ان يحاكم شارون في بلجيكا على جرائم ارتكبها عام 1982 في صبرا وشاتيلا عمل طيب، وان كان هذا الأمر قد تأخر ما يقرب من عشرين عاما. وان يبث من لندن شريط يعيد إلى الذاكرة تلك الوقائع البشعة التي تسجل جريمته في صبرا وشاتيلا، شيء طيب أيضا ويستحق من قام به الشكر والمساندة على ما تعرض وما قد يتعرض له من ضغوط. ولكن أن نبقى في عداد من يشملهم السبات، ولا نقوم بتحريك الدعوى ضد الحركة الصهيونية وجرائمها، التي تضاهي الجرائم النازية وتتفوق عليها في سرقة وطن الفلسطينيين ومحاولة طمس وجودهم، وتشويه صورة نضالهم وحضارة أمتهم، وان تكرس على حسابهم كيانا عنصريا استيطانيا بغيضا.. فذاك قصور أول لا يفوقه إلا قصورنا الثاني، نحن العرب، في امتلاك قوة ندافع بها عن أنفسنا وأرضنا ومقدساتنا، التي تنتهك وتدمر معالمها ويعاد صوغ جغرافية وتاريخ عمرانيين لها، منذ أكثر من نصف قرن، تحت سمعنا وبصرنا. وإذا كان أبطال الانتفاضة وأطفالها قد سجلوا تقدما رائعا في نقل معاناة الشعب الفلسطيني وتمسكه بحقوقه واستعداده للموت من أجل الحرية والاستقلال واستعادة تلك الحقوق، وأبطال المقاومة النوعية، وعلى رأسهم المجاهدون الاستشهاديون، قد حققوا نقلة نوعية في الأداء النضالي بالمقاومة الفذة ضد الاحتلال، سواء أكان ذلك من جنوب لبنان أم من داخل فلسطين المحتلة عام 1948 وبعده، فان ذلك يوجب على شرائح معينة ومعنية من مثقفي الأمة العربية أن تقوم بالاعداد الدقيق لاجراء محاكمة للحركة الصهيونية ورموزها وارهابييها، الذين ارتكبوا أبشع الجرائم بحق الانسانية منذ تفجر حقدهم من عصابات: الهاجاناة، وليحي ـ وزفاي ليومي، وشتيرن.. حتى آخر عمليات القتل الجماعي والمذابح التي ارتكبها شارون في صبرا وشاتيلا، وبيريز في «قانا»، وباروخ جولد شتاين في الحرم الابراهيمي، لتكشف الطبيعة العنصرية ـ الاجرامية للصهيونية، والجرائم التي ارتكبها أولئك بحق البشرية، ولتضع حدا لمن يدعم هذه الحركة العنصرية ومن يدعم مشروعها الاستعماري الموجه ضد أمة مستقرة في وطنها منذ أقدم العصور، قدمت للحضارة ما لم تقدمه حضارة، ومازالت تعاني من الاستعمار والصهيونية ومشاريعهما منذ أكثر من مئتي سنة. إن ملفات دقيقة ينبغي أن تعد في مجالات كثيرة ضد أولئك المجرمين وحركتهم العنصرية، نذكر منها: 1 ـ ملف المذابح المرتكبة ضد المدنيين في القرى والأحياء والمدن العربية، مثل: دير ياسين، كفر قاسم، قبية، نحالين، اللد، بحر البقر، داعل، المسجد الأقصى، الحرم الابراهيمي، صبرا وشاتيلا وقانا. 2 ـ ملف الأسرى الذين قتلوا مقيدين في الحروب العربية الصهيونية، والمعتقلين، وحالات التعذيب الجسدي والنفسي، والموت في المعتقلات. 3 ـ ملف معسكرات الاعتقال الجماعية في صحراء النقب وجنوب لبنان مثل أنصار 1 و2 و3 وترحيل البشر وعرضهم في أقفاص متحركة، ومخيم مرج الزهور للمبعدين الفلسطينيين تحت ثلج الشتاء. 4 ـ ملف القرى والمدن المدمرة 400 قرية في فلسطين، وما يقرب من ذلك العدد في الجولان، وتدمير القنيطرة، وغزو بيروت. 5 ـ ملف تشريد الشعب الفلسطيني واقتلاعه من أرضه وتشتيته في أصقاع الأرض، ومحاولة محو هويته وتشويه حضارته وانكار مجرد وجوده. 6 ـ ملف القدس ومحاولات تدمير المسجد الأقصى، ومخطط تهويد المدينة، والقضاء على هويتها العربية ـ الإسلامية. 7 ـ ملف الأسلحة المحرمة دوليا ـ ذات قوة تدميرية شاملة: نووية وجرثومية أو سواها مما هو محرم ـ واستخدام بعضها والتهديد باستخدامها ضد المدنيين العرب، وتهديد الدول العربية المستمر بتلك الأسلحة. 8 ـ ملف القرصنة والعدوان والقيام بعمليات ارهابية في بيروت وتونس والعراق ـ مفاعل تموز ـ وعنتيبي. 9 ـ ملف الاقتلاع والاحلال. أو ملف الاستيطان بما يشكله من ظاهرة ارهاب وعدوان فاضحة على الحقوق المدنية للإنسان، ومن ارهاب ممول ومحمٍ بقوى عالمية ـ الولايات المتحدة الأمريكية ـ لسرقة وطن واحلال قلعة استعمارية في محل شعب ذي هوية وتاريخ وكرامة وسيادة. 10 ـ ملف حقوقي عن قضية فلسطين في المحافل الدولية، من وجهة نظر القانون الدولي، وما تم ويتم من تواطؤ استعماري أمريكي ـ أوروبي مع الصهيونية ضد الشعب الفلسطيني وأقطار الوطن العربي. 11 ـ ملف عن عنصرية الصهيونية من التربية التلمودية إلى الشراكة النازية، مرورا بقرار الأمم المتحدة رقم 3379. 12 ـ ملف عن تعاون الحركة الصهيونية مع النازية في الثلاثينيات من القرن العشرين. 13 ـ ملف عن انتهاك حقوق الإنسان كما سجلته لجان تقصي الحقائق في فلسطين والمنظمات الدولية المعنية في هذا المجال وبهذه القضية، منذ وعد بلفور حتى اليوم. إن هذا العمل الذي ندعو إليه يحتاج إلى ثقة لا تتزعزع بالحق الذي نملكه وبالنصر الذي نستحقه، كما يحتاج إلى حماسة المؤمنين بحقوق الإنسان بالمعنى العلمي الدقيق والشامل للكلمة، وليس لتخريب من يوظفون للتخريب باسم حقوق الإنسان وهم مستأجرون من قبل مؤسسات من خارج مجتمعاتهم، تمولهم: «لوجه الله والإنسانية التي تنتهك كرامتها كل دقيقة!؟»، مؤسسات معنية بتخريب قيم مجتمعات الشعوب وتشويه صورة تلك المجتمعات، لا سيما في وطننا العربي والعالم الإسلامي اللذين يعانيان من تراكم ذلك التوجه وتوظيفه بتغطية سياسية واعلامية غربية ـ صهيونية واضحة. ويحتاج أولا وقبل كل شيء إلى جهود القادرين على القيام بالبحث العلمي والتحقق والتوثيق والتقصي بموضوعية صارمة وفق معايير بحث وتقويم تبنى على منهج ومنهجية سليمين. وينبغي أن يكون واضحا أن كل من سيقوم بمثل هذا العمل أو يدعو إليه سوف تنصب عليه نقمة الصهيونية وحلفائها والمتعاونين معها، وأولئك الذين يرتعدون فرقا ويركضون في ركابها للتنعم عليهم بنظرة رضا ليبقوا ممن تراهن عليهم وتمنحهم بقاء في الاعلام وحيث هم يرتزقون بفتاتها. وهذه الدعوة موجهة لكل القادرين المؤمنين بالله والحق والوطن، ليتراص صفهم ويعملوا من أجل محاكمة علنية ـ محكمة ضمير ـ تجرى للحركة الصهيونية ورموزها ومجرميها وارهابييها في بلد غير عربي، ينتخب لها فريق يمثل شعوبا وحضارات وضمائر يقظة من قارات الأرض، مشهود لكل فرد فيه بالنزاهة والقدوة والجرأة في الدفاع عن الحق والعدل ... ومتميز في موقفه المبدئي والخلقي والإنساني. ندرك ان هذا من أصعب الأمور ولكنه من أعدلها أيضا، وهو لهذا يستوجب التضحية والمعاناة. اننا مدعوون، والموت يلف أهلنا في الأرض المحتلة، وهم يواجهونه متزنرين بشرايينهم وأوردتهم، التي يتدفق فيها الدم منذرا بالانفجار.. اننا مدعوون للقيام بواجب على هذه الجبهة من جبهات العمل الثقافي والاعلامي والاجتماعي ـ السياسي ضد العدو. لنخاطب رأيا عاما كثيرا ما استخدم ضدنا من خلال التضليل والتوظيف العدواني ـ الاستعماري الصهيوني المخطط له بعناية. وحين يستنفر شارون قواته ضد شعب أعزل ومدنيين يملكون الحجارة، وتعجز جيوشنا العربية عن ان تطلق مجرد اشارة تعلن عن وجودها في الفضاء العربي، فلا أقل من أن نطلق صرخاتنا المنذرة بعدل يستصرخ الضمائر، وبشعب يستحث قواه الحية على اليقظة والعمل ـ أي نوع من أنواع العمل ـ يشعر أبطال الانتفاضة بأنهم ليسوا وحدهم، وبأن انتفاضتهم المباركة يجب أن تستمر لان الأمة تحتضنها، وبأن أمتهم معهم على نحو ما ... وان النصر قادم بعون الله. لقد أعطي شارون فرصة المئة يوم ليقضي على الانتفاضة.. وغاب الصوت الأمريكي عن الساحة ليعطي لآلة الحرب الصهيونية فرصة العمل، وغيب الرئيس عرفات وطاقمه في الظل.. وتم التغاضي عن كل فعل اجرامي صهيوني وضخم في الوقت نفسه كل فعل يؤدي له استشهاد جهادي أو حجر انتفاضي. وامتدت المئة من الأيام إلى أكثر.. وأكثر.. وبعد عملية «الدولفيناريا» على ساحل تل أبيب المحتل عاد العمل الأمريكي إلى النشاط وحضر تينيت ليضع مبادرته على جثة لجنة ميتشيل. وكل هذا النشاط يدل دلالة واضحة على ما أصيب به التجمع الصهيوني من ذعر بسبب العمليات الاستشهادية النوعية التي «تقرر وقفها»!؟. وها هو باول يجيء إلى المنطقة ليثبت ما بدأ «تينيت» فهل هذا سوى دليل على ان الانتفاضة التي يراد لها أن تهدأ.. فتذبل.. فتموت، لا سمح الله، قد وضعت شارون في قبضتها المحكمة، وجعلت كل صهيوني في العالم، وليس في فلسطين المحتلة فقط، يكشف عن عنصرية كريهة تريد شن الحرب التي يقول اليمين الصهيوني انها واجبة الحدوث فورا، ويقول اليسار الصهيوني: انه لابد منها ولا يمكن دفعها، والكل بهذا ـ يمين ويسار لمن راهنوا على اليمين أو اليسار من عرب اليوم ـ يستهدف حامل الحجر والمتزنر بشرايينه وأوردته من أجل الحرية والكرامة والقدس وحق العودة وكرامة الشعب الفلسطيني.. بل كرامة الأمة العربية. إن هناك عملا كثيفا للقضاء على الانتفاضة، وهناك بالمقابل تصميم رائع على أن تستمر.. ولكن ما هو موقفنا نحن الذين نتفرج ونصفق أو نصرخ من بعيد؟! هل نبقى حول حلبة المصارعة أم يتوجب علينا أن ندخلها على نحو ما.. ولو بفعل من أفعال الكلمة.. يكون له صداه وتأثيره ومردوده؟! إن واجبنا أن نفعل شيئا.. وأن نقوم بعمل لا تحده حدود.. فالذين يموتون من أجل فلسطين وكرامتنا.. يكتبون على جباهنا بدمهم كلمات إن نحن أحسنا قراءتها توجب علينا أن نقوم بأحد أمرين: ـ اما الاندفاع في الأداء النضالي إلى المدى الذي بلغوه.. أو نبلغ التحرير. ـ واما الانكفاء في العار خجلا من دم لا نستحقه.. يبذل من أجل أن نبقى وأن نتكلم وأن نفاخر بأمة ننتمي إليها. إن الزمن يسجل علينا كل ثانية ما نقوم به وما لم نقم به وما يتوجب أن نقوم به. وان ما تستطيعه أمة عظيمة هو أكبر وأعظم من كل التوقعات.. وعلينا ألا نترك الانتفاضة وحدها.. والمجرم الارهابي الصهيوني طليقا ... والمارد العربي في سبات مقيم. وإنها لدعوة للقادرين على الأداء المنقذ وهم في أمتنا كثر. بقلم: علي عقلة عرسان ـ رئيس اتحاد الكتاب والأدباء العرب