مؤتمر وزراء الاعلام العرب الذي عقد مؤخرا في بيروت قد أحسن صنعا عندما ركز على دعم انتفاضة الأقصى والوقوف الى جانب الشعب الفلسطيني في كفاحه العادل من أجل تحرير أرضه واقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.. وكان المؤتمر حاسما في مطالبة القنوات الفضائية العربية سواء (الرسمية أو الخاصة) بوقف أي مظهر من مظاهر التطبيع مع اسرائيل!! ولكن وبصراحة هل هذا يكفي؟! إن القضية بالطبع تتعدى مجرد الدعم والمساندة ووقف التطبيع لأننا بصدد جرائم ارتكبت بحق الإنسانية وترتكب منذ نحو ستين عاما نهارا جهارا بإيدي مجرم الحرب الصهيوني (ارييل شاروون).. فمنذ عام 1944 وحتى الآن ارتكب شاروون مذابح في دير ياسين وقبيه وقطنا ومخيم البرج وسيناء وكفر قاسم وصبرا وشاتيلا ودنس المسجد الأقصى!! فإذا كان الرأي العام العالمي ربما مغيبا (اعلاميا) عن هذه الجرائم مع بعض الاستثناءات هنا أو هناك!! فإين الاعلام الاقليمي العربي والى متى سيظل الصمت مخيما على كثير من قنواته وروافده المشكلة للرأي العام العربي؟! وحتى اذا جاوز اعلامنا ذات مرة صمته فإنه لا يبدو الا أن يكون (رد فعل) للأحداث.. إذن متى وكيف سيصبح الاعلام العربي (فاعلا) يفضح هذه الجرائم ويقدم مقترفيها للعدالة الدولية لأن الأمة العربية تريد القصاص لمقتل أربعمائة وخمسين فلسطينيا منهم مائة وخمسون طفلا منذ أكتوبر الماضي.. انها جريمة اضيفت اليوم الى سجل طويل من جرائم شاروون البشعة!! شارون مجرم الحرب: ورغم أن الصورة واضحة والقرائن ثابتة يلح على الفكر والعقل العربي تساؤل عن أسباب تقاعس الاعلام العربي بشكل عام عن القيام بكشف إرييل شارون (وتعريته) وفضحه امام الرأيين العربي والعالمي باعتباره (مجرم حرب) ارتكب سلسلة من الجرائم التي يجب أن يعاقب عليها وفقا لأحكام القانون الدولي العام لانها ارتكبت بحق الشعب الفلسطيني خاصة والأمة العربية عامة!! إن شارون منذ كان في (الظل) وهو رافض للسلام مع العرب ولم يكن من المتوقع بعد أن تسلم السلطة في اسرائيل أن يتغير من النقي ض الى النقيض كما توهم البعض سواء في داخل اسرائيل أو في أمتنا من الذين أفرطوا في الثقة بالخطاب الاسرائيلي عن امكانية اقامة (السلام)!! ومما نأسف له أن واضعي السياسات الاعلامية في عالمنا العربي قد تأثروا بهذا الخطاب فحدث الصمت الى حد التقاعس.. حتى تحركت الأحد اث المتوقعة وتصاعدت في شكل انتفاضة شعبية في فلسطين اعتبارا من 28 سبتمبر عام 2000 وأسقطت حكومة ايهود باراك وجاء الناخب الاسرائيلي بشارون ليس ليقيم (السلام) ولكن ليحقق له (الأمن المزعوم)! ومن هنا كان من المستحيل أن يصبح شارون فارسا للسلام الضائع الذي عجز سلفه عن تحقيقه لأنه ببساطة كيف يمكن لمجرم مثل شارون ارتكب مذابح صابرا وشاتيلا بالأمس واستخدم الدبابات والأسلحة المحرمة دوليا والطائرات الحربية ضد الشعب الفلسطيني الأعزل اليوم أن يصبح أي شارون شريكا في صنع (السلام) غدا؟! بطء استيعاب الاعلام العربي!! لا أحد يستطيع أن يصف الاعلام العربي بأنه لم يكن مستوعبا لما يحدث وإلى أين تتجه الأحداث أو ما هو شارون ومن حوله؟ لكن رد فعل الاعلام العربي كانت تثبت عكس ذلك ويفسر البعض ذلك (البطء) بانه محاولة (للتريث) لأن فضح جرائم شارون غداة توليه السلطة أمر يتنافي أو يعارض (التوجهات السياسية) التي مردها أنه يجب منحه فرصة لمراجعة نفسه وتقديم أفكاره بشأن السلام مع العرب!! وحاول البعض النظر الى مايحدث في اسرائيل على أنه تغيير في اللاعبين دون المساس بقواعد اللعبة وأن وجود شخصية مثل شيمعون بيريز وزيرا للخارجية في حكومة شارون سوف يعطي قد را من المرونة ومساحة للأخذ والعطاء!! ولكن سرعان ما أثبتت الأيام عدم صواب التريث الاعلامي العربي وغض الطرف عن حقيقة شارون صاحب التاريخ الملوث بالدماء، فلم يكن لدى شارون الجديد وكل التوقعات كانت تشير الى انه جاء ليمارس اجرامه وارهابه بشكل أوسع وأعمق وقد أعطته السلطة حرية أكبر في الحركة لارتكاب المزيد من الجرائم باستخدام آلات القتل والتدمير كيفما ووقتما يشاء!! أما الذين وضعوا الأمل في (مرونة) بيريز نسوا أو تناسوا أن شيمعون بيريز كان ومازال من هؤلاء الساسة الدهاة الذين يمكن أن يدسوا (السم في العسل) وألم يكن أيضا بيريز (مجرم حرب) وعملية عناقيد العنف ستظل شاهدا على ذلك!! التحرك الاعلامي العربي في هذه المرحلة: أعتقد أن الاعلام العربي قام بدون قصد بمحاولة بالطبع فشلت لتجميل صورة هؤلاء السفاحين والقتلة بعد تولى شارون السلطة (لعل وعسى) عندما يصبحون في موضع متخذي القرار قد يفعلون شيئا مختلفا!! لكن شارون ارتكب المزيد من الجرائم ووجه رصاصه وصواريخه الى صدور الأطفال والنساء العزل قبل الرجال والشباب في فلسطين وأخذ يهدد ويتوعد العرب كافة!! وأحسب أن قنوات ووسائل الاعلام العربي مقروءة ومسموعة ومرئية بدأت تفيق لهذه الحقيقة وأخذت التحرك وأن كان متأخرا في هذه المرحلة وبشكل واقعي يتلاءم مع مايحدث على الأرض بعد أن سقط قناع السلام الذي كان يختفي وراءه ساسة اسرائيل!! وللمرة الاولى منذ فترة طويلة يحدث اتساق في الرؤى بين الحكومات العربية وشعوبها بالنسبة لحتمية مواجهة حكومة ارييل شارون وان اختلفت (كيفية) هذه المواجهة من دولة الى أخرى!! الذي يعنينا أن الاتفاق الأكثر شمولا جاء بالنسبة لضرورة التحرك العربي على المستوى الاعلامي. أتفق الجميع على فضح جرائم شارون من خلال تقديمه لمحاكمة اعلامية تمهد الطريق الى اسقاطه ومثوله كمجرم حرب اما م محكمة جرائم الحرب الدولية!! محاكمة شاروون اعلاميا: تأتي محاكمة شاروون ومجرمي الحرب في اسرائيل الآن كأحد المطالب المحورية للعمل العربي المشترك وبصفة خاصة فيما يتعلق بالتحرك الاعلامي العربي اليقظ والسريع من خلال الصحف والمجلات والقنوات الاذاعية والتليفزيونية الأرضية والفضائية!! وأرى أن هذا التحرك لا يجب أن يستهدف فقط الرأي العام العربي بل يجب أن يوجه بيان اتهام شارون الى الرأي العام الدولي بكل لغاته التي يفهمها!! والسؤال: كيف تجري هذه المحاكمة وماهو شكل الادعاء وهل يمكن أن ينجح الاعلام العربي في تقديم الصورة الحقيقية لشارون؟؟! إن هذا الأمر مرتبط بحملة قومية يتحرك الاعلام من خلالها وتقودها الجامعة العربية وبصفة خاصة اللجنة الدائمة للاعلام العربي وتنطلق بحرية في كل اتجاه ويساهم فيها قادة الفكر وحملة القلم والمثقفون مدعومة من المؤسسات الحكومية وغير الحكومية والنقابات والاتحادات الفئوية.. وتنصب في اتجاه فضح جرائم شارون وأعتقد أن مانفعله اليوم عبر هذه السطور ليس سوى جزء من تلك الحملة!! دور المؤسسات الداعمة للعمل الاعلامي إن الحملة الاعلامية القومية لفضح جرائم شارون من الأهمية بمكان أن تترجم الى (برامج اعلامية) في شكل أفلام وثائقية وندوات للرأي والحوار ومحاكمات علنية وتحقيقات صحفية جريئة وموثقة وأتصور أن هذا الجهد لن يقدر له النجاح الا اذا حدث تنسيق وتعاون بين قنوات الاعلام من صحافة واذاعة وتليفزيون والمؤسسات والتنظيمات المشار اليها خاصة الاعلامية منها ومن بينها لجنة التنسيق بين القنوات الفضائية العربية (الرسمية والخاصة) التي يجب أن تضطلع بدور مهم في تفعيل برامج الحملة الفاضحة لجرائم شارون. وعليه يصبح الطريق ممهدا لتقوم الجهات القانونية برفع الدعوى امام القضاء الدولي وتقديم شارون الى محكمة مجرمي الحرب الحديثة التي لا تسقط أمامها جرائم الحرب بالتقادم!! خلاصة القول.. لا شك أن بعض القنوات العربية الفضائية قد استجابت وبدأت تخطط لفضح جرائم ساسة اسرائيل وفي مقدمتهم شاروون ولكي تبقى ضرورة التنسيق بين أجهزة الاعلام العربية بشكل تفاعلي حتى تتوحد الجهود وتصب في اتجاه واحد. وعلى هذه القنوات ان تلقى الضوء على الحملات المماثلة ونشير الى ماقامت به نقابة المحامين المصريين يوم 21 يونيو بالتعاون مع اتحاد المحامين العرب من عقد أولى جلسات محاكمة ارييل شارون على جرائم الابادة الجماعية التي ارتكبها ضد العرب في فلسطين ولبنان ومصر والأردن لأن الابراز الاعلامي يعطي لهذه المحاكمة زخما ويحفز النقابات المهنية الأخرى على تصعيد حملة الفضح العلني لجرائم شارون!! بقلم: ابراهيم الصياد ـ كاتب واعلامي مصري