النجاح الذي حققه برنامج (بانوراما) الذي بثته الـ «بي.بي.سي» مؤخرا حول محاكمة شارون كمجرم حرب وضع بدوره الاعلام العربي في قفص الاتهام الذي يرى البعض انه لم يستطع أن يمارس دوره في فضح الجرائم الصهيونية كما ينبغي وخاصة على المستوى العالمي، فالملاحظ أن الدور الاعلامي العربي ينصب في مجمله على المتلقي العربي وهذا ليس الدور المطلوب والمتوقع منه في ظل الانحياز الواضح من الآلة الاعلامية الغربية للعدو الصهيوني والتي تركنا لها الساحة خالية لتفعل فيها ماتشاء، والآن وفي ظل تصاعد الدعوات والمطالبات التي تدعو لمحاكمة مجرمي الحرب الصهاينة وخاصة السفاح شارون، فما هو المطلوب من الاعلام العربي للمساعدة في ذلك؟ برامج حوارية جادة د.جيهان رشتي العميد السابق لكلية الاعلام ترى أنه آن الآوان لكي يسعى اعلامنا لخدمة قضايا الأمة على المستوى العالمي، وهذا يتطلب أن يتوجه هذا الاعلام الى المشاهد والقارئ والمستمع الخارجي في كل دول العالم وليس في الدول العربية فقط، فالملاحظ أن اعلامنا مازال يركز على المتلقى العربي وكل القنوات الفضائية العربية تخاطب هذا المتلقى وهناك الكثير من البرامج الحوارية الجادة والجيدة والصراعات والخناقات ولكن كله داخل المحيط العربي، أي أننا نتحدث الى بعضنا البعض ودون أن يسمع لنا أحد في الخارج. ولذلك فهي تطالب بتوحيد الجهود والسياسات الاعلامية العربية من أجل الاتفاق على وسائل اعلامية جديدة ولتكن في البداية محطة تلفزيونية تبث برامجها الجادة والتي تتناول القضايا الهامة وخاصة فضح الجرائم الصهيونية المتعددة التي ارتكبت بحق الشعب والإنسان الفلسطيني، بلغة أجنبية عالمية ولتكن الانجليزية حتى يراها المواطن الغربي، والذي قد يتأثر بمرور الوقت بماتبثه هذه المحطة من موضوعات جادة لخدمة القضايا العربية، وبحيث لا تترك الساحة دائما للاعلام الصهيوني والآلة الاعلامية الغربية القوية التي يقف وراءها اليهود لكي تمارس تزييفا مستمرا للتاريخ و بحيث تظهر الجاني على أنه المجني عليه، ويكفي هنا أن نلاحظ، ماحدث عند اذاعة برنامج BBC عن محاكمة شارون كمجرم حرب لقد هاجت اسرائيل كلها وخاصة السفاح شارون اعتراضا على هذا البرنامج لأنه يقدم من خلال محطة بريطانية لها مصداقيتها وسمعتها عند المتلقى سواء في المنطقة العربية أو خارجها. وتعتقد د. جيهان رشتي أنه بالإضافة لقناة تلفزيونية تبث بلغة أجنبية من الممكن أن تشارك وسائل اعلامية أخرى كالصحف والاذاعات الموجهة التي تبث بلغات أجنبية في هذه المهمة بأن تركز دوما على الفظائع والجرائم التي ارتكبها الساسة الإسرائيليون وخاصة المجرم شارون ، ويجب في هذا الإطار عدم التركيز في البرامج التي تبثها هذه الوسائل على الضيوف العرب فقط ولكن من الممكن أن تطعم ببعض الضيوف الأجانب المعروف عنهم التحلى بالموضوعية في أرائهم، فهؤلاء ستكون مصداقيتهم عن المتلقي الغربي أكثر بكثير من الضيوف العرب والذين سيجدون غالبا آذانا غير صاغية من هؤلاء المتلقين لوجود حالة من عدم المصداقية المسبقة لديهم. دراية كبيرة وترى د. رشتي أن الاعلام وحده لن يستطيع القيام بمهمة ملاحقة جرائم الحرب الصهيونية وخاصة جرائم شارون ولكن مطلوب من الجهات الأخرى مساعدته في ذلك، فمثلا يجب أن يكون هناك فريق قانوني لديه دراية كبيرة بكل ما يتعلق بالقانون الدولي، هذا الفريق يقوم بجمع المعلومات عن هذه الجرائم ويقوم بتزويد الاعلام بها، أي أن دور هذا الفريق هو توثيق وتقنين هذه المعلومات، ثم يتسلمها الاعلام العربي منه لكي يبني عليها حملاته المستمرة من خلال الوسائل المختلفة التي ذكرناها من قبل وحتى تظل هناك محاصرة دائمة للمجرمين الاسرائيليين، كما يجب أن يشارك عرب المهجر وخاصة المشاهير منهم والذين يتمتعون بمصداقية هناك في هذا الهدف. فمثلا لو تمت الاستعانة بمفكر مثل ادوارد سعيد في هذه الحملات سيكون لذلك رد فعل ايجابي جدا فيما يتعلق بهذا الأمر وخاصة أن الرجل له مصداقية كبيرة هناك، أيضا أساتذة الجامعات الذين تعج بهم الجامعات الأوروبية والأمريكية كل هؤلاء يمكن لهم المساعدة في هذه الحملة اذا هم استخدموا أدواتهم ووسائل الاقناع في جعل المتلقي الغربي يبدأ في مراجعة موقفه فيما يتعلق بقضايا الصراع العربي الاسرائيلي تلك المواقف التي بنيت على اسس غير سليمة رسختها آلة اعلامية يقف وراءها اللوبي اليهودي الصهيوني. وتطالب د. رشتي بألا نهدأ أن يظل الضغط من جانب اعلامنا وكل الهيئات والمؤسسات العربية الأخرى باتجاه القصاص من شارون وغيره، وتذكير العالم كله بالفظائع التي ارتكبوها، فهذا الاستمرار من شأنه أن يخلق تجانبا بمرور الوقت من الأطراف الأخرى ولدينا الدليل الحي على ذلك والمتمثل في تحرك بعض المنظمات الدولية ومنها منظمة حقوق الانسان بالولايات المتحدة باتجاه الفظائع والجرائم التي ارتكبها شارون طالما هناك دلائل وقرائن على ذلك. توحيد السياسات والجهود الاعلامية ومن جانبها دعت د. انشراح الشال إستاذة الاعلام الى ضرورة أن تقوم جامعة الدول العربية بدورها في هذا المجال سواء من خلال اللجنة الدائمة للاعلام العربي، أو مجلس وزراء الاعلام العرب أو غيرهما من التنظيمات الاعلامية العربية ودورها في تنسيق الجهود وتوحيد السياسات من أجل تحقيق هذا الهدف وخاصة في وجود أمينها العام عمرو موسى والذي يعي هذه المسألة تماما من خلال عمله الدبلوماسي طوال الفترة الماضية، الجامعة يجب عليها ألا تقف موقف المتفرج، بل يجب عليها أن تشارك في فضح جرائم الحرب الصهيونية وأن تدفع بالأوراق التي لديها والتي تتحدث عن هذا الأمر الى الاعلام العربي لكي تساعده في اداء دوره، الجامعة العربية ومن خلال مكاتبها في الخارج مطالبة بالاستمرار في فضح الممارسات الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني والعمل من خلال تواجدها في كل الهيئات والمنظمات الدولية على اداء هذا الدور بفاعلية. وترى د. إنشراح الشال أننا لكي نقوم بتحرك اعلامي عربي فاعل في هذا الاتجاه لابد أن تتكاتف وسائل الاعلام العربية المختلقة من صحافة واذاعة ومحطات تلفزيونية من أجل ملاحقة مجرمي الحرب الاسرائيليين اعلاميا ومطاردتهم على الساحة الدولية على أن تستخدم هذه الوسائل لغات أجنبية حتى تستطيع تحقيق التأثير المنشود، حيث أنه ثبت وبما لا يدع مجالا للشك أن استمرارنا في الحديث الى أنفسنا عن قضايانا لم تأت بالنتيجة المرجوة فنحن نهاجم ونشجب وندين كل الممارسات الصهيونية ولكن في وسائلنا الاعلامية المحلية وهذا أمر غريب، فهل نريد أن نقنع أنفسنا نحن بمدى فظاعة هذه الجرائم، نحن نعرف ذلك ولا نحتاج هذا الجهد الاعلامي، ولكن الذي يحتاجه هو المتلقي الخارجي الذي لا يفهم الصورة على حقيقتها بل أنه متعاطف مع اسرائيل نظرا لما تبثه الآلة الاعلامية الغربية المنحازة دوما لها، ومن هنا فالمفروض أن نركز على هذا المتلقي ونسعى اليه بكل الوسائل الاعلامية حتى نستطيع خلق رأي عام عالمي مساند للقضايا العربية وأولها ملاحقة مجرمي الحرب الصهاينة. وترى د. انشراح الشال أن أبناء المهجر والمبعوثين العرب الى الخارج عليهم دور كبير في هذا المجال، فهم ومن خلال تواجدهم في تجمعات الطلبة والدارسين في الخارج يستطيعون وخاصة اذا امتلكوا الأدوات أن يغيروا بعض المفاهيم الراسخة عند هؤلاء وبحيث تتغير نظرتهم بالنسبة للقضايا العربية، وهذا يتطلب أن ننظم لهؤلاء المبعوثين محاضرات ودورات سياسية واجتماعية حتى يكونوا على دراية كاملة بمدى خطورة الدور الذي يمكن أن يؤدوه أثناء فترة وجودهم في الخارج وقد كنا نقوم نحن بهذا الدور في السابق، كما أن المكاتب الاعلامية والثقافية العربية عليها هي الأخرى دور كبير في توضيح الصورة عالميا من خلال تنظيم الندوات والمعارض التي تفضح الممارسات الاسرائيلية الفظيعة ضد الفلسطينيين والعرب منذ وقت طويل، كما يجب على هؤلاء المبعوثين وكذلك المكاتب الاعلامية والثقافية ووسائل الاعلام العربية المقترح انشاؤها لتبث بلغة أجنية أن تبرز الجرائم الأخيرة المتمثلة في حق الأطفال الأبرياء الفلسطينيين مثل محمد الدرة والطفلة الرضيعة إيمان حجو وخاصة أن هناك لقطات حية توضح تلك المجازر التي ارتكبت في حقهم. وأخيرا تقول د. انشراح الشال أننا في عصر السموات المفتوحة وأن الصراع القادم سيكون صراعا اعلاميا وثقافيا وهذا الصراع لن تصمد فيه إلا الشعوب والدول التي لها اعلام قوي ومتجدد وقادر على المنافسة وجذب واقناع المتلقي، ليس فقط المتلقي العربي ولكن المتلقي الخارجي أيضا، ولذلك فاطلاق القنوات الفضائية بلغات أجنبية هو أمر مطلوب في الفترة المقبلة. القاهرة ـ مكتب «البيان»: