النزوح اليهودي، هربا أو هجرة ليس ظاهرة جديدة، لكن المثير للإنتباه في الموجة الراهنة، أنها تأتي محملة بدلالات استراتيجية غاية في الخطورة، وغير مسبوقة في عمقها، تصب محصلتها الأخيرة في خانة الفشل التاريخي للمشروع الصهيوني - بعد زلزلة وتعرية شرعية المزعومة وتمثل في جوهرها مع التنامي المتوقع لمعدلات الهروب وفي ظل تصاعد الإنتفاضة بدأ العد العكسي للمشروع، بعد أن لامس منحناه الصاعد أقصى نقطة يمكن تحقيقها، من ثم وبعيدا عن التمني أو تحميل الأمور فوق ما تحتمل فإن التعاطي مع الظاهرة في طورها الراهن يجب أن يكون من منظور مختلف، أي بإعتبارها أحد المؤشرات على وصول المشروع الصهيوني برمته إلى خط بداية النهاية! لقد احتلت الهجرة أو بدقة أكثر التهجير منزلة متميزة في فكر الحركة الصهيونية، من زاوية كونها عنصر التأمين المركزي للأساس البشري للمشروع الذي لم تكن مهمته التاريخية مجرد إقامة دولة، ولكن جمع الشتات (جميع يهود العالم)، تحت راية الدولة العبرية، ولم تكن هذه المهمة في أي لحظة محل مراجعة، لأن ذلك يعني ببساطة ضرب ركيزة أساسية يقوم عليها البنيان الأيديولوجي للمشروع، فالصهيونية لم تكن أيديولوجية إنشاء دولة عبرية، فحسب، لكنها كانت قبل ذلك وبعده القوة الدافعة نظريا وحركيا لتبرير الهجرة اليهودية إلى فلسطين. العد التنازلي في إطار هذه الرؤية، وانعكاساتها العملية، فإن تراجع معدلات الهجرة، أو تزايد معدلات الهجرة المعاكسة، أو بدقة أكثر عندما تفوق الهجرة من إسرائيل، الهجرة إليها، فإن صافي ميزان الهجرة يكون سالبا ،ويدعو الوصول إلى تلك المرحلة لإضاءة كل الإشارات الضوئية الحمراء، لإثارة الإنتباه، بل وإشعال الفزع في القلوب والعقول والأجهزة، استنفارا لمواجهة نزيف القوة البشرية، الذي يقود إلى توجيه ضربة قاسمة في عمق المشروع الصهيوني، ويهدد أي رهان على ما يتعلق ليس باستقراره فقط، ولكن بإزدهار واستكمال خطواته وخططه المستقبلية لأن المشروع يعتمد في أساسه البشري على المهاجرين، وليس على الزيادة الطبيعية في السكان الناتجة عن معدلات المواليد، من ثم فإن (تآكل) هذا الأساس، خاصة مع إنخفاض نسبة المواليد، يعني على الأرض أن العد التنازلي للدولة العبرية قد بدأ. يؤكد ذلك دلالات استراتيجية عديدة منها: أولا: إنه إذا كان ثمة أولوية لنمو القوة الذاتية لطرفي الصراع العربي ـ الصهيوني كمدد أساسي لمسار الصراع، فإن نمو قوة الدولة العبرية تظل مقيدة كميا في ظل الاعتماد على عنصر الهجرة، والحد من الهجرة المعاكسة، بينما يعتمد العرب على الزيادة الطبيعية (خاصة بالنسبة للفلسطينيين). بينما يمكن الرهان على تحويل (الكم) العربي إلى (كيف)، فإن التطور النوعي الذي تعتمد عليه الدولة العبرية يظل مرهونا بضمان تدفق الهجرة في شرايين الكيان الصهيوني، ثم يأتي الحديث تاليا عن مسألة (الكيف)، لأن النمو الكمي يظل المتغير الحاكم لعملية تنمية عوامل القوة الأخرى. ثانيا: يتحول الحديث عن (القنبلة الديموجرافية الفلسطينية من مجرد أمان عربية، أو هواجس إسرائيلية، إلى حقيقة ومصدر فعلي للقلق من جانب القائمين على المشروع الصهيوني، لأن (الطابع اليهودي للدولة) يصبح مهددا في ظل تفوق معدلات الاخصاب الفلسطينية (بين أعلى المعدلات عالميا إن لم تكن أعلاها) أي أن الانكماش اليهودي سوف يقابل من الآن فصاعدا بتمدد فلسطيني، ومن ثم فإن صراع (الوجود) لا ( الحدود) ينتقل إلى قلب الدولة العبرية وليس على اطرافها. ثالثا: إن الهجرة المعاكسة المتفاقمة تصبح استنزافا يوميا للقوة البشرية اليهودية (وقود المشروع الصهيوني) يقود إلى تفكيك أسس ومصادر قوة الدولة العبرية، ويدخل مشروعيته في دائرة الأزمة، لأن إنصراف اليهود عن المشروع ـ الكيان يعني أن الشعب اليهودي كقومية أمر لا وجود له، ويكشف بجلاء أن الأصل في المشروع المزاعم الدينية، والأساطير التي تعتمد على الخيال أكثر من الدلائل المادية والتاريخية. رابعا: فضحت عمليات النزوح المتوالية تفاقم أزمة الكيان الصهيوني، باعتبار أن إتخاذ قرار بالهجرة من (الدولة ـ الحلم) كما تم تسويق الكيان الصهيوني، وفي توقيت غير مواكب لحالة حرب معلنة، أو هزيمة على إحدى الجبهات، إنما يعني أن الإنتفاضة استطاعت بالفعل أن ترسخ الشعور بالخطر في نفوس النازحين، حتى أن الهجرة بعيدا عن (أرض الميعاد) أصبحت الخيار الوحيد للحفاظ على حياة اليهودي! هشاشة فكرة الوطن! خامسا: إذا كان البحث عن الأمن في مقدمة الدوافع الداعية للهجرة المعاكسة، وحينما يجد المهاجر سواء (المولود في إسرائيل، أو المجلوب إليها) أن الهجرة هي الحل الوحيد فإن شرعية الحلم الذي فتح عينه عليه، أو دفع للهجرة من وطنه الأصلي لأجله تصبح في مهب الريح، لأن إيمانه بشرعية الكيان الذي ينتمي إليه كانت تكفي لاستمراره والتصدي دفاعا عنه وليس الهرب منه في لحظة مصيرية، من ثم فإن الهجرة المعاكسة في هذا التوقيت إنما تترجم (هشاشة) فكرة الوطن وأكذوبة الأمن التي روجت لها طويلا الآلة الدعائية الصهيونية، هكذا فإن الأزمة السكانية العميقة تتجاوز في الدولة العبرية حدود (الديموجرافيا) لتتقاطع مع (الايديولوجيا). سادسا: تمثل الهجرة المعاكسة أخطر نتائج فشل سياسة الاستيعاب الإسرائيلية الرسمية، فإذا كانت تلك السياسة تستهدف دمج المهاجر، وتحويل جماعات متنافرة إلى مجموعة متجانسة، وخلق ولاء حقيقي، فإن (الخروج اليهودي) على النحو الراهن، إنما يعكس معارضة واضحة لأهداف هذه السياسة، وعدم فعاليتها، حتى على مستوى دمج (جيل الصابرا) المولودين في إسرائيل وقدامى المهاجرين، مما يعني تآكل القيم الصهيونية، والفشل هنا مزدوج، لأنه لا يؤدي فقط إلى نزوح المهاجرين، ولكن أيضا إمتناع الآخرين على التوجه إلى الدولة العبرية ،وزيادة نسبة (التساقط) أي تسرب أعداد من المهاجرين خلال الرحلة من بدايتها إلى محطة الوصول ،وبالتالي الهجرة لدول أخرى! سابعا: لم تستثن الهجرة المعاكسة فئة من اليهود تبعا للمنشأ أو الميلاد، لكن الأخطر من ذلك عند قراءة ملامح الموجات الأخيرة للنزوح أنه يتبني زيادة أعداد النازحين في سن الشباب، بل إن معدل النازحين من أبناء الكيبوتسات في تزايد، كما أن كثيرا من النازحين يعملون في مجالات تخصص رفيعة، وإذا كان قرار الهجرة يتطلب قدرة مالية، فإن ذلك يعني أن النازحين يمثلون نسبة أعلى من متوسط المجتمع: دراسيا، مهنيا، ماليا، وأيضا ينتمون إلى الفئات العمرية الشابة أو الوسطية، بل إن بينهم ضباطا وخبراء عسكريين!! الدائرة المفضلة أن الدلالات السابقة تؤكد أن الجانب الديموجرافي لأزمة المشروع الصهيوني ضمن أزمة متعددة الجوانب يتفاقم بتعاظم معدلات الهجرة المعاكسة، لأنها ـ أيضا ليست الوجه الوحيد لهذا الجانب، فالأزمة في جانبها الديموجرافي تشمل إلى جانب الهجرة المعاكسة: التساقط كما سبق أن أشرنا وقلة الإنجاب، وإرتفاع معدل الطلاق، وتفسخ الأسرة، وإرتفاع نسبة من هم في سن الشيخوخة، مما زاد نسبة الوفيات، فإذا أضفنا إلى ذلك الإتجاه الملحوظ قلة عدد اليهود على المستوى العالمي، فإن الدائرة تكون قد اكتملت! فمنذ كانت الحركة الصهيونية في طورها الجنيني وهي تعاني من أزمة سكانية تهددها استراتيجيا، كمشروع استعماري إحلالي يتجه مؤشر البوصلة دائما بإتجاه المادة الخام البشرية اللازمة للحرب واستعمار الارض، من ثم فإن اشكالية التكيف داخل الكيان العبري تصبح مسألة حياة أو موت، من ثم فإن تنامي قوى الطرد المحفزه على النزوح يعني أنه بعد أكثر من نصف قرن فإن عملية التكيف والإندماج لم تؤت ثمارها المرجوة، كما خططت لذلك الحكومات المتعاقبة، رغم كل الدعم الذي قدمته المنظمات الصهيونية العالمية، والولايات المتحدة الأمريكية، وبالتالي فإن ملامح المشروع الصهيوني المستقبلية بشريا تتلخص في إستمرار الصهاينة المتزمتين أو من لا يملك بحكم عدم تأهيله خيار آخر خارج الدولة العبرية، ممايفاقم من حجم المشاكل التي تواجهها الحكومات، وتهدد بتفجر الدولة العبرية من داخلها، ربما في مدى زمني غير متوقع بالنسبة لكثيرين، لاسيما مع توالي الإنهيارات الاجتماعية في البنية الهشة للمجتمع الإسرائيلي، الذي يفقد بإستمرار قوة الجذب التي تتمتع بها في مراحل سابقة. تجدر الإشارة في هذا السياق - إلى أن أحد جوانب مشكلة الهجرة المعاكسة فضلا عن كونها دعاية مضادة لما تروجه الآلة الصهيونية حول البريق الزائف لمشروعها، أن ثمة عاملا يدعم هذه النتيجة، يتمثل في عمليات الإندماج الحادثة لكثير من الجيوب اليهودية في الدول التي ينتمون إليها في ظل قبول إجتماعي وإعلامي يقلل من عناصر الطرد الداعية للتفكير في مغادرة أي يهودي لوطنه الاصلي إلى الكيان العبري، أي أنه مقابل عناصر الطرد التي تدفع اليهود للهروب من هذا الكيان الذي كان يمثل حلما في وقت مضى، فإن اسباب استقرار اليهود حيث هم تتزايد، مما يشكل عمليا نضوبا لمصادر الطاقة البشرية التي كان يمكن الرهان عليها لتعويض نزيف الهجرة المعاكسة أي أنه مقابل غياب فعلي متوقع في مدى زمني غير بعيد للـ (دياسبورا اليهودية )، فإن ثمة دياسبورا (إسرائيلية) تتخلق! لاشك أن ظاهرة الهجرة المعاكسة قديمة، ويمكن رصدها وإن كانت على استحياء منذ إعلان الكيان العبري، إلا أنه وعقب حرب أكتوبر، وباستثناء العملية واسعة النطاق لتهجير اليهود السوفييت في مطلع الثمانينيات، فإن المنحنى قد قفز بشكل واضح ثم بمعدلات متسارعة مع تصاعد الإنتفاضة الفلسطينية، وتفشي الاحباط والاكتئاب بين فئات عمرية كثيرة أصبحت نظرتها للمستقبل شديدة التشاؤم، بل أن قطاعات شبابية أصيبت بحالة (العجز المكتسب) مما دعاهم للتهافت على المهدئات ومضادات الاكتئاب وزيادة معدل التردد على العيادات النفسية، وتضاعف جمعيات المساعدة النفسية، ونقلت صحيفة (هآرتس) العبرية نقلا عن بعض الشباب أنهم عثروا داخل فصولهم الدراسية على منشورات كتب فيها ( الحرب بسببكم)! ما رسخ في وجدانهم اعتقادا بأن الأمور لن تتغير. هكذا، فإن دعم الإنتفاضة، وتصعيدها، وتطوير آلياتها حتى تظل الأوضاع غير مستقرة في الأرض المحتلة يعني منطقيا تزايد معدلات الهجرة المعاكسة، وبالتالي تكثيف عناصر الجدل حول قوة الدولة العبرية في المستقبل فيما يتعلق بتأثير التوازن الديموجرافي على معادلة القوة الشاملة في ديالكتيك الصراع العربي ـ الصهيوني، إذ أن كل مهاجر إلى إسرائيل هو في حقيقته يهودي جاء ليشارك في الإنتاج أو القتال أو الاستيطان، بينما كل نازح يتم خصمه من معادلة القوة الشاملة العبرية أن التعاطي مع ظاهرة الهجرة اليهودية المعاكسة وفق هذا المنظور، إنما يرتب على العرب والفلسطينيين تعظيم العوامل الدافعة لزيادة معدلات النزوح اليهودي، وتظل الإنتفاضة على قمة الأسباب التي تهز أساسيات المشروع الصهيوني من جذوره، وربما كان إنتباه شيمون بيريز لتلك الحقيقة هو دافعة لأن يصف الوضع داخل الكيان العبري بأنه (الأسوأ منذ قيام إسرائيل)! وإذا كانت السلطات الإسرائيلية قد وضعت يدها على عشرات وربما مئات من وثائق السفر أو رفضت تجديدها فإن السؤال الضروري يصبح: كم يكون عدد النازحين إذا فتحت حكومة الكيان العبري أبواب الهجرة أمام من يرغب في مغادرة ذلك الكيان؟ وكم يبقى من الشباب القادر على القتال والاستيطان والإنتاج؟ بقلم: علاء عبد الوهاب ـ كاتب مصري