معقول هذا الشيء الذي يعيش فيه مطار عمان الدولي، عاصمة الاردن؟ معقول ان تنفجر ازمة تحرق الاعصاب وتثير النفوس في مملكة الاردن التي لم تشهد يوماً هادئاً في حياتها منذ عام 1948؟، غير معقول ان تنشب ازمة سياسية بين قطر والاردن لأن مواطناً اردنياً خرج من طائرة قطرية نقلته الى بلده؟ هل يمكن ان تغضب المانيا لأن طائرة فرنسية حملت مواطناً المانياً الى مطار فرانكفورت، وحدث ان هذا المواطن لا تستريح له الاجهزة الأمنية في حكومة المانيا الاتحادية؟ في جميع بلدان العالم المتحضر يتمتع المواطن بحرية التنقل والحركة اينما شاء ويعود الى موطنه متى رغب، بدون ازمة مصطنعة مع شركة الطيران الناقلة، او مع البلد الذي تنتمي اليه الشركة. هناك القضاء الذي يقرر تطاول المواطن على القانون، وهناك الاجهزة القضائية المعروفة التي تنظم حياة المواطن وعلاقته بالدولة، في اطار لائحة الحقوق والمسئوليات. لا اعرف دولة ديمقراطية في اسيا او اوروبا او حتى افريقيا تطرد مواطناً لأن الاجهزة الامنية لا تستسيغ نشاطاته السياسية. والمعركة الاعلامية الحالية في الاردن لا علاقة لها بالامن القومي الاردني، فالمهندس غوشة لا يمكن ان يملك العناصر التي تهدد هذا الامن، خاصة في الاردن وهي الدولة التي يتمتع فيها جهاز المخابرات بسمعة عالية وله سجل حافل في الحفاظ على النظام. فمن غير المعقول ان يحبس مواطناً عائداً الى بلده في صالة الترانزيت لأن حسابات الاجهزة الامنية تضعه في خانة المرفوضين. نحن نعرف الاردن بلداً متسامحاً فيه احترام للقانون، وفيه اشادة بحقوق الانسان، وصون كرامته، وتعايش الاردن مع المصائب العويصة خلال الخمسينيات والستينيات، وتولدت له خبرة في تجاوز المؤامرات التي كانت تحاك ضده من احزاب قومية وانظمة عدائية لسياسته الانفتاحية. ومع ضعف الاردن الاقتصادي، ووضعه الجغرافي المعقد، وشبح التهديدات الاسرائيلية ومن قواعد التطرف، حافظ الاردن على الشيء الكثير من وقاره في سلوكه المستنير تجاه خصومه وتعالى على الكثير من التهور والجنون. وبصراحة لا اصدق ان تطبع صحيفة اردنية مقالاً مملوءاً بالصغائر ضد وزير خارجية قطر الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، مثل رصده عشرة ملايين دولار لترويج الفكر الصهيوني في الخليج، وانه اكبر من مقاسه والساعي لتمرير صفقات سياسية واقتصادية مع اسرائيل والباحث عن دور كوكيل اعمال اسرائيلي في منطقة الخليج، انطلاقاً من خياله المصاب بجنون العظمة حيث يرى ذاته اكبر من قطر نفسها، وانه لبس عباءه ليست من مقاسه لتمرير الصفقات السياسية والاقتصادية التي عقدها مع الكيان الصهيوني حيث ان قطر هي الدولة الخليجية الوحيدة، التي تحتفظ بمكتب تجاري في العاصمة، وان جنون العظمة قد ضرب بجذوره في مخيلة الوزير القطري فاعتقد انه اكبر من قطر وقيادتها السياسية وبأن عباءته تغطي منطقة الخليج كافة، وانه من الطابور الخامس لا يلبس المستفيدون ان يلفظهم بعيداً حيث تنتهي الحاجة اليهم.. الخ. في حديث لصحيفة الرأي العام الكويتية في عددها الصادر يوم 19 يونيو 2001، يقول وزير الاعلام الاردني صالح القلاب، في رد عنيف جداً ـ كما تقول الصحيفة ـ «لا وساطات مع غوشة، او حماس، مسئولون في قطر رموا بهدية ملغومة الينا واذا ارادت دولة عربية اخرى نزع هذا اللغم واخذه الى جهة اخرى سواء ليبيا او اليمن فنحن نرحب». ويضيف «الفاضي يعمل قاضي، وهناك جهة في قطر ليس لديها ما تفعله سوى خلق ازمات تارة مع مصر وطوراً مع الكويت والاردن»، ويتهم الوزير الاردني بأن «هؤلاء الموجودين في الخارج ابواق لجهات خارجية». ومهما تصاعدت الحدة بين قطر والاردن، هناك حقائق لابد من وضعها في الاعتبار كواقع مؤثر في خلق هذه الازمة الغريبة، والتي لا داعي لها مطلقاً، ولا داعي لخلق تداعيات اكبر من حجمها. اولاً: ان المهندس غوشة الموجود في قاعة الترانزيت والممنوع من دخول بلده، هو مثل غيره، ضحية الافراط في التعسف الذي تتعامل به اجهزة الامن في الدول العربية والدول المتأخرة في هذا الكوكب، والتي تعيش على قوائم الشك وفرض القيود ومراقبة المواطن والتنصت على تحركاته ومكالماته. وهي حالة موجودة في كل الدول التي لا تصون قوة القانون، وتوظف كل ما في الدولة لحماية الانظمة السياسية فيها، والحالة الموجودة في مطار الاردن الان لا تحصل في بلغاريا مثلاً، او اليونان، لكنها موجودة بكثرة في دول الجامعة العربية. ثانياً: موضوع غوشة هو موضوع حقوق المواطن الذي لا يستطيع ان يقبل قراءة اجهزة الامن للوائح التي تنظم حقوقه وتحدد العلاقة بين الواجبات والامتيازات، ويتصور غوشة بأن حقه كمواطن الخروج والدخول الى موطنه متى شاء، وبصرف النظر عن آرائه الشخصية والسياسية، طالما لم يستعن بالعنف او اللجوء الى القوة او يتطاول على القانون. ولا يكفي حكم اجهزة الامن على المواطن وابعاده دون مصوغ قانوني صادر من القضاء، لأن تقديرات الامن تختلف عن اعتبارات حقوق المواطنة وتتعدى عليها. وكذلك فان منع غوشة من الدخول لأنه الناطق الرسمي لحركة حماس هو تعسف امني لا يستقيم مع الدستور ولا مع سيادة القانون. ومن الانصاف التذكير بأن المهندس غوشة رجل مريض ومتقدم في السن، ولن يقوى على تفجير ثورة تهدد النظام السياسي الاردني. ثالثاً: نالت دولة قطر من الاتهامات ما ليس له اي مبرر، فلم تفتعل ازمة مبرمجة وطالها نقد لاذع لانها تجرأت وتوسلت لاستقبال المبدعين على اراضيها، وهم مواطنون اردنيون يخضعون للقانون الاردني عند المخالفة، ولا يستحقون الطرد من وطنهم، والخطأ الذي ارتكبته قطر هو في تحركها لبذل مساع حميدة بين حكومة الاردن ومواطنيها، وكان الاجدر ترك الموضوع لحكم القضاء الاردني. رابعاً: وضع الاردن دقيق جداً، فالمواجهة مع اسرائيل ستجر الاردن الى كارثة، وترك عناصر حماس تثير التعقيدات في وجه ملك الاردن، امر لا يستقيم مع مسئوليات الحكم، والاحرى بالمسئولين في حماس ان يراعوا ظروف الاردن ويحترموا حساسية البيئة السياسية والامنية فيه. خامساً: على الجميع الالتزام بالهدوء وعدم التصعيد الاعلامي حتى لا تتداخل الكرامة الشخصية للأردن مع حقوق المواطنة للمهندس غوشة، ويبدو ان الملك عبدالله الثاني لا ينوي التنازل لمطالب حماس لأن الشعور الشخصي تداخل مع البعد الامني، واعتقد ان الخطوة العاجلة الان هي فصل العلاقات بين الاردن وقطر عن موضوع غوشة، فليس من مصلحة اي طرف تعكير هذه العلاقات، والمنطق يدعو ان تتعامل السلطات الاردنية مع وجود غوشة وفق اللوائح الداخلية الاردنية. سادساً: انفجرت مشكلة غوشة في وقت رديء امنياً، ومعقد سياسياً، ومتعب معنوياً، مع استمرار الانتفاضة في مواجهة مشروع شارون، واحتمالات حدوث الانفلات الامني، يحق للأردن ان يعالج اوضاعه الداخلية بالحزم والمسئولية، خاصة وان تدهور الاوضاع في الضفة الغربية، يتزامن مع الضغوط الامريكية على الاردن للدخول في مشروع العقوبات الذكية على العراق، ويجد الاردن نفسه في موقع مزعج بين ثقل العراق، وتهديدات اسرائيل، والضغط الامريكي، كل هذه العناصر لا تخدم جهود حماس في حدوث تفاهم مع الحكومة الاردنية. لابد من وضع نهاية لأزمة الترانزيت في مطار عمان، لأن استمرارها يؤدي الى فتح ابواب من التعقيدات مازالت موصدة، على الصعيد السياسي والاعلامي والاقتصادي، وبما يضر صورة العرب جميعاً. بقلم: عبدالله بشارة