«حاولنا الخروج من الفخ السوري ضغطنا على بدالات الوقود في الدبابات لكي نجتاز الكيلو مترات الاربعة التي كانت تسيطر عليها القوات السورية لكن تلك المسافة كانت وكأنها اطول مسافة في العالم»، هكذا لخص أحد القلائل الذين نجوا من معركة الدبابات في منطقة سلطان يعقوب بلبنان عام 1982 ضد القوات السورية الموقف لصحيفة «معاريف»، وكأنه يستعيد أمام الرأي العام الإسرائيلي مرارة الهزيمة أمام صلابة الجندي السوري يطلق رسالة تحذير لشارون من دفع تل ابيب لمواجهة إسرائيلية جديدة مع دمشق. على الرغم من مرور 19 سنة على معركة سلطان يعقوب والتي قتل فيها وفقا للأرقام الرسمية الاسرائيلية 20 ضابطا وجنديا لا يزال هناك ثلاثة في عداد المفقودين، ولاتزال هناك اسئلة عديدة بلا اجابة في اسرائيل خاصة وان القوات الاسرائيلية توجهت لمنطقة تواجد القوات السورية في لبنان دون ان يحذرها احد من ذلك، وبدون ان تحاول قوات اسرائيلية قريبة (بقيادة ايهود باراك رئيس الوزراء السابق) التدخل لصالح الكتيبة الإسرائيلية هذا بالاضافة لعدم بذل جهود لانقاذ وإخلاء الجرحى والقتلى إلا في اليوم التالي للمعركة. . حتى المفقودين لا احد يعرف مصيرهم الحقيقي. التعتيم حول الهزيمة العسكرية واسبابها ارجعه محللون إسرائيليون لضغوط من ايهود باراك الرجل الثاني آنذاك في القوات الإسرائيلية المواجهه لسوريا. الصحيفة كشفت لاول مرة ان قادة الجيش الاسرائيلي وعلى رأسهم «ايهود باراك» كانوا يعرفون من خلال صور جوية بتواجد قوات سورية قرب قرية سلطان يعقوب، وربما يكون تواجد قوات فلسطينية تابعة لفتح والجبهة هو الذي دفع القوات الاسرائيلية للزحف على المنطقة التي يقطنها عشرات الالاف من السكان المسلمين السنة، المعركة دارت عند مدخل القرية وعندما اقتربت القوات الاسرائيلية من مفترق طرق يؤدي في النهاية لطريق بيروت دمشق الاستراتيجي الهام. احد الاخطاء الفادحة التي ارتكبها القادة الاسرائيليون في تلك المعركة انهم تخيلوا ان القوات السورية منهكة من ضربات القوات الجوية والمدفعية الإسرائيلية وان من بقى منهم بالمنطقة يسعى فقط للهروب نحو الشمال، لكن ما حدث كان سيناريو مختلفاً تماما فقد كانت هناك قوة سورية تابعة للواء يحمل رقم 91 وكانت بالفعل منهكة لكن لم تأمر القيادة السورية بانسحابها بل دفعت بتعزيزات تتمثل في قوات اللواء رقم 58 التي لم تكن شاركت في القتال بعد، وهو الاجراء الذي خدع الاسرائيليين وضللهم. دوافع وقف النار وثائق وشهادات إسرائيلية كشفت ايضا ان المعركة التي دفعت الاسرائيليين لقبول وقف اطلاق النار في لبنان فورا كان يمكن تجنبها لو تم تحليل الصور الجوية التي التقطتها طائرة اسرائيلية في ظهيرة اليوم السابق للمعركة وهو اليوم الذي كانت سماؤه صافية فظهرت القوات السورية بوضوح. كما كشفت الوثائق ان الخطة الاسرائيلية كانت ترمي بالفعل للسيطرة على طريق دمشق بيروت او الاقتراب منه بدرجة كبيرة، لكن الخسائر كانت فادحة وعلى رأسها اكتشاف السوريين لوسائل تسليح وتأمين سرية للدبابات الإسرائيلية حيث كان الإسرائيليون يضعون بروزاً لا هدف منها سوى تفجير القنابل الخارقة للدروع خارج جسم الدبابة. الدبابات والقوات الاسرائيلية تحركت نحو الهدف متسللة بدون ان تضيء انوارها وفجأة تم رصد قافلة تقترب، فتم ايقاف المحركات وكمن الجميع في اماكنهم لكن اتضح في النهاية ان القافلة تابعة للقوات الاسرائيلية وتقوم بامداد الجنود بالعتاد والطعام دون تنسيق مع القوة المتقدمة وهو الموقف الذي تكرر مع قوة اخرى تابعة للمدفعية الاسرائيلية وانتهى بقصف القوات الاسرائيلية لبعضها البعض وتدمير دبابتين على الاقل قبل ان يتوقف اطلاق النار. بعد ذلك توجهت القوات الإسرائيلية نحو مفترق الطرق الذي يسبق قرية «سلطان يعقوب» واستمرت نحو القرية نفسها وعندئذ تلقت اول دفعة نيران من القوات السورية التي فوجئت بالقوات الاسرائيلية وهي تتوجه لمنطقتها، ومع هذا تركهم السوريون يتوغلون قليلا حتى اصبحت القوات السورية على جانبي القوة الإسرائيلية المهاجمة. القوة السورية كانت تتكون فقط من بضع عشرات من الدبابات وبضع عشرات من قوات عالية التدريب مزودة بصواريخ مضادة للدبابات ومدفعية. اطلاق النار جاء في لحظة واحدة بعد ان استطاع السوريون التزام الهدوء حتى بعد ان اقترب الاسرائيليون منهم لمسافة امتار قليلة. . الغريب ان القوات الاسرائيلية تلقت امرا بالتقدم للأمام اعتقادا من القائد العام (باراك) بأن القوات المهاجمة أتت من الجوانب فقط وانه لا توجد قوات سورية في الامام وحينئذ انفصلت اكثر من سرية في المؤخرة عن بقية القوات بمسافة ثلاثة كيلو مترات وعندما اشرقت الشمس مع فجر اليوم التالي استوعب الاسرائيليون لاول مرة الوضع الحقيقي وهو انهم محاصرون حتى القوات التي حاولت بعد ذلك التوجه لهم تم قصفها وتكبدت خسائر فادحة، السرايا التي انفصلت لم تكن افضل حظا فتم تدمير عدد كبير من دباباتها وتعالت في اجهزة اللاسلكي نداءات الاستغاثة اليائسة. محاولة انقاذ خطة الانقاذ الاسرائيلية اعتمدت على قصف وحشي بالمدفعية للمواقع السورية بهدف التسلل خارج الحصار خلال القصف وبالفعل تم التنفيذ وسط هدير مئات الدبابات في ظل اوامر صريحة بعدم التوقف لمساعدة اية دبابة تصاب خلال الهروب، وبالفعل اصيبت دبابات ظل بها قتلى وجرحى حسب الرواية الاسرائيلية (التي تبدو ضعيفة بالنسبة لوجود جرحى حيث سلم السوريون جثث القتلى بعد انتهاء القتال ) من بين الدبابات التي تم تدميرها دبابة وقع اثنان من طاقمها اسرى بينما لا يزال موقف اثنين منهم غامضا حتى بعد مرور 19 عاما حيث تعتبرهم اسرائيل في عداد المفقودين احد قادة اطقم الدبابات زعم انه كان ترك موقعه على جهاز اللاسلكي ليساعد من يجهز الذخيرة فلم يسمع اللاسلكي وهو يبلغ الوحدات بوجود دبابات اسرائيلية مدمرة لكي يساعد طاقمها، وانه عاد ليسمع فقط الامر بالتحرك (الهروب) باقصى سرعة ! القوة الاسرائيلية توجهت لطريق فرعي يمين القرية تنفيذا لاوامر تلقوها باللاسلكي لكن اتضح وجود قوات سورية في تلك المنطقة ايضا، وقد حاول الاسرى الاسرائيليين الفرار وبعد ان ادركوا استحالة ذلك نزعوا العلامات المميزة للجيش الاسرائيلي قبل ان يعلموا ان بعضهم معتقل في معسكر تابع لاحمد جبريل والبعض الاخر في سجن سوري. . الغريب ان عدداً من هؤلاء الاسرى حاولوا الزعم بأنهم جنود عراقيين وتحدثوا باللغة العربية إلا انه تم اكتشاف خدعتهم بسرعة خاصة بعد ان لاحظ احد الجنود السوريين ارتدائهم للحذاء المميز للقوات الاسرائيلية. المحصلة النهائية وفقا للارقام الرسمية الاسرائيلية اصابة العشرات وقتل عشرين و اسر نحو خمسة وفقد ثلاثة (من القوات المهاجمة ومن تلك التي حاولت تخليصها ) بالاضافة لسقوط عدد من الدبابات سليمة في الاسر السوري، ولم يشفع للاسرائيليين سوى التزام السوريين بوقف اطلاق النار حيث كانت اخر دفعة نيران قبيل دخول موعد تنفيذ وقف اطلاق النار هي دفعات من صواريخ كاتيوشا، الخسائر ارتفعت حتى بعد وقف اطلاق النار بسبب سقوط طائرة هليكوبتر اسرائيلية خلال اخلائها للقوات المتواجدة بالموقع. التقرير الاسرائيلي اعترف بهزيمة الجيش الاسرائيلي في الحرب البرية ضد القوات السورية واكد انه من حق السوريين الاحتفال بالنصر وعرض الدبابات الاسرائيلية الاسيرة في الاستعراضات العسكرية السنوية. اما بالنسبة للاسرى فقد تم اعادتهم بعد نحو سنة من وقف القتال في اطار صفقة شاملة، في حين تم اطلاق سراح اخر الأسرى في عام 1985 بعد ان ظل الاسرائيليون لاكثر من ثلاث سنوات لا يعرفون انه سقط في الاسر على الرغم من ان الصحف اللبنانية نشرت اسمه كاملا فور وقوعه في الاسر ! هذا ولا يزال عدد من عائلات المفقودين الثلاثة يعتقدون بامكانية وجودهم احياء في السجون السورية . القائد الغائب المثير للدهشة انه في حين كان قائد القوات الإسرائيلية المرابطة ضد القوات السورية في اجتماع بارييل شارون (وزير الدفاع آنذاك) في مقر قيادة المنطقة الشمالية كان نائبه «ايهود باراك» يقود العملية باللاسلكي دون ان يبلغ القوات التابعة له بانهم سيصطدمون بقوات سورية، وعلى الرغم من هذا تم القاء اللوم على القائد الغائب فقط وهو الوضع الذي استمر على مدار السنوات خاصة في ظل تصعيد باراك للمناصب العليا بداية من رئيس المخابرات العسكرية مرورا برئاسة الاركان فرئاسة الوزراء، وهو الوضع الذي استفز احد المؤرخين العسكريين فكتب بوصفه شاهد عيان: (اود ان اعبر عن تقديري للقائد الغائب على سلوكه وتحمله للمسئولية، لكن من المؤسف عدم تحمل احد من الذين قادوا المعارك بالفعل مسئولية الهزيمة). وقد حدث هذا وسط سخط من بقى من القوة الاسرائيلية على قيد الحياة حيث قالوا: لقد خدعونا ولم يخبرونا بوجود قوات سورية بالمنطقة، ومع هذا زعم قادتنا في التحقيقات ان كل شيء كان على ما يرام حتى لا يتلقوا أي عقاب يؤثر على مستقبلهم الوظيفي. القاهرة- مكتب «البيان»