شكلت قضية ادماج المرأة في التنمية ومساواتها بالرجل في الوقت الحاضر اتجاها رئيسيا وجادا في اطار نظريات التنمية بشكل عام، وازداد وعى المجتمع العالمي خلال العقود الأخيرة بدور المرأة الأساسي في عملية التنمية، وذلك استنادا الى ما أكدته البحوث والخبرات من أن التنمية المتوازنة والمستدامة هي تلك التي تستهدف جميع أفراد المجتمع، وأن دخول المرأة أروقة السلطة الاقتصادية والسياسية وتمكينها من المشاركة في صنع واتخاذ القرار من شأنه أن يحقق النمو والتنمية البشرية المرجوة ومن ذلك الاطار تبرز أهمية ودور المضمون الاعلامي الذي تقدمه وسائل الاعلام في مصر للصورة النفعية للمرأة سواء في المواد الدرامية والبرامجية، والاعلانات والمضامين الاخبارية والتيسيرية المختلفة. وتمثل الصورة الذهنية التي تقدمها وسائل الاعلام الانطباعات والافكار التي تعكس الواقع وهي التي تحمل المعلومات الى العقل الإنساني الذي لا يستطيع أن يواجه الواقع مباشرة وانما يواجهه بطريقة غير مباشرة هو الوصف والمضمون الاعلامي الذي تقدمه وسائل الاعلام المختلفة وعلى الرغم مما حققته المرأة من التطور والتقدم في العديد من المجالات التعليمية والثقافية والاجتماعية والتشريعية، ورغم التحولات الايجابية في كثير من الممارسات الاعلامية والاهتمام الواضح بقضايا الأمة والوعي الصحي والصحة الانجابية وقضايا السكان والبيئة وحقوق المرأة في المشاركة السياسية الا أن الصورة الذهنية للمرأة التي يتم تقديمها في بعض القوالب وخاصة الدراما من المسلسلات والافلام والتمثيليات والاعلانات وأغاني الفيديو كليب، والأغلفة الخاصة بالمجلات مازالت تتسم بالسلبية في التطورات الاجتماعية والثقافية للمرأة ولا تقدم اضافة حقيقية مؤثرة أو محاولة الاسهام في تطوير وتحسين أوضاع المرأة وتحقيق وتدعيم الطموحات الخاصة بالمرأة والمجتمع. سلوك سلبي ففي دراسة أجراها المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية عن صورة المرأة كما تقدم في وسائل الاعلام، وضمت عدة نتائج أهمها أنه قد تم تصوير المرأة في صورة الشخص ذي السلوك السلبي الذي يتوقع أن تأتي المبادرات والقرارات من خارجه ويمتثل الى الحلول التي تأتي من خارج الذات وذلك لضعف القدرة على اتخاذ القرارات أو التفكير السليم في الأمور أو المشكلات التي قد يتعرض لها أو يواجهها، وتبلورت صورة المرأة بأنها تحتاج دائما الى سند ومعاونة تبحث عنها عادة خارج الذات وليس داخلها وهي غالبا ماتبحث عن هذا المساعد لدى الرجل باعتباره الشخصية الاقوى والأقدر سواء كان هذا الرجل هو الأب أو الزوج أو الصديق أو الابن اليافع وأظهرت الدراسة أن الاعلام يكرس ويدعم الأدوار التقليدية للمرأة التي تنحصر اهتماماتها في أمور البيت وشئونه حيث لم يتم تقديم صور مقابلة للمرأة المتعلمة العاملة المستقلة اقتصاديا والتي تمتلك أحداث التوازن السليم بين عملها داخل البيت وخارجه الا بنسب ضئيلة ومحدودة للغاية، وعند تقديم صورة المرأة العاملة المستقلة اقتصاديا تم تصوير المرأة وكأنها خرجت الى مجال العمل ليس عن اقتناع بقيمة العمل في حد ذاته وانما لتحقيق عائد اقتصادي لأفراد الأسرة لأنهم في حاجة ماسة اليه ويتم ذلك اما بسبب حدوث خلل في الحياة الأسرية أو الاجتماعية بوجه عام تفشل الحياة الزوجية أو العاطفية أو لوفاة عائل الأسرة والمستوى الاقتصادي لها. وفي دراسة أخرى اجريت بالتعاون مع برنامج المرأة في اليونيسيف قدمت مقارنة بين صورة المرأة وصورة الرجل في الدراما التليفزيونية تبين أن الصور الحديثة التي تعبر عن حدوث قدر من التغير المناسب كظهور المرأة العاملة أو الفتاة الجامعية المتفوقة، الا أن هذه الصور قد ظهرت بكثافة محدودة أو بنسبة ضئيلة ولا تقارن بالصور المتعددة للمرأة في أدوارها التقليدية فضلا عن بروز النظرة الرجعية التي تعارض عمل المرأة وتعمل على تكريس فكرة البقاء في المنزل دون عمل الا في حالة الاحتياج المادي أو افتقار العائد الاقتصادي للأسرة. وأشارت الدراسة الى أن صورة المرأة في وسائل الاعلام تبلورت من حيث المستوى الاقتصادي والمهنة في عدة جوانب أهمها تركز وسائل الاعلام على قطاعات محددة من النساء تتمثل في الشرائح العليا من الطبقة الوسطى من سكان المدن وتتجاهل في مقابلها نساء الريف والصحراء والقطاعات النسائية من سكان الأحياء في المدن.. ذلك بالاضافة الى تضاؤل الاهتمام بقضايا المرأة من الريف المصري اذ لم يتجاوز نسبة هذا الاهتمام في الصحف اليومية 2.3% من اجمالي الاهتمام بكل قضايا المرأة المصرية بكل قطاعاتها.. في الوقت الذي يتعاظم فيه اهتمام المجلات الأسبوعية بقضايا وهموم المرأة المصرية في الحضر بنسبة 97.5% من اجمالي الاهتمام بقطاعات المرأة المصرية حيث لم يزد الاهتمام بالمرأة الريفية عن 2.5%. وأكدت الدراسة على انعدام تمثيل المرأة الريفية عن واقعها الحقيقي اذ تبين في الحالات التي تمت فيها معالجة قضايا المرأة الريفية بصورة بعيدة تماما عن واقعها الحقيقي وفي اطار الجرائم وأزمة الشغالات والخادمات والتغطية السطحية المحدودة للأنشطة والأخبار الخاصة ببعض الرموز النسائية التي تمثل النخبة، كما كان الاهتمام بالمرأة البدوية يكاد يكون معدوما، ولم يتجاوز نصيب المرأة الريفية من اهتمامه برامج الاعلام المرئي والمسموع 0.45% من مجموع المواد التي قدمت خلال حقبتي السبعينيات والثمانينيات في الراديو، أيضا أشارت الدراسة الى أن وسائل الاعلام تبالغ في الاهتمام وتناول بعض المهن النسائية على حساب المهن الأخرى مثلت عاظم الاهتمام بالفنانات والرياضيات، وسيدات الأعمال، ونساء السلك الدبلوماسي بالمقارنة بالسيدات المعلمات والطبيبات، والعالمات والباحثات والمحاميات والعاملات والفلاحات، كما تركز وسائل الاعلام على مراحل عمرية وسنية معينة لدى المرأة تتراوح بين 20 ـ40 سنة أي مرحلتي الشباب والنضج بينما تهمل غالبا المراحل الأخرى وخاصة الطفلة الأنثى ومرحلة الكهولة والشيخوخة ممايؤكد مدى رسوخ الرؤية التقليدية عن المرأة وتركيز الاهتمام بفترة الخصوبة واهمالها بعد تجاوز هذه المرحلة تأثير الاعلام كما أوضحت الدراسات التي أجريت عن الاعلام المرئي والمسموع أن الدراما التليفزيونية تركز على فئات المرأة في السن 20 ـ 30 عاما بنسبة تصل الى 54% من اجمالي الفئات النسائية، وتركز أيضا برامج المرأة في الراديو المصري على مخاطبة مراحل عمرية محدودة، وفي مقابل تناول وسائل الاعلام هذه الصورة التقليدية نجد أنها تعرض صورة المرأة العصرية والمستقبلية التي تظهر فيها المرأة وهي قادرة على اتخاذ القرار، وتتسم بالثقة، والاعتماد على النفس، وتبرز هذه الصورة في العديد من الأعمال والمسلسلات الدرامية التليفزيونية ويلاحظ أن وجود الصورتين المتناقضتين للمرأة في التناول الاعلامي لقضايا المرأة في وسائل الاعلام يدل على غياب الاستراتيجية العامة لوسائل الاعلام، وتبرز في هذا المجال ضرورة وأهمية التأكيد على ضرورة الاستناد الى البعد الاجتماعي للتناول الاعلامي لقضايا المرأة في وسائل الاعلام. وذلك بتصحيح الأفكار التقليدية الخاطئة التي تبالغ في تقديم صورة المرأة في وسائل الاعلام. وتشير الدراسة الى أن الصورة السلبية التي تقدمها وسائل الاعلام للمرأة في مصر ترجع الى الصورة السائدة عن المرأة في المجتمع والتي كونها العديد من العوامل الاجتماعية والثقافية ذات خصوصية وموروثات تقليدية نمطية يصعب تغييرها أو تعديلها بسهولة فضلا عن أن هذا التغيير يستغرق وقتا وجهودا كبيرة وخطة متكاملة أي أن ماتقدمه وسائل الاعلام يعد تعبيرا وانعكاسا للثقافة السائدة في المجتمع. وأكدت الدراسة على أن هناك عدة مؤشرات احصائية توضح مدى التفاوت والاختلاف بين المرأة والرجل مثل ارتفاع معدلات الأمية للنساء ليصل الى 45% في الحضر، وترتفع في الريف لتصل الى 77%، وأن نسبة النساء اللاتي التحقن بالتعليم الثانوي في ريف مصر لا تتجاوز 41% بالمقارنة مع 73% من الذكور، وتتزايد الفجوة النوعية بين الجنسين كلما ارتفع المستوى التعليمي، ويرتبط المستوى التعليمي بالصحي فالحالات التي استفادت من مساعدة الأطباء لم تتجاوز 19.3% من حالات ولادة النساء غير المتعلمات، 18% من الحالات في الريف بالوجه القبلي، 30% من جميع حالات الولادة بين النساء اللاتي ليس لديهن مورد للرزق. كما بلغ انتشار الانيميا الى 22% من اجمالي الحوامل في مصر، و 25.3% بين النساء المرصفات وتوجد أكبر نسبة لنقص الحديد في التغذية بين الأمهات اذ أن مايقرب من ثلثي الأمهات لا يكفي استهلاكهن من الحديد لتلبية 90% من النسبة المحددة وفقا لمعايير التغذية الصحية، كما أنه عند توزيع الطعام داخل الأسرة يحصل الأب على 32% من اجمالي الطاقة الغذائية التي تستهلكها الأسرة بينما الأم تحصل على 28% من هذه الطاقة، ويحصل الأب على حوالي 33% من اجمالي عنصر الحديد في غذاء الأسرة بينما الأم لا تحصل الا على 29% من هذا العنصر، مما يفتقر الى التوازن بين الرجال والنساء خاصة في مرحلتي الحمل والرضاعة فضلا عن الجهود التي تؤديها المرأة في حالة العمل داخل المنزل وخارجه. القاهرة ـ ماجدة خضر: الكويت ـ «البيان»: