نستطيع القول بأن الأسبوع الفائت يمكن أن يسمى بعودة الوعي الاقتصادي، إذ رغم ارتفاع صوت المدافع في معارك بحر الغزال، إلا ان الاقتصاد احتل مساحة واسعة في الإعلام والحياة اليومية، ويظن المرء بسبب الإهمال المستمر للارتقاء بمستوى الحياة المعيشية اليومية، أن نظام الانقاذ ووفق مشروعه الحضاري، لايهتم بالأمور الأرضية المادية لأن لديه أهدافه العليا والسامية التي يسعى الى تحقيقها، ولكن في الوقت نفسه، نتذكر ان الوعود الأولى للانقلاب ركزت على وقف تدهور الاقتصاد وتحقيق السلام، وبدأ الانقاذ عهده بتشدد اقتصادي مبالغ فيه وصل حد إعدام مجدي محجوب بسبب حيازته عملة أجنبية. وكان من المعتاد أن تقايض النظم الانقلابية العسكرية الديمقراطية بالتنمية، وكان البعض يبدي استعداده للتضحية بالديمقراطية، إن كان ذلك يعني تحقيق التنمية، وقد تحدث أحياناً الكارثة حين تضيع الديمقراطية ولا تتحقق التنمية. وكان من الواضح ازدياد اهتمام الانقاذ بوجود مشكلات اقتصادية تتفاقم باضطراد، والدليل على ذلك أن يعقد رئيس الجمهورية ـ وفي مثل هذه الظروف ـ مؤتمراً صحفياً يعلن فيه قرارات الاعفاء الضريبي وخصخصة عدد من الشركات. وهذه مهمة كان يقوم بها وزير المالية أو موظف رفيع من الدرجات العليا، وهذا يعني ان القرارات لها دلالات أكبر هذه المرة، ونتمنى أن تكون هذه الدلالات أولوية الاقتصاد في سياسة الانقاذ ومن منظور التنمية ورفع مستوى المعيشة، وأن يعني هذا الاهتمام أن الانقاذ تذكرت ما يسمى المواطن العادي الذي يتوق إلى حياة كريمة تلبي فيها حاجات لم تعد أساسية أو «أولية» بل بديهية: تعليم، علاج، مواصلات، ماء نظيف وكهرباء. وهذه هي الفريضة الغائبة في كل الأحاديث واللقاءات فالمتتبع يقرأ أو يسمع عن أرقام مهولة دون أن يلاحظ كيف تحولت إلى خدمات وتسهيلات حياتية للمواطنين، وتتحول الأرقام إلى أشياء خيالية مثل العنقاء نسمع عنها ولا نراها. فهذه المليارات لا نحسها في الشوارع المحفورة ولا المستشفيات أو بوابات الموت ولا المدارس والجامعات المنافسة لتكاليف الفنادق الفخمة. يبدو ان الخصخصة كسياسة قد أصبحت من ثوابت الإنقاذ، فقد أكد رئيس الجمهورية مضي الحكومة في برنامج الخصخصة ووصفه بأنه برنامج نافذ ولا رجعة عنه وأنه سوف يشمل كل الشركات القومية دون استثناء، نلاحظ انه رغم وجود تسمية أخرى للخصخصة وهي التحرير الاقتصادي الا ان الانقاذ على كل المستويات تتجنب مصطلح تحرير الاقتصاد، وهذا الموقف ليس صدفة ولكن هناك أسئلة مهمة قد تثار وأثيرت في بلدان أخرى، منها: هل يمكن إحداث تحرير اقتصادي دون تحرير سياسي أو هل هناك حرية اقتصادية بلا حريات سياسية وثقافية واجتماعية مصاحبة؟ يعتقد البعض خطأ امكانية ذلك ويضربون مثلاً ببعض دول جنوب شرقي آسيا أو النمور الآسيوية، وقد أثبتت الأزمة الاقتصادية الأخيرة خطأ هذا الافتراض، وبالتالي شهدت دول تلك المنطقة تحولات واضحة نحو الديمقراطية والتعددية، لذلك على نظام الانقاذ أن يسارع في التحرير السياسي إذا أراد نجاحاً حقيقياً للتحرير الاقتصادي. كما انه مطالب بقدر من الانفتاح الاجتماعي والثقافي الذي يلازم الاقتصاد الحر. وهذه معادلة صعبة لأصحاب المشروع الحضاري، فلنفرض مثلاً ان شركة لوفتهانزا اشترت الخطوط الجوية السودانية وطلبت من المضيفات ارتداء ملابس معينة غير تلك المفروضة في أماكن عمل سودانية أخرى، ماذا ستفعل الحكومة؟ هل ستعتبر تلك المؤسسات الخاصة مناطق حكم ذاتي مستثناة من القوانين العامة السائدة؟ ركز رئيس الجمهورية بعد الخصخصة على القرارات الضرائبية، وهذا موضوع يحتاج بالفعل لدراسة جدوى تبدأ من الإجابة على سؤال: هل مردود هذه الضرائب يعادل الجهد والمال الذي يبذل وينفق؟ وهل تسببت هذه الضرائب في اضرار غير مرئية مثل إحجام الناس عن الأعمال الخاصة؟ والأهم من ذلك هل تنفق هذه الضرائب والزكاة في المصارف المطلوبة وفي التنمية والنهضة الاقتصادية؟ ومن المفارقات أن يصدر في اليوم نفسه تقرير المراجع العام وهو مليء بمخالفات مذهلة في الجهاز المصرفي وإهدار للمال العام. وحالات التعدي على المال العام بلغت 440 مليون دينار في البنوك والمؤسسات والهيئات والشركات والوحدات الاتحادية، وتخيل حين يطالع المواطن ـ في الداخل والاغتراب ـ تقرير المراجع العام ووقائع المؤتمر الصحفي في يوم واحد، ماذا سيكون مدى شعوره بالانتماء لهذا الوطن لكي يدفع الضرائب وهو مرتاح الضمير. ورغم ان الرئيس قد ربط بين الضرائب وصرفها في التنمية، إلا ننا نجد بعد أيام ـ وهذا على سبيل المثال فقط ـ ان المجلس الوطني صادق على ما يلي: رفع المكافأة الشهرية لعضو المجلس الوطني إلى 550 ألفا بدلاً عن 250 ألفا وبدل جلسات 30 ألف جنيه، ومنح 450 ألفا مكافأة شهرية لأعضاء المجالس الولائية و15 ألف جنيه بدل جلسات، والملاحظة المضحكة في هذا الصرف البذخي هو صرف بدل الجلسات لنائب برلماني وظيفته حضور جلسات فهل هذا عمل إضافي يعوض عليه؟ قس على هذا النوع من الصرف لتعلم أين تذهب الضرائب؟ بشر الرئيس في المؤتمر الصحفي بأنه قد تمت صياغة برنامج لمناهضة الفقر جنباً إلى جنب برنامج إنعاش الزراعة، ويبدو من هذا الحديث ربط الفقر بالريف ولكن الفقر يعشعش الآن في قلب العاصمة والمراكز الحضرية، وهناك مظهر ومسبب هام يتم تجاهله في الرؤية الاقتصادية للانقاذ فيما يخص الفقر وأعني بذلك البطالة وبالذات بين الشباب الخريجين الذين صاروا بلا مستقبل في أوطانهم والمستقبل يعني في قاموسهم الهجرة إلى العالم الجديد، ولا أدري كيف تسمح دولة محترمة وعاقلة بمثل هذا النزيف وهي تتحدث عن النهضة الاقتصادية والتنموية أو عن الانطلاق اقتصادياً، لا توجد أي برامج للتشغيل واستيعاب هذه الأعداد من الخريجين علماً بأن الانقاذ أغرقت البلد بالجامعات وبالشهادات العليا، وكأن مهمة الدولة تنتهي عند حصول شبابها على شهادات فقط، خلق فرص عمل جديدة يجب أن يكون الأولوية في أي خطة اقتصادية أو إصلاحات اقتصادية، ولكن في الواقع يضيف النظام أعداداً جديدة من المشردين نتيجة تحرير الاقتصاد غير المدروس. ومن أهم إخفاقات الانقاذ التدهور المريع في مستوى الخدمات والذي وصل حدا مخيفاً، فمن الذي يصدق ان العاصمة المثلثة التي تحيطها الأنهار تعاني من مشكلة المياه ـ مثل العيس التي ذكرها الشاعر؟ وهذه عاصمة مظلمة كئيبة ومن أهم انجازات هيئة الكهرباء أن تبرمج القطوعات، هذه عبقرية تحسد عليها الهيئة فهي منذ سنين تفخر بأن تخبر المواطنين مبكرا بموقف القطوعات! وفي هذا الصيف يعاني المواطنون من الانقطاع الفجائي بينما الهيئة مشغولة بنثر الوعود التي تعود عليها الناس منذ سنوات، وهذه حاجات أساسية في أدبيات الأمم المتحدة وحتى الآن لم يستطع أصحاب المشروع الحضاري تلبيتها في المدن، والعجيب ان النظام الحالي لديه قدرة هائلة على الصهينة مهما تحدث المواطنون عن هذه المشكلات فهو لا يستجيب للاحتجاج لأنه مشغول بقضايا كبرى أخرى! نتمنى أن يكون أسبوع الاقتصاد السابق هو بداية اهتمام حقيقي بالتنمية بدءا من الخدمات ورفع مستوى المعيشة، الا يستحق المواطن السوداني بعد كل هذه المعاناة أن يرتاح قليلاً ويشعر بانسانيته؟ أظن ان المقصد الأعلى الاقتصاد الاسلامي أو المشروع الاسلامي عامة هو كرامة الانسان والذي كرمه ربه، فلماذا يتسلط البعض لانقاص هذه الكرامة بقصد أو بدون قصد؟ يجب أن تلتفت الانقاذ الى تلبية حاجات المواطنين الأولية وفي هذا احترام لحقوق الانسان، لأن التنمية الاقتصادية أصبحت الآن من حقوق الانسان بالاضافة للحقوق السياسية المعروفة، فهل تستمر الانقاذ في انتهاك حقوق الانسان السوداني في جانب آخر هو عدم رفع مستوى المعيشة وتحسين الخدمات الأولية؟ بقلم : د. حيدر ابراهيم علي