية ضعيفة. أولت السلطة دوما اهتماما أكبر بالعامل الخارجي في تحقيق نصر لتستخدمه في المفاوضات. واعتادت الاستجابة للمناشدات والضغوط الدولية. جاء بالمبعوثين القلق على أمن اسرائيل وسلامة مستوطنيها وجنودها بعدما أصبحت الانتفاضة الفلسطينية أكثر قدرة على رد العدوان الاسرائيلي وايقاع الأذى بمرتكبيه، وأدخلت الرعب إلى نفسية المواطن الاسرائيلي أينما كان في البيت أو في السوق أو على الطرقات، رغم هذا الادراك، بما يمثله من عامل قوة بيد القيادة الفلسطينية مفيد لها في أي تفاوض، لم يرجح لديها حتى الآن خيار الصمود في وجه الضغوط. هذا الوضع الذي وجدت السلطة الفلسطينية نفسها تتعرض له، وهي التي لم تتهيأ لمواجهته، ولم تبحث يوما امكان الخروج من دائرة التسوية، أو التمرد على الاتفاقات التي قادتها اليها، وضعهما أمام خيار وحيد هو القبول بما هو مطلوب منها، دون أن تنجح كل محاولتها تضمين وثيقة جورج تينيت الأمنية أي بند سياسي، أو يتعلق بوقف الاستيطان، مما جاء في تقرير لجنة ميتشيل، الذي تدنى سقف المطالب الفلسطينية إلى حد المطالبة به والركض وراءه دون بلوغه. من جانبها، استندت قوى المقاومة والانتفاضة إلى التحصن الذاتي الذي لابد منه لاستمرار مقاومتها، ولم تتشنج حيال قرار القيادة بوقف النار. بل ربما تعاملت معه بقدر من التفهم لموقف القيادة والضغوط التي قبلت بها. فبدأ وكأن هناك نوع من التفاهم غير المكتوب من السلطة والقوى السياسية، على ان لكل جانب أسبابه ومبرراته في تحديد موقفه. وبهذا التوازن في الموقف الفلسطيني يمكن الاطمئنان إلى استمرار الانتفاضة والمقاومة. وخصوصا ان الجميع يدركون ان غير هذا الطريق لا يجدي مع حكومة كحكومة شارون، ولا يمكن أن يوصل رسالة إلى المجتمع الاسرائيلي تجعله يتيقن أن لا أمن ولا استقرار له بدون أمن الشعب الفلسطيني واستقراره واستقلاله. القضية الفلسطينية الآن تراوح في اطار ادارة الأزمة بسبب صمود الانتفاضة وتعنت الأطراف الأخرى التي بيدها الحل وهي أمريكا واسرائيل، التي تراهن على استمرار الأزمة لانه ليس لديها رؤية حتى الآن للسلام. فهل الزمن في صالح الدولة الفلسطينية بعاصمتها القدس؟ المظاهر تدل على انه لا خيار متاح غير السير في مسلك التضحيات المكلفة الذي يضمن للانتفاضة النصر. بقلم: نعيم قداح سفير سوري سابق بالأمم المتحدة