قبل سنوات حضرت اجتماعاً لوزراء الإعلام العرب بالجامعة العربية، وأدركت بعدها أن الإعلام الرسمي لن يقدم شيئا له قيمة لقضايانا القومية! فمفهوم العمل الجماعي غائب، وكل وزير يدرك أن مهمته الأساسية هي «تلميع» صورة الحاكم في بلده، وبعدها لا شيء يهم. ومضت سنوات، اشترينا فيها الأقمار الصناعية، وافتتحنا الفضائيات بالعشرات والصحف بالمئات.. ومع ذلك بقي الوضع في الغالب الأعم على حاله. وبعيداً عن محطات الهنك والرنك والأجساد العارية والأغاني الهابطة، وجدنا محطات اهتمت بالجوانب السياسية وبذلت جهداً في تغطية الأحداث، ولكنها ابتلتنا باختراق إسرائيلي جعل المعلقين الإسرائيليين ضيوفاً دائمين عليها، وابتلتنا بغياب الرؤية القومية وتغليب المصالح القطرية أو الشخصية، والسعي للرواج ولو بالمشاركة عن جهل أو علم في مخططات تفجير الأوضاع العربية من الداخل. ولهذا لم يكن غريباً أن يجتمع وزراء الإعلام العرب في بيروت قبل أيام ليكرروا نفس الاسطوانة المشروخة عن جهودهم ومخططاتهم في خدمة القضايا العربية، في نفس الوقت الذي كانت محطة الإذاعة البريطانية تذيع تحقيقها المثير عن مذبحة صبرا وشاتيلا، وتطرح على العالم كله السؤال الذي يتردد العرب في طرحه رسميا.. وهو: متى يقدم السفاح شارون للمحاكمة كمجرم حرب؟! قبل مجيء شارون للحكم طالبنا بتقديمه هو وغيره للمحاكمة على جرائمهم، وبعد أن اختار الاسرائيليون السفاح رئيسا لحكومتهم طالبنا العرب بموقف واحد يرفض التعامل مع رجل ليس في تاريخه إلا المذابح ضد العرب.. من دير ياسين قبل النكبة في .48. إلى مذبحة اللد في نفس العام التي جمع فيها أكثر من 400 فلسطيني داخل مسجد ونسفه عليهم.. إلى مذابح «قبية» و «العزازمة» و«البريج» و«قطنه» التي اعترف السفاح نفسه بالإشراف عليها، ثم إلى مذبحة «كفر قاسم» أثناء عدوان 56 إلى مأساة قتل الأسرى المصريين التي لا أظن أن أحداً يستطيع غلق ملفها مهما كانت الضغوط حتى يتم القصاص من القتلة. ورغم التاريخ الأسود لشارون، فقد رضخ العرب لضغوط أمريكا التي طالبت بالانتظار حتى يرى العرب الوجه الآخر للسفاح، وهو في عرف واشنطن وجه الرجل المحب للسلام!! وقد كان، وانتظر العرب وظهر السفاح بوجه يخجل النازيون منه، وكانت الانتفاضة ومئات الشهداء وآلاف الصور من السفالة الإسرائيلية في قتل الأطفال والمدنيين.. ومع ذلك فالرجل أمام العالم بفضل المساندة الأمريكية هو رجل السلام، وعرفات هو الإرهابي، والعرب همج لا يرضخون إلا بالقوة. هل نلوم الإعلام الرسمي الذي ينفق المليارات في الحديث عن أمجاد الحكم ؟ أم نلوم الحكومات التي كان عجزها سبب القبول بالاملاءات الأمريكية، وجواز المرور لشارون إلى البيت الأبيض؟! فلولا هذا العجز لعرفت أمريكا أن ثمن دعمها للسفاح سيكون باهظاً، أم ننتظر ظهور أحد الضيوف الإسرائيليين الذين أصبحوا ضيوفاً دائمين في محطات التلفزيون العربية لنسأله النصيحة ونطلب رفع اسمنا من قوائم الإرهابيين؟! جلال عارف