خرجت فكرة العقوبات الذكية المقترحة على العراق، لسببين لا علاقة لهما ببعض، ولا رابط بينهما. الأول: فشل نظام العقوبات الذي وضع على العراق منذ 1991، بسبب اتساع رقعة التهريب، وتآكل الالتزام الاقليمي، وبفضل اغراءات العقود التي نجح العراق في تحفيز الشهية الاقليمية والدولية نحو اغراءاتها، ومشاركة ايران في السباق نحو المكاسب التي يجنيها غض الطرف عما يدور في مياهها الاقليمية بادارة الحرس الثوري المستفيد الاكبر من خطوط التهريب. الثاني: جاءت فكرة العقوبات الذكية من خلال المنافسة بين الخارجية الامريكية والبنتاجون «وزارة الدفاع»، وزير الخارجية كولن باول شخصية هادئة وطنية، لها حضور واعتدال ونزيهة، لا تؤمن بالمغامرات ولا تحن إلى اجواء الحرب الباردة، بينما وزير الدفاع المشهور بالصقورية والحدة والرغبة الجامحة في المواجهة مع العراق، يساعده نائبه ودلجرفيتس، ودوجلاس فيث وريتشارد بيرل، وهم مجموعة تؤمن بفوائد القوة وتدافع عن منطقها، وتؤمن بدورها في العلاقات الدولية، هذا الصراع الدائر بين الطرفين أوحى إلى الوزير الاسمر كولن باول بمشروع العقوبات الذكية، ويتألف المشروع من اربع نقاط: - رفع الحظر على استيراد العراق من البضائع المدنية، والسماح له بشراء ما يريد، وفق قاعدة كل شيء مسموح ما عدا ما تعترض عليه اللجنة الخاصة بالعقوبات. - مراقبة واردات العراق من البضائع ذات الاستعمال المزدوج ومنعها، وجعلها تحت سيطرة اللجنة. - تبني اجراءات لوقف تهريب النفط وغيره من المواد المحظورة التي تساعد العراق في اعادة برامج تسلحه، بما فيها تواجد مراقبين في دول الجوار. - تحويل كل أموال النفط بما فيها الشريحة المسموح بها الان مثل حالة الاردن، إلى الحساب المفتوح الذي تسيطر عليه الامم المتحدة، بمعنى حرمان العراق من التمتع مباشرة من ايرادات النفط. هذا النظام الجديد قوبل بمواجهة عنيفة من بغداد، لعدة اسباب اهمها: - حرمان العراق من اموال التهريب التي تتصرف بها حكومته وفق ما تريد، بما في ذلك الضريبة الاضافية التي تفرضها على كل برميل يصدر. - انحسار المصداقية بمقولة معاناة الشعب، بعد فتح الابواب للحكومة العراقية لتشتري ما تريد. - الخوف من ديمومة المشروع في ظل الجمود السائد وعلى خلفية رفض العراق عودة المفتشين الدوليين، ومعنى ذلك بناء حالة الوصاية بشكل دائم دون مخرج، سوى عودة لجنة نزع السلاح، وهو ما يرفضه العراق، أو سقوط النظام وهو امر ليس في متناول اليد. وشن العراق حملة قوية على المقترحات الامريكية، وعلى الامم المتحدة وعلى فرنسا، حيث جاء حديث طه رمضان في صحيفة «فريميا نوفوستيه» بانه ابلغ الرئيس بوتين ان الفيتو ليس حكرا على واشنطن، في اشارة إلى دعوته إلى موسكو باسقاط المشروع مع ربط ذلك بعقود تبرم مع اطراف روسية تبلغ 21 بليون دولار، كما اضاف بان فرنسا دولة استعمارية ايدت تقسيم العراق ولم تتخل عنه الا بعد ادراكها استحالة ذلك، وانها غير ملتزمة بالمباديء وانما بالمصالح الانانية، كما اتهم السكرتير العام للامم المتحدة كوفي عنان بانه خادم لوكالة الاستخبارات المركزية، ثم اضاف بان دول الجوار ستعاقب نفسها اذا وافقت على المشروع. - يتبع العراق في معركته الشرسة ضد المشروع، اربع وسائل، لعلها تسعفه. أولا: توظيف الاخفاقات الفلسطينية والعربية على مسار المفاوضات لتحقيق السلام وفق مرجعية مدريد، والاستفادة من جروح الشارع العربي الفلسطيني من مواقف الولايات المتحدة، وحشد مشاعرها ضد سياستها في المنطقة سواء تجاه المفاوضات أو تجاه العراق. ثانياً: تحفيز الدول العربية ضد المشروع واستخراج موقف عربي رسمي عام يعارض المشروع ويشكل قاعدة اعلامية سياسية للمواقف العراقية، وقد استفاد العراق من المداولات العلنية لمجلس الامن، واستمع إلى مداخلات تركية، اردنية، سورية وهي دول الجوار، ضد المشروع، وقد جاءت كلمة الوفد السوري تدين مبدأ العقوبات الاقتصادية في العلاقات بين الدول، وتشير إلى معاناة الشعب العراقي، وتستند إلى توافق عربي في قمة عمان المطالب برفع العقوبات على شعب العراق. ثالثاً: الاستنجاد بالمواقف الروسية والاحتماء بها لاسقاط المشروع مستفيدا من حاجة روسيا إلى النقد واغراءات العقود، وحاجتها إلى استرجاع ديونها من العراق، وبحثها عن دور اقليمي ودولي خاصة بعد ظهور الفتور في علاقة موسكو مع واشنطن بعد الاصرار على اقامة نظام درع الصواريخ. ومن الواضح ان روسيا تتبع اسلوبين، التهديد بالفيتو، وتقديم بدائل تعطل المشروع الامريكي وتخلع منه الفعالية. رابعاً: تهديد دول الجوار بانها ستخسر اذا ما تفاعلت مع المشروع الامريكي، واكثر الخاسرين الاردن، واكبرهم سوريا، التي تبيع النفط السوري بحوالي بليون دولار، مستفيدة من الضخ العراقي الذي يبلغ مئة وخمسين الف برميل يوميا. ومن السهل معرفة المواقف الاردنية ـ السورية والتركية من المداخلات التي حدثت في جلسات مجلس الامن. هل سينجح مشروع باول في العقوبات الذكية؟ ربما اسمح لنفسي بالقول بأنني اكثر الخليجيين خبرة في فلسفة العقوبات، بسبب ترؤسي للجنة العقوبات على جنوب افريقيا لمدة عامين 1978 ـ 1975، وخلال تلك الرئاسة لم يصلني اي تقرير عن الاختراقات التي كانت تتم بشكل مستمر من دول الجوار ومن الدول الكبرى شرقية وغربية. وقد قدمت تقريرا إلى مجلس الامن فيه شكوي من عدم اكتراث الدول بمرجعية اللجنة، ولم يفعل مجلس الامن شيئا سوى أخذ العلم وتقديم الشكر على جهودي، وبالطبع فان العقوبات التي فرضت على العراق منذ 1991، لم تنجح لان هناك المستفيد من نفطها «ايران، الاردن، وتركيا وسوريا»، من دول الجوار، ومن شركات عالمية، ودول كبرى وصغرى، في اوروبا وآسيا وغيرها. ظلت الاسلحة تصل والتكنولوجيا تهرب، طالما هناك اغراء مالي بيد الحكومة العراقية. ولهذا السبب فان جوهر العقوبات المقترحة هو حرمان الحكومة العراقية من النقد المتوفر وتحويل كل المصادر المالية إلى حسابات الامم المتحدة، لن تنجح العقوبات المقترحة لاسباب كثيرة اهمها: - لا توجد قناعة اقليمية بجدواها، وتوجد خسائر اقليمية من جرائها، ولايوجد عائد سياسي من قبولها، ويوجد توتر اقليمي من خلالها. ولا اعتقد بان دول الجوار ستوافق على التعاون مع شروطها، خاصة سوريا، الدولة التي ترى في العراق بعدا استراتيجيا ماديا وسياسيا في معركتها مع نظام شارون. - لن تخدم هذه العقوبات الدول الباحثة عن مكاسب مالية مثل روسيا واوكرانيا وروسيا البيضاء ودول الاتحاد السوفييتي سابقا، ودول اخرى اعضاء في الجامعة العربية. ويهمني التعرف على الموقف الايراني الذي يشكل مفتاح المستقبل للحالة في العراق، واعتقد ان ايران ستتابع النهج الذي تبنته في عدم التعاون مع الاطروحات الامريكية، واتباع سياسة مصلحية هادئة. - ليس هناك حماس دولي أو اقليمي لمشروع تنقصه الواقعية التطبيقية، لاسيما داخل الاقليم العربي المشدود تجاه هيجان شارون وسياسته البدائية. - سوء التوقيت حيث تسعى واشنطن لتقييد النظام العراقي في وقت يتصاعد الضجر من مواقفها تجاه اسرائيل. ومع هذا المشهد المعقد، ومن خلال دراسة الخطاب الطويل الذي قدمته العراق إلى مجلس الامن والقاه رياض القيسي، يمكن لنا ان نتوصل إلى ان العراق يريد شيئا واحدا يصر عليه، هو رفع العقوبات بدون قيد أو شرط، لانه كما يرى نفذ جميع استحقاقات قرارات مجلس الامن خاصة 687، واذا كان رفع العقوبات مستحيلا، وهو كذلك كما تقر الشواهد، فالافضل الحفاظ على الوضع الحالي، في ظل عقوبات متآكلة، وخروقات تتسع يوميا. لا يريد العراق رفع الحظر عن طريق تعاونه مع مجلس الامن حول عودة لجنة نزع السلاح، لا يريد اللجنة ولا يطيق اسمها، وخير له ـ كما يرى ـ الوضع الراهن بدلا من رفع عقوبات تأتي منها لجنة الرقابة. الوضع مربك ومعقد، ولن تفلح معه عقوبات كولن باول. هناك داخل البنتاجون رجال اشداء ينتظرون اخفاقات كولن باول، ليقدموا بدورهم الوصفة التي قد تعصف بالمنطقة مرة اخرى. بقلم: عبدالله بشارة