يتساءل المرء: لماذا ترتفع الاصوات الداعية للوحدة الوطنية خلال تصاعد القتال وتفاقم الحرب الاهلية، ثم تخفت الاصوات او تختفي تماماً بعد انقشاع الازمة؟ مثل هذا الوضع يثير الشكوك حول جدية الدعوة ومدى صدق الداعين للوحدة الوطنية. تقوم فكرة الوحدة الوطنية على الانتماء الحقيقي والاحساس بالمشاركة في كل الذي يخص الوطن والمواطنين سواء أكان ذلك السلطة او الثروة او المسئولية في الدفاع عن الوطن عن رضى واقتناع. فالوحدة الوطنية ليست فكرة مجردة او شعار يكتب على راية في مظاهرة او صرخات في اجهزة الاعلام او مسيرة تجمع وتنفض بالصدفة. لذلك، لا يمكن ان تكون الدعوة للوحدة الوطنية قضية موسمية بل هي فعل وممارسة يومية تتجلى في كل مظاهر الحياة الاجتماعية والسياسية. يلمسها المواطنون في التعامل والتفاعل حيث يشعر المواطنون باختلاف انتماءاتهم الاثنية وخلفياتهم الثقافية ومواقفهم السياسية والايديولوجية، انهم ابناء وطن بلا تفرقة وانحيازات واقصاء وابعاد متعمد. من البداية، يجب الا تكون الدعوة للوحدة الوطنية وسيلة او حيلة لاسكات كل الاصوات المعارضة او المخالفة للسلطة، بالطريقة العربية: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة. فقد كانت كلمة حق يراد بها باطل، فالحكومات التي رفعت ذلك الشعار، لم تخض اي معركة ضد العدو بل استغلت ووظفت الشعار في معاركها ضد شعوبها لكي تخلد او تؤبد قوانين الطوارئ والاوضاع الاستثنائية، والخوف ان تقابل دعوة الوحدة الوطنية اتهامات الخيانة والطابور الخامس والتخاذل وغيرها بقصد اسكات كل الاصوات التي تتضايق منها السلطة السياسية. وهذا يعني ان الوحدة الوطنية ترتبط بلا فكاك مع الديمقراطية والحريات الاساسية. ومن الخطأ الاعتقاد ان الوحدة الوطنية تعني غلبة وهيمنة الرأي الوحيد الأحد، فحتى ادارة الحرب تحتاج الى تبادل الآراء والحوار والنقاش. وعندما يكثر الحديث عن الاخطار يحاول البعض توسيع هذه الاخطار لتشمل الكثيرين باعتبارهم مسببين محتملين لاخطار قادمة. وهنا تطلق يد اجهزة الامن والمخابرات وتتحول اجواء التماسك والتضامن الى شكوك ومخاوف وابتزازات، فالقدرة على حشد وتجييش المواطنين تزداد من خلال الاقناع والاعتماد على المنظمات والمؤسسات التي تصنعها الجماهير وتثق فيها وليس من خلال التنظيمات المفتعلة والفوقية. الوحدة الوطنية في الاوضاع السودانية الحالية لا يقصد بها بأي حال من الاحوال تجميع وتوحيد فئات وقطاعات معينة في المجتمع الوطني ضد مجموعات اخرى، لان التسمية نفسها تنسب الى الوطن مما يعني ان كل الذين يعيشون على ارض هذا الوطن او يحملون هويته مطالبون بالوحدة. ففي الحرب الدائرة في الجنوب، يخطئ من يظن انها وحدة الشماليين ضد الجنوبيين، وهذا جانب يحتاج لتركيز ونشر وعي بالمشكلة بين المواطنين العاديين ولابد لاجهزة الاعلام من اضاءة هذا الجانب، وعدم خلط الفهم او تأكيد صورة العداء بين الشماليين والجنوبيين والاهم من ذلك، لماذا لا تكون الوحدة الوطنية في الدعوة للسلام والا تقتصر على حالات المعارك والحروب، فالدعوة للسلام يمكن ان تكون قضية يلتف حولها المواطنون ويتحدثون من اجل السلام وتحقيق الاستقرار والتنمية وللمفارقة، اصبحت دعوة الوحدة الوطنية تبدو وكأنها نداء لدرء خطر ما ولم تستقر في الاذهان كنفرة او نفير للبناء والنمو ولاصلاح ما دمرته الحرب، هذا فهم جديد للوحدة الوطنية يجب ان يعمم ويسود، والا تكون الدعوة مجرد صيحة للقتال والحرب. تقود النقطة السابقة مباشرة الى ضرورة ربط الوحدة الوطنية بالحل السلمي الشامل المقبول لكل اطراف النزاع، والا تحاول الحكومة استغلال اندلاع المعارك لكي تفرض تصورها للحل السلمي او الوفاق كما تسميه، وان تستعين في ذلك بالمساندة التي قد تجدها من الدول العربية مثلاً، على العكس، يجب ان يسارع النظام وينفذ المطالب التي رفعتها المعارضة، والا يكتفي بالحديث الاعلامي القائل بأنه على استعداد للاجتماع في اي مكان او زمان.فهذه ليست المعضلة، انما حقيقة الامر ما هي الخطوات العملية التي اتخذها النظام والتي تجعل من هذه اللقاءات المحتملة مجرد اجراء روتيني للتوقيع على اتفاق وليس فرصة للجدل والمغالطة والمماحكة. فقد توقع البعض ان تعلن الحكومة عن استعدادها لقيام حكومة قومية فوراً تضم كل القوى السياسية السودانية، شمالية وجنوبية.فالحكومة القومية ذات البرنامج الداعي للايقاف الفوري للحرب مع اجراءات اقتصادية اسعافية ورفع كل القوانين المقيدة للحريات، هي الصيغة المثلى لأي وحدة وطنية.على السودانيين واجب الوصول الى صيغة متطورة للوحدة الوطنية تضع في الاعتبار التنوع والتعدد الذي يسم هذا الوطن، وان تحول فكرة الوحدة في التنوع الى قواعد في اي دستور وان تظهر في مناهج التعليم ووسائل الاعلام والفرص المتساوية للثقافات، ومازال التخوف من نتائج التنوع سائداً لدى الكثيرين ولكن لا يعبر عنه صراحة. فالجميع يتحدث عن التنوع الثقافي وفي نفس الوقت لا يخفي شكوكه في مخاطر ـ غالباً متوهمة ـ قد تضر بالثقافة العربية، والاسلامية بالذات. ورغم ان الثقافات السودانية المختلفة لم تكن مصدر تهديد حقيقي للثقافة العربية، الاسلامية بسبب العددية والنفوذ والانتشار الذي يميزها في السودان، الا ان الحديث لا ينقطع عن المخاطر والتهديدات. وهذا حديث قد يكون في احيان كثيرة بغرض الدعاية السياسية وليس لاسباب ثقافية صرفة. ولابد من تحديد العناصر المكونة لهذه الوحدة الوطنية واشراكها في عملية او سيرورة في الوحدة بصورة متساوية ومتكافئة. وعلينا ان نحذر من ان تكون دعوة الوحدة الوطنية اداة لاقصاء مجموعات ثقافية سودانية معينة. المتأمل لاساليب الدعوة للوحدة الوطنية ينزعج من غلبة الطريقة الديما غوغية والغوغائية والمعتمدة على الاثارة والتهييج والضجيج، قضية محورية وشائكة مثل الوحدة الوطنية لابد ان نوازن بين العقل والعاطفة عند التعامل معها. فقد تكون العاطفة مطلوبة لاثارة الحماس ولكنها لا تكفي وقد تصير عاطفة منفلتة تؤدي الى مواقف عدائية لذلك دور الاعلام والتعليم لابد ان يكون تأسيس الوعي لدى المواطن العادي فيما يخص الوطن وحقوق المواطنة وبالتالي الوحدة الوطنية. ما زلنا نأمل ان تكون التحديات والمصاعب فرصة لاعادة التفكير ومراجعة النفس. فالنظام الان يواجه ظروفاً شديدة التعقيد ولا تحتمل المناورة التي اشتهر بها، لذلك عليه ان يتوجه بصدق الى كل القوى الوطنية ببرنامج محدد لتحقيق الوحدة الوطنية الدائمة وليست الطارئة او الموسمية التي تثار الدعوة لها في اوقات عصيبة وسرعان ما تنسى الدعوة عندما تتغير الاوضاع. بقلم: حيدر ابراهيم علي