خلال ثلاثين عاما من حكم سوريا زار حافظ الاسد فرنسا مرتين، ولم يزر واشنطن ولا مرة، وطبع السياسية الخارجية السورية بطابعه المتحفظ والحذر، ويرسى خلفه بشار الاسد طابعا اخر يقوم على حركة خارجية مستديمة، ففي عام واحد قام بشار الاسد بعدد من زيارات خارجية فاقت معدل الزيارات التي كان يقوم بها حافظ الاسد في عشر سنوات. وترتدي زيارة بشار الاسد الى فرنسا طابعا خاصا بالنظر الى العلاقات التاريخية بين باريس ودمشق، وبالنظر الى الدور المميز الذي تلعبه سوريا في لبنان والعراق والشرق الاوسط وفي الشراكة الاوروبية ـ العربية مقابل الدور الفرنسي الذي تحاول باريس ان تلعبه في تلك البقعة من العالم الى جانب الولايات المتحدة الامريكية وفي تنافس معها. بالطبع ليست هي الزيارة الاولى التي يقوم بها بشار الاسد الى فرنسا فقد زارها من قبل حين كان يتهيأ لخلافة والده، لكنها الزيارة الاولى التي يقوم بها بصفته رئيسا للجمهورية السورية وقد اعدت له باريس بهذه المناسبة استقبالا حارا واستثنائيا، غير ان هذه الزيارة تواجه معارضتين غير فرنسيتين: معارضة اسرائيلية ومعارضة لبنانية. وتجيء المعارضة الاسرائيلية نتيجة النجاح غير المتوقع الذي حققته زيارة البابا يوحنا بولس الثاني الى سوريا في شهر مايو المنصرم فقد اظهرت هذه الزيارة الوجه التاريخي لسوريا «مهد المسيحية والحضارات» واقدم البابا خلالها على سابقتين تاريخيتين: الدخول الى الجامع الاموي ليعلن المصالحة التاريخية بين المسيحية و الاسلام، والذهاب الى مدينة القنيطرة ليدعو الى السلام ويدين من دون ان يسميه الاحتلال الاسرائيلي للجولان. وثارت ثائرة الحكومة الاسرائيلية التي التقطت كلام بشار الاسد الذي وصف فيه الاسرائيليين بأنهم «النازيون الجدد» لتتهمه بمعاداة السامية، وشن اللوبي اليهودي العالمي عليه حملة لم تتوقف، وتقدمت احدى الروابط اليهودية الفرنسية بدعوى مباشرة ضده لمنعه من زيارة باريس. ورد الرئيس السوري على طريقته، فوجه رسالة الى امين عام الامم المتحدة جاء فيها ان سوريا لا تخلط بين اليهودية كديانة سماوية والصهيونية كحركة سياسية «وظفت لاحتلال اراضي الغير بالقوة» لكن هذا الرد لم يقفل الملف وخاض بشار الاسد معركة اعلامية شرسة طيلة زيارته وقبلها وبعدها. على الساحة اللبنانية تعمد رئيس الجمهورية اميل لحود اثناء زيارته الى باريس في الشهر الماضي ان يركز على اهمية الدور السوري في لبنان، ومدى التلازم بين لبنان وسوريا، مما اغضب المعارضة اللبنانية، وفي مقدمتها ميشال عون المقيم في فرنسا الذي دعا الى التظاهر ضد زيارة الرئيس اللبناني والسوري معا. غير ان بشار الاسد استوعب المعارضة اللبنانية مسبقا حين قرر منذ ايام اعادة انتشار الجيش السوري في المناطق المسيحية واعلن بشكل لايقبل الجدل بأن وجود الجيش السوري في لبنان «مؤقت» مما ادى الى ردات فعل ايجابية في اوساط المعارضة المسيحية، وفي مقدمتها البطريرك الماروني نصر الله صفير الذي رحب بهذه الخطوة. الحركة السورية على الارض، والموقف السوري في السياسة عززا من مواقع المدافعين عن سوريا في لبنان وفي طليعتم رئيس الجمهورية اميل لحود، واضعفا مواقع المعارضين لسوريا وفي طليعتهم ميشال عون. يزعجني ان تلتقي المعارضة العونية والمعارضة الاسرائيلية في خندق واحد، وان يتم التعبير عن المعارضتين وكأنهما في تكامل الواحدة مع الاخرى، ويتعين على ميشال عون ان يميز معارضته لسوريا عن معارضة اسرائيل لها، فليس من مصلحة اللبنانيين، ولاسيما المسيحيين منهم، ان يظهروا بمظهر المتعاونين مع التنظيمات اليهودية. لقد نجح بشار الاسد اثناء زيارته فرنسا في تبديل صورة النظام السوري في عيون الغرب، وجعله اقرب الى مفاهيم العصر وقوانينه وساعدته زوجته الشابة اسماء في هذه المهمة، ولايجوز ان يظهر المسيحيون اللبنانيون بمظهر من يتخلف في فهم قوانين اللعبة الدولية. المعارضة المسيحية اللبنانية لسوريا شيء، والمعارضة اليهودية الاسرائيلية شيء اخر مختلف كل الاختلاف. بقلم: كريم بقرادوني