يطرح الحديث عن محاكمة مجرم الحرب الارهابي ارييل شارون وغيره من مجرمي الحرب الصهاينة العديد من التساؤلات حول الدور الرسمي والشعبي العربي في دعم هذا الملف وطرحه بقوة أكبر في المحافل الدولية وأمام الرأي العام العالمي، وكذلك عن المسوغات القانونية والعقبات التي قد تعيق تحركا عربيا فاعلا في هذا الاتجاه، سواء على المستوى السياسي والاعلامي أو من الهيئات والمنظمات القانونية والإنسانية الدولية وغيرها من السبل والوسائل الممكنة بما في ذلك استثمار المناخ الدولي الراهن الأكثر تعاطفا مع القضية العربية وانتفاضة الشعب الفلسطيني في مواجهة الجرم الصهيوني المشهود. «الملف» طرح هذه التساؤلات وغيرها على كل من المستشار الدكتور فهد السبهان أستاذ القانون الجنائي والمحامي العام السابق في دبي، والدكتور محمد عبدالله الركن الأستاذ الجامعي ورئيس جمعية الحقوقيين في دولة الامارات العربية المتحدة. وقد أكد الدكتور السبهان ان مسوغات تقديم شارون إلى المحاكمة ترتكز على أسس قانونية وأدلة دامغة وثابتة، لكن العرب لا يحسنون استثمار المناخ الدولي ولا يستغلون الفرص المتاحة لهم بشكل يؤهلهم لخلق ضغط دولي. واقترح في هذا الصدد انشاء لجنة تشرف عليها جامعة الدول العربية ويتبناها المؤتمر الإسلامي تخصص للقيام بمثل هذه الأعمال. أما الدكتور الركن فشدد على ضرورة اعداد ملفات توثيقية كاملة للاتهامات والأفعال التي ارتكبها كل من مجرمي الحرب الاسرائيليين، ثم احالة هذه الملفات إلى الجهات القانونية من قبل أكاديميين ومحامين ممارسين، واجراء محاكمات شعبية في داخل الدول العربية وفي الدول الأجنبية ولدى المنظمات الدولية لحقوق الإنسان. الممكن والمطلوب حول امكانية محاكمة شارون كمجرم حرب والمسوغات القانونية لذلك، والعقبات السياسية التي تحول دونه أو تعيقه، يقول الدكتور محمد عبدالله الركن: إن تقديم رئيس الوزراء الصهيوني ارييل شارون أو أي من وزراء حكومته أو أركان جيش العدو الاسرائيلي للمحاكمة كمجرمي حرب ممكنة من ناحية قانونية، ولكن العوائق السياسية تحول دون ذلك في الوقت الحاضر. فالكيان الصهيوني محتضن لأقصى مدى من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وبعض دول الاتحاد الأوروبي. وهذه القوى المهيمنة في وقتنا الحاضر قد لا تتفاعل مع مثل هذه المحاكمات القانونية لعدة أسباب. أبرزها قوة اللوبي الصهيوني في تلك الدول وخوفا من كشف دورها كشريك في ارتكاب جرائم الحرب التي قام بها قادة وزعماء اسرائيل على مدى خمسة عقود، وأخيرا لعدم وجود مصلحة سياسية لدى حكومات الولايات المتحدة والدول الأوروبية تخدمها احالة قادة العدو الاسرائيلي إلى محاكمة دولية عادلة. وعن الوسائل العملية اللازمة لتقديم هؤلاء المجرمين إلى محاكمات دولية، يجيب الدكتور الركن: لتنشيط موضوع المحاكمة الدولية لمجرمي الحرب الاسرائيليين لابد بداية من اعداد ملفات توثيقية كاملة للاتهامات والأفعال والممارسات التي ارتكبها كل من أولئك المجرمين ضد حقوق الإنسان أو ضد الخاضعين للاحتلال أو ضد الإنسانية. ثم احالة تلك الملفات لدراستها واعداد الوجهة القانونية السليمة من طرف أكاديميين ومحامين ممارسين في الوطن العربي والدول الغربية. وأخيرا اجراء محاكمات صورية شعبية على نمط مدروس ومخطط له في كليات الحقوق بالجامعات الغربية أو منظمات حقوق الإنسان الدولية لايجاد رأي شعبي عام ضاغط يدفع بحكومات تلك الدول نحو اتخاذ خطوات رسمية في هذا الخصوص. الالتزام العربي ويرى الدكتور الركن ان الدول العربية يجب أن تلتزم أولا بقضية تقديم قادة العدو الاسرائيلي للمحاكمة الدولية. فلا يعقل أن نطالب العالم بمحاكمتهم ونحن نستقبلهم أو نرسل مندوبينا للقائهم ليل نهار. نعم العمل السياسي له محددات أخرى يتحرك من خلالها تختلف المحددات القانونية الصرفة ولكن على الأقل يجب التناغم بين السياسي والقانوني ضد مجموعة من الأفراد الاسرائيليين لاتخاذهم نموذجا دوليا لردع باقي قادة العدو من الاقدام على ممارساتهم الشائنة. كذلك فان هذه الدول مطالبة لتبيان التزامها بشكل عملي تشكيل لجنة متخصصة ورصد ميزانية مالية لتغطية تكاليف أبحاثها ودراساتها وأنشطتها ومطالبة هذه اللجنة بوضع جدول عمل لها مع تخطيط زمني واضح لدورها. ويؤكد رئيس جمعية الحقوقيين في دولة الامارات ان اسرائيل ارتكبت جرائم متعددة الأنواع طيلة السنوات الماضية. فهي خرقت اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 فيما يخص مسئولياتها كسلطة احتلال على أراضي الضفة الغربية وغزة من خلال نقل مواطنيها للاستيطان في هذه الأراضي أو طرد السكان الفلسطينيين الأصليين أو تغيير المعالم الأساسية. كذلك فاسرائيل متهمة بارتكاب جرائم حرب ضد الأسرى المصريين وجرائم ابادة وضد الإنسانية في تعاملها مع الفلسطينيين تحت احتلالها. ولا بد كما ذكرت آنفا من ترتيب وتصنيف هذه الجرائم ومرتكبيها من قادة العدو الاسرائيلي حتى لا يتحول الموضوع بأسره إلى موجة عاطفية لا أساس علمي أو فقهي يقوم ويستند إليه أمام العالم. أدلة دامغة المستشار الدكتور فهد السبهان يؤكد ان الأدلة القانونية لتجريم شارون موجودة ودامغة، لكن المعوقات السياسية وضغط اللوبيات الصهيونية في الغرب ستعمل ضد تحقيق مثل هذه المحاكمة. ويضيف المستشار السبهان: لا يسمح القانون الدولي بمحاكمة المجرمين إلا من خلال تشريعات داخلية تستغل معها كل دولة على حدة أو من خلال محكمة تشرف عليها الأمم المتحدة مخصصة لمحاكمة مجرمي الحرب.. لذلك فان مسوغات تقديم ارييل شارون للمحاكمة ترتكز على أسس قانونية وأدلة دامغة وثابتة، ويمكن تقديمه للمحاكمة في دولة يسمح قانونها بمثل هذه المحاكمات مثل بلجيكا. أما المعوقات فتتمثل في مدى قابلية الشعوب الأوروبية والرأي العام العالمي والداخلي في بلجيكا لمثل هذه المحاكمات، باعتبار انها لا تريد أن تفتح جبهة في وجه اللوبي الصهيوني العالمي المدعوم بالسياسة الأمريكية المعلنة والمناهضة لمثل هذا التوجه. كما ان امكانيات التنفيذ حال صدور حكم بالادانة شبه معدومة لعدم قدرة دولة ما دونما دعم واضح من الأمم المتحدة في تطبيق هذا الحكم. وحول السؤال لماذا يفلت مجرمو الحرب الاسرائيليون من العقاب؟ يقول الدكتور السبهان: هذا الطرح غير واقعي قليلا لان مجرمي الحرب الاسرائيليين لم تتم ملاحقات جادة بشأنهم ولم يحاكموا عن أي جريمة منذ انشاء دولة اسرائيل ولم يصدر بحقهم عقاب يمكن أن يفلتوا منه، وعلى ذلك فالمطلوب من الدول ملاحقة وتتبع القوانين الدولية والداخلية لكل دولة ومعرفة امكانية تقديم هؤلاء للمحاكمة والعمل الدؤوب على ذلك. ويؤكد الدكتور فهد السبهان ان العرب بشكل عام لا يجيدون استثمار المناخ الدولي ولا يتعاملون مع الفرص المتاحة لهم بشكل يؤهلهم لخلق ضغط دولي في اتجاه مناصرة قضاياهم. ولذلك يجب علينا أن نعترف ابتداء بعدم فهمنا لمثل هذه التعاطيات، وهذا فشل دبلوماسي واعلامي كبير للعقلية العربية. إلا ان استثمار هذا المناخ يمكن تحقيقه لو اننا تبنينا فكرة محاكمة شارون بشكل فاعل من خلال تحركات دبلوماسية دون خجل واعلامية دون مواراة. أما الجهود الفردية فلن تؤدي في النهاية إلى نتائج مثمرة وان كانت سوف تساهم في توعية الرأي العام العالمي لما يحدث في داخل الأراضي المحتلة وفي فلسطين بشكل عام. التزام المرجعية وحول موقف القانون الدولي من الممارسات الاسرائيلية ضد المدنيين من الفلسطينيين والعرب عامة، يقول أستاذ القانون الجنائي الدكتور السبهان: لا شك ان القانون الدولي والجنائي على السواء يدين مثل هذه الممارسات ضد المدنيين الفلسطينيين والعرب منذ عام 48 على اعتبار ان هؤلاء يتطلب معاقبتهم وفقا للمعايير العالمية والقوانين الدولية والقرارات الصادرة من الأمم المتحدة لانهم تحت وطأة الاحتلال ولا يجوز امعان القتل والتصفية وبناء المستوطنات على أرضهم والتوسع في ذلك تحت حجة النمو الطبيعي لهذه المستعمرات ... إلخ. كما ان مرجعيات التسوية السلمية سواء كانت القرارات الصادرة من مجلس الأمن أو مقررات مدريد وأوسلو وشرم الشيخ وغيرها، تلزم الجانب الاسرائيلي بمرجعية معينة أساسها الشرعية وليس فرض الأمر الواقع. وعن الدور الذي يمكن أن يقوم به الاعلام العربي يقول: الاعلام العربي اعلام رسمي يخضع للتوجه الرسمي في الغالب الأعم ولا يمكن القول بأي حال بأنه اعلام يرقى لمستوى الحدث السياسي. ولا بد من حشد الرأي العام العربي وتهيئته لمثل هذا الموقف ولا بد من دعم مادي ودبلوماسي حقيقي واعلامي لهذا التوجه دون مواراة أو خجل أو التحجج بالاتفاقيات الموقعة باعتبار انها مانع لان قبول الدعوى الشكل في محكمة أوروبية يعتبر انجازا يجب استثماره بشكل ملائم. وعما إذا كانت توجد لدى الدول والهيئات العربية وثائق حول جرائم الحرب الاسرائيلية ودور شارون الارهابي، يجيب: نعم توجد ملفات ادانة واضحة لشارون ودلائل قوية لادانته بل ان معظم الذين شهدوا مآسي هذا الرجل هم من الأحياء الذين يمكن تقديمهم للمحاكمات. لذلك فأنا أقترح انشاء لجنة تشرف عليها جامعة الدول العربية ويتبناها المؤتمر الاسلامي تخصص للقيام بمثل هذه الأعمال وتدعم ماليا ومعنويا واعلاميا ودبلوماسيا وأعتقد ان مثل هذا التحرك سوف يجبر العالم من حولنا على تغيير وجهة نظره في قضايانا المصيرية بشكل حاسم. حوار: هويدا سعيد