يجمع وزير الاعلام غازي العريضي والوزير السابق للخارجية النائب فارس بويز على ان اعادة انتشار القوات السورية «قد جعل الكرة في مرمى الحكم اللبناني». وان دلالاتها السياسية تبقى اعمق من مظاهرها العسكرية والامنية وهي تعني نقطتين اساسيتين أولهما تعزيز الحوار الوطني بين اللبنانيين والذي كان قد بدأه مؤخرا رئيس الجمهورية اميل لحود والثانية تأكيد سوريا على رغبتها بقيام هذا الحوار واستكماله على ان يشمل مختلف الجوانب التي يبدو التوافق عليها والاتفاق بشأنها ضروري لقيام دولة المؤسسات والقانون. ويجمع العريضي وفارس على ان اعادة الانتشار ليس جديدا، لكنه بدأ على مراحل منذ فترة بعيدة، وكاد يتوقف نتيجة التشنجات السياسية المحلية، والحملات المتجنية على دمشق، ومحاولة الاساءة الى الدور السوري في لبنان رغم انه «ابقى لبنان منذ العام 1975 على الخريطة العربية» حسب تعبير الامين العام المساعد «لحزب البعث العربي الاشتراكي» عبدالله الاحمر الذي زار لبنان مؤخرا، واكد ان خطوة اعادة الانتشار تمت في اطار الاتفاق والحوار بين الحكومتين والمسئولين في سوريا ولبنان وهذا الموضوع ليس جديدا، وهو مرتبط بالحكومتين في اطار التنسيق والتعاون بينهما. واضاف: ان الاتفاق والحوار مستمران بين المسئولين السوريين واللبنانيين، فنحن ابناء شعب واحد في بلدين، مؤكدا انه لا عودة الى الماضي في لبنان وداعيا الى ضرورة الحوار الداخلي بين كل الاطراف والقوى على الساحة اللبنانية من اجل وحدة لبنان. ويعتبر العريضي ان تلك الخطوة تعزز اكثر فاكثر مناخ الحوار الداخلي، وتخلق استرخاء سياسيا يدفع الاستقرار الى الامام، ويعزز الثقة بيننا وبين الاخوان السوريين الامر الذي يمكننا من مناقشة كل القضايا بعيدا عن التشنج والتشكيك والتخوين. ولا يستبعد العريضي ان تكون هناك ضرورات امنية تستوجب وجود قوات سورية في مناطق معينة. واضاف ان سوريا شعرت مرارا في الاونة الاخيرة بالذات ان ثمة استهدافا من بعض اللبنانيين ضدها، وان ذلك ترافق مع ارتفاع وتيرة التهديدات والاعتداءات الاسرائيلية. اهمية الانتشار ويرى الوزير بويز ان اهمية اعادة الانتشار تكمن في مبدأ تعاطي الدولة معها: ومدى التقاطها من قبلها لممارسة مسئولياتها الوطنية والسيادية، مضيفا: انه لم تحسن الدولة اللبنانية التصرف فقد شوهت تلك الخطوة السورية، وافقدتها معانيها، والفرص التي تمنحها لتعزيز التفاهم والحوار والتقارب بين اللبنانيين. وعلى هذا الاساس، وفق العريضي وجعجع شكلت خطوة اعادة الانتشار محطة بارزة في تحريك الجو السياسي العام، وقوبلت بارتياح وايجابية من العديد من الاطراف السياسية، ومنها بكركي التي املت باستكمالها بخطوات اخرى تعزز الثقة، بحيث يكون الانسحاب شاملا من كامل بيروت وفق ما هو مقرر انجازه خلال فترة وجيزة. وخطوة اعادة الانتشار تم خلالها اخلاء مواقع للقوات السورية في بيروت وجبل لبنان في اطار خطة متكاملة، وقد حرص العديد من الشخصيات والهيئات التي طرحت خلال الاشهر الماضية مسألة الوجع السوري في لبنان، على النظر الى تلك العملية الايجابية في اطار تعزيز الحوار الداخلي. الوزير السابق فؤاد بطرس المكلف بمسعى بين دمشق والاطراف والمعارضة عكس ارتياح بكركي للخطوة، ودعا الى الثناء عليها، مشيرا الى ان الطريقة التي اعلنت فيهامن قبل قيادة الجيش اللبناني وتزامنها مع مبادرة الرئيس اميل لحود للحوار يدلان على ان فكرة هذا الحوار تلاقي استحسانا في سوريا، وملاحظا انها خطوة من خطوات عديدة ستتبعها في المستقبل لحل جميع المشاكل. اصداء دولية ودوليا، اعلنت باريس انها تتابع باهتمام التطورات الحاصلة في لبنان، وتريد معرفة ما اذا كان ذلك خطوة اولى، وما هو اوسع باتجاه تطبيق الطائف ومن جهتها اعلنت الولايات المتحدة الامريكية على لسان الناطق باسم وزارة خارجيتها فيلب ريك انها ستتابع التطورات في لبنان عن كثب، وقال: لا نعتقد ان هذه التحركات تمثل تغييرا مهما في الوجود العسكري السوري في لبنان. وكانت ترافقت خطوة اعادة الانتشار مع سلسلة من اللقاءات الحوارية قام بها الرئيس لحود وترافقت مع استكمال الحوار بين سوريا والاطراف اللبنانية من خلال لقاءات الرئيس السوري بشار الاسد. واعلن الرئيس اللبناني ان ابواب القصر الجمهوري مفتوحة للحوار، الذي لن يستثني احدا حسب تعبيره وكان قد التقى كلا من البطريرك الماروني الكاردينال نصر الله بطرس صفير، والنائب وليد جنبلاط الذي وصف الاجواء «بالايجابية والممتازة» كذلك شمل الحوار بعض الاطراف المشاركين في لقاء «قرنة شهوان» منهم المطران يوسف بشارة. العريضي والدور المطلوب يبدأ العريضي كلامه واصفا الانسحابات في السياق السياسي العام بقوله: انها استكمال خطوات سبق أن بدأتها القيادة السورية بالتنسيق والتشاور مع القيادات اللبنانية سياسيا وعسكريا ليست تلك الخطوة الاولى لاعادة انتشار القوات العربية السورية العاملة في لبنان فهي موجودة فيه منذ زمن طويل، وقد ساعدت القوات الامنية الشرعية اللبنانية على بناء نفسها، حتى انها ساهمت بتسليحها وتقديم المساعدات لها، وجعلها تقوم بالدور المطلوب منها، عندما كان المطلوب من القوات السورية ملء فراغ معين، كانت القوات السورية بتنسيق بينها وبين القيادة اللبنانية تعيد الانتشار وصارت هناك عملية اعادة الانتشار قبل حوالي سبعة اشهر لم يعلن عنها رسميا، لكن الصحف نشرت حواراً عن اماكن جرى اخلاءها ولم تكن تبديل قوات بل اعادة انتشار حقيقية وتسلمت مكانها القوات الامنية اللبنانية. الان اعيد تحريك هذا الموضوع من قبل القيادة السورية وذلك استكمالا للخطوات السابقة، وترسيخ الثقة القائمة بين الدولتين اللبنانية والسورية سيما وان التركيز كان دائما من قبل سوريا على ان موضوع الوجود السوري كله، سواء اعادة انتشار او بقاء او تفاهم فان هذا يعود الى الدولتين اللبنانية والسورية ضمن نطاق المؤسسات. والخطوة الجديدة تم فيها الاتفاق بين الرئيسين بشار الاسد واميل لحود، فترجمتها المؤسسات العسكرية كخطوة ميدانية على الارض، ثم ان ذلك يعزز اكثر فاكثر مناخ الحوار الداخلي الذي كان قد بدأه من موقعه كرأس للبلاد، وكمؤتمن على الحوار بين اللبنانيين، بدأ مع البطريرك «صفير» ثم مع وليد بك «جنبلاط» وغيرهما من الشخصيات السياسية والمرجعيات وخلق ذلك المناخ بعض من الاسترخاء السياسي الذي يعزز الاستقرار الذي فيه مصلحة للجميع. وعن اهمية الانسحابات من الناحية الاستراتيجية خاصة من مناطق اليرزة وبعبدا، يقول العريضي: اولا لم تكن الانسحابات من اليرزة وبعبدا فقط، بل شملت مواقع عديدة في المتن لسنا خبراء عسكريين، ولا نستطيع بالتالي تحديد ما اذا كانت تلك المناطق نقاطا استراتيجية، ام عادية، لسنا نحن من يحدد ذلك بل القيادة العسكرية ودائما نقول ان ذلك يعود الى القيادتين العسكريتين اللبنانية والسورية، لكن الانسحابات حصلت في اماكن عدة منها ايضا في الحدث وكفرشيما، والعديد من المناطق في المتن، والبرارة وبعبدا. ولا اننا لا نزال في حالة مواجهته مع اسرائيل، فإن هناك ضرورات امنية تستوجب وجود قوات سورية في مناطق معينة، ومثل هذا الامر وحسب اتفاق الطائف تقرره القيادتان ايضا في لبنان وسوريا. الشعور بالاستهداف ـ وعن التغيرات التي حصلت واتاحت اعادة استكمال الانتشار بعد ان سبق ان توقف في الماضي نتيجة التشنجات والانفعالات والخلافات السياسية يوضح وزير الاعلام: اذا كان البعض يعتقد ان سوريا عادت لاستكمال اعادة انتشار قواتها تحت الضغط فإنه يكون مخطئا، لانها كانت تقوم بذلك من قبل، وهذا هو المقصود بكل صراحة وكل وضوح. وقد شعرت بأن هناك استهدافاً ضدها من قبل اطراف لم يكن يطالبون باعادة تموضع بل بانسحاب سوري كامل، كانوا يطالبون بتطبيق قرار الرقم520 ويحملون سوريا مسئولية الازمة الاقتصادية القائمة في البلد ويعتبرون ان المواجهة بين الاسرائيلي والفلسطيني كانت مسألة ظرف، لانهما لا يتحاوران مع بعضهما البعض. وقامت سوريا بتجميد الخطوة الميدانية على الارض، وشجعت على الحوار الداخلي، وفتحت ابوابها لكل الناس الذين يريدون التحاور معها، واقول بصراحة انه ظهرت انذاك اخطاء من جانب لبنان واخرى من جانب سوريا لكن القيادة السورية بادرت الى معالجتها وبشجاعة تامة، واجراء اتصالات واعلان مواقف تبدد كل ما جرى مع سياسيين لبنانيين، وتعيد فتح قنوات الاتصال وتستقبل كل الناس وتحكي معهم وذلك ضمن حوار في العمق حول كل المسائل والقضايا. الفرز السياسي يذكر العريضي انه يجب ان لا يقرأ احد ما حصل قراءة مجتزأة للواقع السياسي في البلد، فاذا تابعنا من «بيان المطارنة» الى بيان «قرنة شهوان» نلاحظ ان هناك تحولاً كبيراً، هناك فرز في البلد وهذا واضح في بيان المطارنة حديث عن وجوب تنفيذ القرار 520 وان سوريا مسئولة عن الازمة الاقتصادية والاجتماعية، لكن بيان «قرنة شهوان» الذي اخذ مباركة بكركي لم يكن هناك اشارة الى الـ 520 ولا أي اتهام الى سوريا وفيه كلام عن مزارع شبعا والصراع العربي الاسرائيلي، ومسئولية اسرائيل في هذا العدوان المفتوح، هذا تطور تحول حقيقي في الحياة السياسية الداخلية. لقد حصل فرز وفي مرحلة معينة اعتبرت بكركي «متراساً» ووقف الكل وراءه وفي 23 مارس الماضي عندما عاد البطريرك صفير الى بكركي طلعت اصوات تنتقد رئيس الجمهورية والدولة اللبنانية، فكان لبكركي بيان اكدت فيه انها لا تقبل بمثل تلك المواقف وبأنها تحترم المرجعيات والدولة وما الى ذلك. ثم يؤكد العريضي على ان مختلف ردود الفعل اللبنانية على اعادة الانتشار كانت ايجابية: واعود لأؤكد انه يجب التعاطي مع مثل هذه الامور بأعلى المستويات والجدية التي حملتها الخطوة بحد ذاتها، هناك خطوة كبيرة جداً من قبل القيادة السورية والقيادة اللبنانية ينبغي التعاطي معها بكل ايجابية وجدية وعقلانية وحكمة، ويخطيء من يتصرف بكبرياء وعنجهية ومن يعتبر ان ما يحصل هو خدعة ومسرحية. بويز واسلوب بشار من جهته يقول الوزير السابق النائب فارس بويز ان اعادة تمركز القوات السورية خطوة هامة جدا، ولكن اهميتها تبقى مرتبطة بمبدأ تعاطي الدولة معها، ومدى التقاطها من قبل الدولة لممارسة مسئولياتها الوطنية السيادية، وإلا قد تبقى تلك الخطوة يتيمة ودون منتوج بناء وهي كما اعتقد بدأت منذ زمن وغير صحيح انها جاءت عفوية وتمت الآن، كلنا نعرف ان جزءاً لا يستهان به من الجيش السوري بدأ باعادة الانتشار وبسحب اجزاء منه منذ حوالي ثمانية او تسعة اشهر تقريباً قبل الانتخابات النيابية الاخيرة، لكن العملية توقفت بعد التصعيد الداخلي الذي حصل. واتذكر ان معظم الذين التقوا الرئيس بشار الاسد سمعوا منه كلاماً يستغرب فيه الضجة القائمة في لبنان، فيما هو يعتبر انه كان قد بدأ سياسة تطوير العلاقات اللبنانية ـ السورية تتضمن اعادة تمركز القوات السورية وتغيير النهج والاسلوب في التعاطي باتجاه تحميل الدولة مزيداً من مسئولياتها في مقاربة الامور الداخلية. وأضع اعادة الانتشار ضمن استمرارية ومنهجية سوريا في ظل حكم الرئيس بشار الاسد وهي خطوة مرحلية طبعاً غير مكتملة، فالمطلوب فعلاً ان تتحمل الدولة كل المسئوليات السيادية منها والسياسة الامنية في البلاد، كما انني اعتبر وهذا الاهم ان مصير تلك الخطوة سواء الايجابي او غير ذلك او تميز هذه الخطوة على المستويات السياسية والاقتصادية والمعنوية سيكون رهناً بارادة الدولة التي اما انها تتعاطى مع ذلك الحدث بشكل فارع او غير ديناميكي بمعنى انها لاتعمل شيئاً وهذا سيطرح سؤال هل فعلاً الدولة اللبنانية قادرة بمعزل عن ارادة سوريا بالانسحاب ام عدم الانسحاب ان تتحمل مسئوليتها وممارستها ام لا، او انها تتعاطى بشكل ثبت فيه بأن ذلك الانسحاب ايجابي يمكنها من ان تثبت تجاه شعبها اولا بأنها قادرة على بسط سلطتها وممارسة صلاحيتها ومسئوليتها السيادية كما قلنا وان تثبت تجاه سوريا بأنها لم «تخربط» لها خطة اعادة التمركز او الانسحاب لانني اعتبر ان الدولة اذا لم تتحمل مسئوليتها تكون قد شوهت تلك الخطوة بينما المطلوب ان تمارس فعلا لا قولاً ذلك. بيروت ـ وليد زهر الدين: