يعاني المجتمع الاسرائيلي منذ البداية أزمة هوية بسبب تباين المنابت والأصول التي جاء منها المهاجرون اليهود إلى فلسطين، حيث باتت المحافظة على الطابع اليهودي ـ الصهيوني لدولة إسرائيل الموضوع الأول الذي يحتشد حوله اجماع قومي إسرائيلي، نتيجة لاستمرار انتفاضة الأقصى وامتدادها إلى فلسطينيي الخط الأخضر داخل الأراضي المحتلة عام 1948. وبلغت ذروة الحديث عن هذا الموضوع بعقد مؤتمر هرتسليا في الفترة ما بين 19 و21 ديسمبر عام 2000، وصدرت عنه وثيقة جرى تعميمها في أواسط مارس عام 2001 ضمن كراسة خاصة، وجاءت ترجمة هذه الدراسة ضمن سلسلة «أوراق إسرائيلية» التي تصدر عن المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية. وقد ركز مؤتمر هرتسليا على «ميزان المناعة والأمن القومي الإسرائيلي» وتم فيه اعتماد بعض العوامل والركائز منها: 1 ـ العامل اليهودي، العامل السياسي، العامل العسكري، العامل الاقتصادي، العامل التكنولوجي،العامل التربوي والعامل الاجتماعي. وأسهم في المؤتمر أكثر من ثلاثمئة مشترك يمثلون النخب الإسرائيلية في مختلف الميادين. واعتمد المؤتمر على عدة نقاط رئيسية كانت هي المحاور الأساسية منها ان إسرائيل هي دولة الشعب اليهودي ويجب الحفاظ على الأمن فيها، ومن الناحية الاقتصادية والاجتماعية تنقسم اسرائيل إلى قسمين: قسم يتكون من أربعة ملايين يعيشون بغالبيتهم كمجتمع غربي ـ تكنولوجي وقسم يتكون من مليوني إنسان ـ عرب وحريديم وعمال أجانب ـ يعيشون بغالبيتهم، كمجتمع ذي خصائص اقتصادية واجتماعية من العالم الثالث، وهنا يجب السيطرة على الزيادة السكانية بما يتناسب ومصالح إسرائيل. يجب على إسرائيل توطيد علاقاتها مع الشعوب اليهودية في العالم لمواجهة التحديات التي تتعرض لها إسرائيل، وفي حال استمرار الاتجاهات الديمغرافية، فإن ذلك يضع تحديا أمام مواصلة وجود إسرائيل كدولة يهودية. وعلى الصعيد السياسي فإن اسرائيل تقف أمام ثلاث دوائر مواجهة (دائرة محاذية ـ فلسطينية ـ دائرة قريبة ـ دائرة بعيدة) من شأنها أن تتداخل بعضها بعضا، لذا يجب توفير ميزانية خاصة وعالية للجيش الإسرائيلي لمواجهة هذه الدوائر مع العلم بأن الجيش الإسرائيلي أكبر من جيوش الدول الأوروبية العظمى ولكن ميزانيته صغيرة بالمقارنة. ومن جانب آخر يجب هندسة العملية التفاوضية المستقبلية فلذا يتعين على إسرائيل أن تظهر تمسكها بالتسويات والتطبيع مع العالم العربي من جهة وأن تكون جاهزة لحروب في مستويات تكثيف متغيرة من جهة أخرى. ولقد أكد المؤتمر على الصناعة التكنولوجية لجذب الاستثمارات الأجنبية ولتحقيق المناعة القومية. فيما يتعلق بالجانب الديمغرافي ومستقبل الوجود اليهودي في فلسطين وفي العالم بشكل عام، حذر المؤتمر من ان «الأقلية العربية» ستصل إلى حوالي ربع السكان وربما أكثر من ذلك وبالتالي فإن الأغلبية اليهودية في إسرائيل ستأخذ في التقلص مما يشكل تهديدا لوجودها على المدى البعيد. وفي هذا الاطار وضع المؤتمر ما أسماه «استراتيجيات بديلة» لمواجهة الوضع الديمغرافي، وتقوم هذه الاستراتيجية على عدة عناصر أبرزها: ـ سياسة ولادة، أي التوازن بين نسبة الزيادة الطبيعية بين اليهود والفلسطينيين. ـ سياسة تشجيع واستيعاب هجرة متسارعة. ـ سياسة ترسيم حدود الدولة المستقبلية، من خلال أخذ معايير حفظ الأغلبية اليهودية في الحسبان. ـ موقف حيال قضية اللاجئين يكمن في أقصى الحالات، عودة إلى مناطق السلطة فقط. ـ سياسة توزيع السكان اليهود في إسرائيل بصورة تضمن أغلبية يهودية في اقليم البلاد المختلفة. ـ سياسة جديدة بالنسبة لحقوق الأقلية العربية وواجباتها في إسرائيل من جهة وبالنسبة للإسرائيليين في الخارج، من جهة أخرى. ـ بالنسبة للهجرة يجب زيادة فعاليات تشجيعها سواء في اطار الاستراتيجية الديمغرافية الشاملة، وأيضا كجزء من تلبية حاجات العمل في فروع التكنولوجيا المتطورة. ـ تشجيع الاستيطان اليهودي في مناطق اشكالية من ناحية ديمغرافية وبشكل خاص في الجليل ومرج ابن عامر، وكذلك في النقب، وذلك من أجل منع تواصل أغلبية عربية تقطع أوصال إسرائيل، ضمن أشياء أخرى. وفي غياب الاحتمالات في سلام اقليمي شامل، بدون تسوية دائمة مع الفلسطينيين، وفي غياب امكانية عملية للوصول إلى تقارب يتيح تطبيق التسوية، يضع المؤتمر أمام إسرائيل ثلاثة بدائل سياسية أساسية: 1 ـ اعادة عملية المفاوضات ثنائية الاطراف إلى هيكل جزئي محسوب ومراقب، يسعى إلى تسويات مدرجة، يجوز أن تكون منتوجات مغايرة لذلك، بما فيها على مستويات مختلفة من تدخل أمريكي. 2 ـ اجراءات فصل أحادية الجانب، بدون مفاوضات، نحو الخطوط والشروط المريحة لإسرائيل، بينما يؤخذ في الحسبان جواز اتخاذ خطوات فلسطينية أحادية الجانب مضادة. 3 ـ بلورة خريطة هيكلية جديدة للعملية على أساس تعدد الأطراف، مغايرة لتلك التي بدئ بها قبل عقد من السنوات، بحيث تدمج المسارات المتعددة الأطراف الاقليمية التي علقت منذ 1995 مع المسارات الثنائية الأطراف المتبقية. وفيما يتعلق بالجانب العسكري ومواجهة الدوائر الثلاث التي حددها المؤتمر في هذا الاطار، طرحت الدراسة جملة من الأسس على النحو التالي: ـ مطلوب سياسة هيكلية للقوة على أساس الجودة النوعية، بعكس سياسة سد الفجوات، مقابل العدو وذلك بواسطة: ـ قوى بشرية نوعية. ـ تكنولوجيا في رأس سلم التقدم العلمي. ـ اطلاق نار دقيق بغرض تدمير أهداف في وقت قصير، من أجل التسهيل على مرحلة المناورة. ـ أجهزة قيادة وسيطرة نقل معلومات، بدءا بالاستخبارات وحتى طرق نقل المعلومات الأخرى. ـ يجب العمل على أساس خطة شاملة متعددة السنوات، وطالما لا توجد ميزانية متعددة السنوات، على الخطة أن تعرف هوامش الأمن في الموازنة العامة لتتمكن من الصمود أمام تقلبات الميزانية، وعلى الخطة أن تشمل اتجاهات مركزية ومبدئية لسنة 2020 وتفاصيل دقيقة لسنة 2005. ـ على سلاح البحرية أن يفتش وأن يتسلح ببرامج اضافية، وأن يضع على نفسه مهمات استراتيجية عدا الحالية، وفي الوقت ذاته يجب تخصيص أفضلية لمبنى القوة الجوية. ـ على سلاح الجو أن يتزود بوسائل داعمة للقتال من الفضاء، وبرامج قيادة وسيطرة محلقة. ـ على الاستخبارات أن تكون قادرة على استشراف المنعطفات في الوقت المناسب، واعطاء انذار من الناحية الاستراتيجية والتقنية جهاز اطلاق النار الدفين بالأهداف. ـ يجب تقوية جهاز اطلاق النار الدقيق. ـ السلاح البري يجب أن تكون مهامه واضحة، وأن يكون تحت سقف كتيبة واحدة، وفي داخلها أيضا عنصر سلاح المشاة من أجل تمكن العمل المنسق للمهام التنفيذية. وأكدت الدراسة على أهمية التكنولوجية وتأثيراتها العديدة على الاقتصاد، وعرضت في هذا المجال ما اعتبرته المشاكل الماثلة أمام صناعة التكنولوجيا الرفيعة في المجتمع الاسرائيلي، وأهمها: ـ جهاز تعليم غير مناسب، ولا يسد الاحتياجات. ـ نقص في القوى البشرية على المدى القريب والبعيد، يقدر بـ 2000 إلى 5000 عامل نوعي. ـ هروب شركات وعمال وصناديق رأسمال مغامرة من إسرائيل. ـ قوانين بحث وتطوير واستثمارات، مهترئة. ولتجاوز هذه المشاكل طرح المؤتمر ضرورة عدم تخصيص البحث والتطوير الأساسي، وأن يكون الاستثمار فيه من جانب الحكومة في اطار منظم، الاستثمار في البحث والتطوير. وينبغي اتاحة المجال أمام تدفق المعرفة التي تراكمت في مجرى الاستثمار في البحث والتطوير الأمني، نمو الصناعات المدنية والإسهام بواسطة ذلك في صناعة الاقتصاد. اقامة طاقم قومي مسئول للتكنولوجيا الرفيعة، يحفز بشكل دائم التغيرات في المحيطين الداخلي والخارجي وتأثيرها على التكنولوجيا الرفيعة وعلى الاقتصاد القومي وعلى سياسة البحث والتطوير. وتناولت الدراسة بعض المعطيات المثيرة للقلق في الميدان التربوي من حيث التحصيلات الدراسية غير الكافية، وان التعليم لا يهيئ لأداء جيد في العالم الرقمي، اضافة إلى فجوات تعليمية بين مجموعات اجتماعية مختلفة وتآكل التكتل الاجتماعي. واعتبرت الدراسة ان المستوى الاجتماعي يشكل تهديدا خطيرا للمجتمع الاسرائيلي، «فاسرائيل مجتمع مشروخ، خاضعة لغرائز قطاعية قوية وفي الأساس فهي مبتلاة بثقافتها السياسية وقيادتها». وأعطت الدراسة حيزا كبيرا للجانب الاقتصادي حيث طرحت ما اعتبرته أسئلة أساسية مفتوحة: هل قوة الاقتصاد الاسرائيلي وبنيته الفرعية تعززان حقا المناعة القومية، أم ان انكشافه وتبعيته في ازدياد؟ وهل نموذج القوى الاقتصادية يساهم في المناعة القومية؟ وهل في الامكان فحص استخدامات الجيش المخطط لها بصورة موضوعية؟ ركزت الدراسة في هذا المجال بشكل خاص على المساعدات الأمريكية لإسرائيل والتي وصلت في عام 2000 إلى 1.92 مليار دولار، ومن المقرر أن تستمر في التزايد إلى مبلغ 2.4 مليار دولار سنويا في عام 2008، وطالب المؤتمر في هذا الصياغ إلى دراسة الخيارات التالية: ـ توجيه المساعدات إلى آفاق أخرى. ـ زيادة حجم المبالغ التي تمكن تحويلها إلى شواكل مقابل تقليص حجم المساعدات. ـ بذل جهود أكبر في مجال التصدير الأمني للولايات المتحدة. وفي الجانب الأمني بشكل خاص خلصت الدراسة إلى انه يجب على إسرائيل دراسة خصخصة ودمج الصناعات الأمنية في شركة واحدة قوية حيث لا مكان للازدواجية، وكذلك فحص امكانية أن تشتري جهات دولية جزءا من الصناعات الأمنية الاسرائيلية، وأن تكون شريكة فيها. عرض: هويدا سعيد