عندما يمر التايوانيون أسفل بنايات عالية، يلقي الكثيرون منهم بنظرة سريعة إلى أعلى خشية أن يصاب بجسم شخص يقفز من سطح البناية بغرض الانتحار. ففي العام الماضي انتحر 471،2 تايوانيا - بمتوسط 7.5 حالات انتحار كل يوم أو حالة انتحار كل ثلاث ساعات ونصف الساعة. وكان غالبية الاشخاص الذي انتحروا قد قاموا بإلقاء أنفسهم من بنايات عالية. ومتوسط معدل الانتحار في تايوان بلغ 11.14 لكل 000،100 شخص، مرتفعا من 10.36 لكل 000،100 في عام 1999. ولا يزال معدل الانتحار في تايوان متوسطا على الرغم من ذلك مقارنة بمعدل الانتحار في بعض الدول الاخرى. فتأتي ليتوانيا في مقدمة دول العالم حيث يصل معدل الانتحار بنحو 60 شخصا لكل مئة ألف شخص بينما تليها روسيا وبيلاروسا ولاتفيا وإستونيا والمجر. وفي آسيا يوجد أعلى معدل للانتحار في سريلانكا وهو 35 شخصا لكل مئة ألف شخص تليها اليابان بمعدل 26.1 من بين كل مئة ألف ثم الصين بمعدل 22 شخصا لكل مئة ألف، ولكن بينما تعاني روسيا من الفقر وسريلانكا من الحرب الاهلية فإنه لا يوجد سبب واضح لارتفاع معدلات الانتحار في تايوان. فتايوان تتمتع بالثروة والسلام، فقد ارتفع معدل دخل الفرد بها من 150 دولارا في عام 1949 إلى 13 ألف دولار حاليا ولم تدخل الجزيرة التي لا تزال الصين تعتبرها إقليما منشقا في حرب منذ نصف قرن. ويجد علماء النفس والاجتماع مجموعة من الاسباب وراء ارتفاع معدل الانتحار في تايوان - مثل العزلة الاجتماعية وضغوط العمل والبطالة ونقص شبكة الدعم وتغطية وسائل الاعلام الزائدة لحالات الانتحار. ويقول البروفيسور تشاي سونج-لين منذ خمسين عاما كانت تايوان مجتمعا زراعيا يضم مجموعة مترابطة من العائلات والعلاقات الشخصية الحميمة. والان يعيش الناس في بنايات شاهقة ولا يتبادل الجيران الاحاديث فيشعر الجميع بالوحدة. وخلال الخمسين عاما الماضية نمت تايوان من جزيرة زراعية لتصبح واحدة من أربعة تنانين آسيوية صغيرة حيث تمتلك رابع أكبر احتياطي من العملة الاجنبية في العالم، غير أن إيقاع الحياة أصبح سريعا للغاية حتى أنه لم يعد لدى الناس وقت للاستمتاع بثمار عملهم. وزادت ثورة المعلومات من أعباء الحياة. فلم يكن يوجد قبل خمسة عشر عاما سوى ثلاث محطات تلفزيون فقط وبعض الصحف اليومية. والان هناك أكثر من مئة قناة تلفزيونية ونحو 12 صحيفة يومية وأربع صحف مسائية. ويتلقى طلاب المدارس الابتدائية دروسا بعد فترة الدراسة لتعلم الانجليزية ومهارات الرسم والعزف على البيانو بينما يحضر طلاب المدارس الثانوية مدارس للاستعداد لامتحانات القبول بالجامعات. ويزداد عدد المراهقين الذين ينتحرون نتيجة ضغوط الدراسة سواء بإلقاء أنفسهم من المباني العالية أو شنق أنفسهم. وأصبح الانتحار في عام 1982 تاسع الاسباب المؤدية للوفاة في تايوان ولا يزال يحتفظ بهذه المرتبة منذ ذلك الحين. ويقول الطبيب النفسي هونج هسي-تشينج ان نقص شبكة الدعم لمرضى الاكتئاب وذوي الميول الانتحارية يعتبر سببا رئيسيا لارتفاع معدل الانتحار في تايوان. ويقول الطبيب الدول الغربية لديها شبكة للدعم من أطباء نفسيين ومعالجين نفسيين وأخصائيين نفسيين بالمدارس وخطوط للاتصال بها هاتفيا ومؤسسات لمساعدة المحتاجين، بينما في تايوان لا يوجد سوى عدد قليل جدا من الاطباء والمعالجين النفسيين. وحتى عندما تتوافر المساعدة فإن مرضى الاكتئاب لا يلجأون إليها لان المجتمع ينظر إليهم على أنهم مرضى عقليون ويعتبر الانتحار تصرفا جبانا. وبينما تعتبر العلاقات الفاشلة السبب الرئيسي للانتحار بين الشباب، فإن البطالة تعتبر من الاسباب الرئيسية للانتحار بين من هم في منتصف العمر. يذكر أن الاقتصاد التايواني قد تدهور منذ تولي الرئيس شين شوي-بيان السلطة في 20 مايو من العام الماضي وارتفع معدل البطالة إلى 3.96 في المئة في إبريل الذي يعتبر أعلى معدل خلال الاعوام الستة عشر الماضية، حيث وصل عدد العاطلين إلى 385 ألف شخص. وقد تسبب الفشل في الحصول على وظيفة في قيام بعض الازواج بالاتفاق على الانتحار أو قيامهم بقتل أطفالهم قبل أن ينتحروا. وتشمل أساليب الانتحار الشائعة القفز من مبان شاهقة أو إشعال النار في خزانات الوقود واستنشاق عادم السيارات، وهناك أيضا سبل غير معتادة مثل تقبيل ثعبان الكوبرا أو وضع الرأس في ماكينة غسيل الملابس. ولكن ليست كافة محاولات الانتحار ناجحة. ففي الاعوام الاخيرة كانت هناك العديد من الحالات لاشخاص ألقوا بأنفسهم من أسطح البنايات ليسقطوا على المارين فيصيبونهم أو يقتلونهم. وتم سجن هؤلاء الذين نجوا من الانتحار بتهمة القتل الخطأ. د.ب.ا