بعد أن ظلت السلطات الإسرائيلية، لأعوام طويلة تنظم حملات الهجرة اليهودية من شتى بقاع العالم إلى داخل «أرض الميعاد».. ها هي اليوم تواجه أزمة الهجرة المضادة من «الوطن الأم» إلى شتى بقاع العالم، بعد أن اشتدت وطأة العمليات الفدائية والاستشهادية التي قام بها شبان فلسطينيون ضد أهداف بشرية في عمق الشارع الاسرائيلي. وقد بات مؤكدا ان هذه العمليات ستظل قيد التنفيذ طالما ظل الاحتلال الاسرائيلي للأراضي الفلسطينية قائما، وطالما ظلت سياسة الاستيطان مستمرة، وطالما استمرت حملات القمع والابادة التي يمارسها ارييل شارون ضد الشعب الفلسطيني وسلطته الوطنية. وبرغم ان الرئيس الفلسطيني قد أعلن وقف اطلاق النار تحت ضغوط أمريكية وأوروبية هائلة، إلا ان الدكتور عبدالعزيز الرنتيسي ـ أحد قادة حركة حماس ـ قد أكد انه «لا يوجد شيء اسمه اطلاق نار، هناك مقاومة من أجل كنس الاحتلال، وهذه المقاومة تستخدم أساليبها لتحرير فلسطين، ولن تتوقف إذا لم تتحرر فلسطين». أي ان حركتي حماس والجهاد الإسلامي قد تعيدان النظر في موقفهما من وقف اطلاق النار إذا لم تسفر عنه حلول تضمن للشعب الفلسطيني نيل حقوقه المشروعة في التحرير من نير الاحتلال. والحقيقة المؤكدة في هذا المشهد ان المفاهيم السياسية والعسكرية لايرييل شارون تتنافى كليا مع كل معاني السلام، بل وتتعارض مع امكانية اعادة المفاوضات بين الطرفين للتوصل إلى حلول مناسبة، خصوصا انه يرفض حتى الآن الالتزام بتوصيات لجنة ميتشيل، بل انه ومنذ اعلان وقف اطلاق النار سقط بنيران شارون عشرين قتيلا و480 جريحا، عدا ان عمليات التوغل الاسرائيلي في عمق الأراضي الخاضعة للسلطة الوطنية الفلسطينية مازالت مستمرة، إلى جانب استمرار أعمال الاستيطان. ويحدث هذا في الوقت الذي يزداد الضغط الأمريكي والأوروبي على عرفات وسلطته إلى الحد الذي دفع مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية جورج تينيت إلى المطالبة باعتقال ناشطي حركتي حماس والجهاد الإسلامي، وهو الأمر الذي لو تم لأحدث شقا هائلا في الجسم الوطني الفلسطيني لن يكون بالمستطاع ترميمه في الأمد القريب، وسيكون أغلى هدية تقدم لاسرائيل بصناعة فلسطينية. إن استمرار الانتفاضة هو الضمانة الوحيدة لاجبار الشارع الاسرائيلي للضغط على حكومته كي تضطر للقبول بمبدأ المفاوضات طريقا للوصول إلى حلول ناجعة للقضية الفلسطينية التي تعني بالمقابل أمانا وضمانا للشعب الاسرائيلي نفسه الذي يحتاج للأمن والاستقرار قبل غيره. حسن عبدالوارث