غالباً ما يحاول البعض عند تناوله قضية الهجرة المعاكسة التي تعيشها اسرائيل من خلال اللحظة الراهنة وربطها بهذا الحدث أو ذاك، دون النظر إلى المعضلة التاريخية التي تعيشها، والمختلفة كل الاختلاف عن مثيلاتها الدول الاستيطانية، والتي في ظروف ذاتية وعوامل موضوعية لا تتشابه معها على الإطلاق، وان تشابهت بالشكل العام. فإسرائيل منذ قيامها حتى هذه اللحظة، لم تستطع تثبيت هوية خاصة بها، لأنها لم تأت على أنقاض هوية بائدة، كما في الولايات المتحدة وبعض الدول الأمريكية الأخرى واستراليا، التي قاد أوائل الغزاة حروب إبادة جماعية ضد سكان البلاد الأصليين مستغلين الفارق الحضاري الذي يفصل في ما بينهم. بينما جاء هذا المشروع الاستيطاني الصهيوني إلى فلسطين، من خلال عمليات تسللية ،مستغلاً بذلك حالة التسامح الديني لدى العرب، وعدم خوفهم على وجودهم من هؤلاء القلة بسبب ما يتحلون به من ثبات وتبلور بالهوية كما أشرنا. لكن وعلى ما يبدو أن رواد الهجرة اليهودية الأوائل، نجحوا في ما هدفوا إليه، بحفر موضع قدم لهم في الصخر العربي الأصم، ولم يكتشف العرب مدى خطورة هذا التسلل، إلا بعد إعلان وعد بلفور البريطاني، الذي تزامن مع مشاريع سياسية كبرى اعتبر هذا الاستيطان، مقدمة لنجاحها على المدى البعيد. لكن بصرف النظر عن الآليات، التي استخدمتها الحركات والأحزاب الصهيونية بهدف الاختراق وفرض الأمر الواقع، من خلال جلب قطعان المستوطنين إلى فلسطين، ورغم النجاحات التي أحرزتها هذه الأحزاب من خلال عصاباتها، بإعلان قيام ما أصبح يسمى بدولة اسرائيل، بقيت تعاني حتى يومنا هذا من عجز حقيقي في إقناع يهود العالم للقدوم إلى اسرائيل. أي أنها عجزت عن إقناع يهود الشتات بالقدوم إلى اسرائيل، باعتبارها قبلة اليهود وحلمهم المتجدد، وقد يكون السبب الحقيقي من وراء ذلك، يتمثل في أن اسرائيل عجزت عن تغييب السكان الأصليين، وتهويد الأرض. وأن العمل العبري بدأ يواجه الكثير من العقبات والمشكلات العصية على الحل أحياناً، بالإضافة إلى أنها بقيت تواجه مقاومة عربية كبيرة حدت من أحلامها في جلب المستوطنين، لدرجة وصلت بعض التجمعات اليهودية، كيهود الولايات المتحدة إلى تجاوز اسرائيل كنموذج للوطن اليهودي. وعلى ما يبدو أن الرشاوى الكبيرة، التي قدمتها اسرائيل في الخمسينيات من القرن الماضي، ومررتها من خلال شعارات لاهوتية دهرية، قد وصلت إلى طريق مسدود لا يمكن تجاوزه، فلا هي خلقت المثل والنموذج على المستوى الاجتماعي الاقتصادي، ولا هي خلقت حالة من الأمن والاستقرار المطلق، كما كانت تشيع ذلك بين جموع المستوطنين، على المستوى الداخلي الإسرائيلي، وفي التجمعات اليهودية، المترامية في بلدان العالم وقاراته. وقد عاشت على الدوام وبكل مراحل تدرجها وأطوار بنائها، ما بين حالتي المد والجزر، بالنسبة للهجرة الوافد إلى اسرائيل والمعاكسة المتجهة إلى دول أوروبا الغربية وأمريكا. حتى وصل البعض إلى تصور مؤداه أن اسرائيل تعتبر، بنظر يهود شرق أوروبا وآسيا وأفريقيا مجرد محطة أولية، أو معبر إلى العالم المتحضر، العالم النموذج المتمثل بأمريكا أولاً، مرتكزين إلى مجموعة من الحقائق، قد تكون غاية بالأهمية، وهي أن نصف الوافدين مجرد وصولهم إلى قرى التطوير في اسرائيل، يبدأون بالبحث الدؤوب عن الطرق والوسائل، التي تؤمن وصولهم إلى الغرب. متكئين على أرقام وحقائق إحصائية، تشير إلى شبه ثبات في تعداد اليهود في اسرائيل، هذا إذا استثنينا يهود أثيوبيا «الفلاشا» وبعض اليهود الذين لا يزالون تحت الرقابة والمنع الشديدين على خروجهم، وهم الذين قدموا من دول الاتحاد السوفييتي السابق، والذين صودرت جوازات ووثائق سفرهم، والتي تقدر هذه الأيام بما يعادل مليون جواز سفر مصادر أو موقوف، أي أنهم يعيشون حالة منع من السفر، رغم التشدق بالديمقراطية وغيرها من المقولات الفضفاضة التافهة في أغلب الأحيان. بينما نشهد رغم قلة الولادات زيادة عالية بين اللوبيات والتجمعات اليهودية في أوروبا، خاصة في فرنسا والولايات المتحدة، وهذه الزيادة لا تتوافق مع الشكل الطبيعي قياساً بحجم الولادات والوفيات، لأنها تأتي بكل تأكيد من الهجرة المعاكسة، التي تعيشها اسرائيل على الدوام باتجاه الغرب. أي بكلام آخر أن يهود العالم لم يتجهوا حسب ما كانوا يعتقدون استناداً إلى معاداة اليهود المفتعلة في العالم، إلى فلسطين إلا في الفترة بين عامي 1930 و1940 حينما كانت كل الأبواب الأخرى موصدة دونهم. أما في الفترة من عام 1950 إلى عام 1960، فقد هاجر يهود البلاد العربية في ظل ظروف خاصة لا علاقة لها بعداء اليهود ولكنها ناجمة بالدرجة الأولى عن التوتر مع اسرائيل. وهنا يمكننا ايراد الأسباب الحقيقية الكامنة وراء ما يسمى بالهجرة المعاكسة من اسرائيل إلى الخارج، بما يلي: أولا : إن الصهيونية وبعدها ما يسمى بدولة اسرائيل رغم ما قدمته، لم تشكل النموذج لذلك جاء الرفض اليهودي المعبر عن الكثير من الجماعات اليهودية، خاصة الأرثوذكسية والإصلاحية، التي نادت بأن اليهود شعب بالمعنى الديني وحسب وليس بالمعنى العرقي كما يتصور الصهاينة. وهؤلاء على سبيل المثال يرفضون الهجرة إلى اسرائيل «وطنهم القومي» الوهمي ،وهم قد يقبلون الصهيونية شكلاً لكنهم يرفضونها فعلاً وعملاً، فيهود الولايات المتحدة على سبيل المثال يهتمون بموروثهم الأمريكي اليهودي ويتعلمون اللغة الإنجليزية ويضعون مؤلفاتهم الدينية والدنيوية بها، كما أنهم لا يدرسون العبرية إلا في مراكز خاصة لدراسة اليهودية. ولعل يهود الاتحاد السوفييتي الذين هاجروا بسبب الفقر والفاقة التي حلت بالاتحاد لا يقلون عن اليهود الأمريكان تمترساً خلف تراثهم رغم وصولهم إلى اسرائيل، وهذا ما عبر عنه البروفيسور اليعزر نشم من الجامعة العبرية ،والبروفيسور ماجد الحاج من جامعة حيفا، ولصالح مركز التعددية الثقافية والدراسات التربوية في جامعة حيفا، جاء في البحث بأن المواقف، والأنماط السلوكية للمهاجرين الروس نحو اسرائيل تثبت أنهم مجموعة عرقية مترابطة، ومنغلقة ،وهوية متبلورة داخل الهوية الإسرائيلية، وتنظر للمجتمع الإسرائيلي نظرة استعلائية، وتتعامل مع العرب بأكثر من الازدراء والاستهتار. ويهدف البحث الذي اعد بعد عشر سنوات من بداية موجة الهجرة الأخيرة من دول الاتحاد السوفييتي السابق، إلى دراسة الأبعاد متعددة الجوانب لعملية دمج المهاجرين في المجتمع الإسرائيلي، ومدى تأثيرهم الحالي، والمستقبلي على الثقافة السياسية والاجتماعية، وامكانية مساهمتهم في دعم مجتمع مدني متعدد الثقافات. وكشف البحث أن الروس يتميزون بنزعة عرقية روسية عميقة الجذور، وبأنماط، ومواقف تختزن العقائد، والعادات والتقاليد، التي أثرت على المجموعة خلال العهد السوفييتي، فهم متمسكون بالاستمرارية الثقافية، والحضارية، والحفاظ على الأطر الفردية والجماعية، والتنظيمية العرقية. لهذه الأسباب، غالباً ما يتوق المهاجرون الروس إلى التخلص من اسرائيل باتجاه الولايات المتحدة، وهم لا يقيمون شأناً لبقائهم في اسرائيل، إلا بقدر الفائدة التي يجنوها من هذه البلد ،مع العلم أن نسبة اليهود من المهاجرين الروس لا يتجاوزون 49% من المجموع العام الذي قدم إلى اسرائيل منذ بداية التسعينيات من القرن الماضي أي منذ بداية 1991م، والباقي من معتنقي الديانة المسيحية، الذين لا تربطهم ولا تشكل لهم إسرائيل، سوى محطة مؤقتة، لينتقلوا بعد ذلك إلى أوروبا الغربية وأمريكا. ثانياً: ان التمييز العرقي والطبقي، كان ولا يزال أحد الأسباب المهمة للهجرة المعاكسة، التي تشهدها اسرائيل بين الفينة والأخرى، فرغم البهجة الكبيرة والإتقان فائق الجودة، الذي قامت به اسرائيل لإحضار اليهود الفلاشا والذين قدر عددهم بنحو 15400، والتي سميت آنذاك بعملية سليمان في منتصف العام 1991، واجه هؤلاء اليهود جملة من المصاعب،التي لا تقل كثيراً عن المصاعب التي كانوا يواجهونها في وطنهم الام، وأن البهجة بوصولهم لم تخف تماماً وحتى هذه اللحظة، المشاكل الهائلة التي رافقت عملية استيعابهم، لجهة الرعاية الصحية، أو تأمين المساكن الملائمة، أو التحقق من «يهوديتهم» حسب قواعد الشريعة اليهودية، أو التغلب على الأزمات الاجتماعية التي تواجههم، أو استيعابهم في النظام التعليمي، أو إيجاد فرص العمل المناسبة لهم، خاصة وأن غالبيتهم تفتقر إلى الحد الأدنى من التعليم، أو التدريب المهني. فحتى هؤلاء بدأوا يشعرون بعبوديتهم من قبل العنصر اليهودي الأبيض، لدرجة أن جزءا من هؤلاء بدأ يشعر بحاجته إلى الهجرة إلى بعض الدول الأوروبية والولايات المتحدة، رغم قلة توفر أرقام أعداد الذين هاجروا منهم بسبب التعتيم المتعمد من قبل السلطات الإسرائيلية. ولعل مظاهرات القدس قبل سنتين أو أكثر ليهود الفلاشا تؤكد مدى انفصالهم عن هذا المجتمع، فحتى دمهم رفض في بنوك الدم الإسرائيلية، باعتبارهم عبيد من جهة، وليسوا يهوداً من جهة ثانية. ثالثاً: والاهم ما في الأمر، أن حالة استقرار الاستيطان بالنظر إلى التعدد العرقي والقومي، والتفاوت الطبقي، يحتاج بكل تأكيد إلى إرساء حالة دائمة من الأمن والاستقرار، عجزت المؤسسة الأمنية والعسكرية عن تأمينها بالمطلق، بعد 53 عاماً، وبدلاً من تهويد الأرض وتغييب السكان، بدأنا نشهد حالة من التنامي في صفوف السكان الأصليين أصحاب الأرض، ليعيدوا الاعتبار من جديد أنه لا مكان للاستقرار والأمن طالما بقيت اسرائيل مصرة على الإمعان في سياستها الهادفة إلى تهويد الأرض وتغييب السكان. وأن الانتفاضة الكبرى والصراع في جنوب لبنان بكل ما حمله من نتائج إيجابية، وانتفاضة الأقصى كعوامل وحوامل صراعية أتت بمجموعها لتؤكد من جديد بأنه ليس من مكان يذكر للأمن والاستقرار، لذلك نشهد اليوم حالة من التململ داخل الكتل الاستيطانية، والتي عبر عنها بهجرات متلاحقة، اضطرت الحكومة الإسرائيلية ووزارة الخارجية لوقف إصدارات جوازات السفر الإسرائيلية، خاصة للكتل التي تعاني من الاضطهاد العرقي والطبقي كالروس والفلاشا، وحتى بعض اليهود من الذين ولدوا في اسرائيل. وختماً يمكننا القول، ان المؤسسة السلطوية الإسرائيلية تعيش حالة من الذعر، الذي لم تشهد مثيله إلا في العام 1973، وأنها بدأت تشعر من خلال الهجرة المعاكسة التي تعيشها بأن مشروعها الاستيطاني، إذا ما بقي الصراع بهذه الطريقة، سيشل، لتدخل بعدها اسرائيل بأهدافها وأطماعها ومستقبلها في عالم المجهول، لدرجة قد تصل فيها إلى مرحلة تعبر عن عصابة استيطانية لا تمتلك شروط بناء المجتمع. لكن السؤال هل يستوعب العرب والفلسطينيون، هذه الحقيقة بديمومة دعمهم للانتفاضة بكل الوسائل من أجل وضع اسرائيل في الزاوية الحادة؟ أم أنهم سيبقون يروجون لها على أنها الدولة الأنموذج، والمثل الذي يحتذى بالديمقراطية في المنطقة؟ بقلم: عبد الكريم محمد ـ كاتب فلسطيني