لقد أدت صلابة المقاومة الفلسطينية وصمودها أمام اعمال عنف الآلة العسكرية الاسرائيلية الى دهشة ساسة الدولة العبرية بكل توجهاتهم اليسارية واليمينية وما يصفها البعض «بالاعتدال» وغيرت مفهوم وفعالية نظرية القهر والظلم الابدي لقوات الاحتلال، ونجحت المقاومة في ترسيخ رسالة مؤداها ان الشعب الفلسطيني لا يمكن القضاء عليه، كما دفعت استمرارية الانتفاضة ـ رغم استشهاد الرضع والشباب والنساء ـ الى خلخلة وهز صفوف المجتمع الاسرائيلي من الداخل، وحققت العمليات الاستشهادية اهم اهدافها في هدم اسطورة الأمن داخل اسرائيل، وكان لذلك عدد من النتائج والافرازات الاجتماعية الاسرائيلية منها ظهور مؤشرات لوجود رغبة في هجرة مضادة لخارج الدولة العبرية. حول هذه الظاهرة يستكشف «الملف» في هولندا ابعاد عملية الهروب اليهودي من اسرائيل في حوار مع «فينيسنت دي لانجا» خبير الشئون الاجتماعية الاسرائيلية: ـ تردد مؤخرا معلومات عن وجود هجرة مضادة من اسرائيل بسبب الانتفاضة الفلسطينية والعمليات الاستشهادية بداخلها، فما هي الخلفيات الحقيقية وراء ذلك؟ ـ لا ننكر ان الانتفاضة والعمليات الانتحارية داخل اسرائيل سببا فزعا شديدا للمجتمع الاسرائيلي، ادى لسرعة تنامي رغبة شرائح مختلفة من الشعب الاسرائيلي للهروب وهي على النحو التالي: ـ نسبة كبيرة من كبار السن بالدرجة الاولى يهربون من اسرائيل بحثا عن الامان في امريكا او الدول الاوروبية، وهذا رد فعل انساني طبيعي جدا، ينتج عن الشعور بالخوف، اضافة لان بعضهم عاصر في طفولته آثار الحرب العالمية الثانية على اليهود في اوروبا. ـ يأتي بعد ذلك نسبة من الشباب ممن لهم طموحات مستقبلية اكتشفوا قبل تفجر الانتفاضة الثانية صعوبة تحقيقها في اسرائيل، ثم ارتفعت رغبتهم في البحث عن ارض اخرى لتحقيق احلامهم، معظم هؤلاء الشباب لهم توجهات يسارية، وليس لهم انتماء قوي للديانة اليهودية، او اسرائيل كدولة مكتملة الاركان، اضافة لعدم ثقتهم في قدرة حكومة شارون على توفير الأمن لهم في هذه المرحلة بالذات، بعد ثبوت قدرة الفلسطينيين على اختراق الجبهة الداخلية. ـ ثم تأتي شريحة المرأة التي تمثل الأمهات ممن يخفن على حياة ومستقبل اولادهن وما فندته في النقاط الثلاث يدخل في اطار سيكولوجي بالدرجة الاولى، وتعلو وتهبط درجات الرغبة في الهجرة وفقا للمتغيرات الأمنية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية. ـ ما هي تفاصيل هذه المتغيرات؟ ـ هذه التفاصيل تحتاج لاكثر من كتاب، لانها متشابكة وكثيرة، لكن بإيجار شديد اقول: الناحية الأمنية تلعب دوراً خطيراً للغاية في نفوس المجتمع الاسرائيلي، فهو يشعر بالتهديد المستمر ،ليس لان جيرانه العرب في حالة استعداد لشن حرب عليه، او في حالة عسكرية تمكنهم من خوض معركة يتحقق من وراءها هزيمة لاسرائيل، لكن بالدرجة الاولى يسود شعور عام وتأكيدات بأن كل الدول المحيطة باسرائيل شعوبا وحكومات غير راضية عن الوجود الاسرائيلي، وقد تظهر او تتوارى عملية رفض العرب لاسرائيل في المنطقة تبعا للظروف السياسية، لكنها لا تغير من الواقع وكل الطوائف السياسية الاسرائيلية سواء من الحكم او خارجه تعرف ذلك جيدا، وهذا هو حاجز نفسي لم يعبره المجتمع الاسرائيلي، شأنه مثل العرب مع اختلاف الاسباب، ومن نتيجة ذلك الطبيعية فقدان الثقة والمصداقية بين الرسميين من الجانبين، وهما يتعاملان بلغة ظاهرية دبلوماسية والجميع يعرف ان حسم الصراع العربي الاسرائيلي نهائيا لن يتم باتفاقية سلام، ولنا في الشعب المصري تجربة، فعلى الرغم من توقيع اتفاقية كامب ديفيد وعودة سيناء لمصر ونهاية الحرب، إلا ان غالبية الشارع المصري لم تقبل باسرائيل، ولا ننسى خسائر اسرائيل على الجبهة اللبنانية في الجنوب، وسقوط جنود وضباط في معارك جعلت الشارع الاسرائيلي يعيش في رعب شبه مستمر. على الصعيد الاقتصادي تفتقر اسرائيل لوجود تعاون وتبادل تجاري مع جيرانها، نعم يوجد تعاون محدود مع بعض البلاد العربية، لكنه دائما مهدد بالتجميد والانهيار، مما يجعل عملية الاستقرار الاقتصادي غائبة. اما الوضع السياسي داخل اسرائيل فهو متقلب ويتجاذب اطرافه «اليمين المتطرف، وهم في حالة انقسام حيث تتباين مواقف اليهود الارثوذكس مع رجالات السياسة» مع حزب العمل ومختلف الطوائف اليسارية، اضافة لكثرة وتنوع التوجهات السياسية الواردة، تلك التي حملها المهاجرين معهم لداخل اسرائيل. في ظل ما تقدم نجد ايضا ان التفرقة العنصرية تضرب في اوصال المجتمع الاسرائيلي بالداخل حيث الخلافات بين يهود الشرق والغرب، السفرديم والاشكناز وغيرهم، وهذا يجعل الحالة الاجتماعية مهلهلة ومهددة بالانهيار، ولولا وجود اسرائيل في حالة من الصراع مع الفلسطينيين او غيرهم من العرب لكان الشعب الاسرائيلي يتفجر من الداخل، فالذي يجمعه ويوحد صفوفه مؤقتا، هو وجود عدو له، وهو الوتر السياسي الذي يلعب عليه شارون. ـ يصلني انطباع من اجاباتك بأن عملية الهجرة المضادة من اسرائيل مؤقتة وغير مهمة لا تشكل وزنا استراتيجيا، لكن توجد معلومات انه حتى داخل اسرائيل مستوطنة «دوغيت» شمال غزة شبه خالية من سكانها بسبب الانتفاضة، فهل الظاهرة فعلا بهذه البساطة وتدخل تحت تصنيف الحدث العرضي؟! ـ أولا افراغ المستوطنة التي تتحدث عنها من السكان هي عملية وقائية، تقف وراءها الحكومة الاسرائيلية، حتى لا تعطي الفرصة لمزيد من النجاحات للمقاومة الفلسطينية، واسقاطها لقتلى اسرائيليين حتى يسود مزيد من الرعب، ثانيا مستوطنة «دوغيت» قريبة من مناطق الحكم الذاتي الفلسطينية، ثالثا ليس من صواب التقييم تفسير هذه الحالة على انها ظاهرة هروب، على الرغم انني اوضحت لك، وشرحت حقيقة وجود الخوف داخل المجتمع الاسرائيلي، ووجود رغبة في الهجرة المضادة لكنني في ذات الوقت اضع الامور في نصابها الموضوعي فقط. ـ هل لديكم فكرة عن احصائيات محددة أو نسب مئوية عن اعداد الراغبين في الهجرة خارج اسرائيل؟ ـ توجد ارقام مصدرها مركز الاحصائيات الاسرائيلي، لكن مصداقيتها محل شكوك نظراً لان السياسة تتدخل فيها، ومن ناحية ثانية الحكومة الاسرائيلية تلعب بورقة الهجرة المضادة، وتستخدمها للحصول على اموال وتبرعات واعانات من امريكا وأوروبا، ويجب ألا ننسى بأن عملية الهجرة المضادة مؤقتة، ومن ناحية ثانية انبه للخطأ الذي تقع فيه بعض الدول العربية التي تضخم من الظواهر الاسرائيلية، تعبيرا منهم عن رغبة عربية خالصة في حدوث اشياء داخل اسرائيل، وغالبا ما يكون ذلك وهما او تضليلا اساسه الاعلام الاسرائيلي، الذي يساند حكومته حتى لو ادعت بعض وسائل الاعلام بالاعتدال، او مساندة الشعب الفلسطيني في الحصول على حقوقه المشروعة، ولو افترضنا صدق المصادر الاسرائيلية، في انه «على سبيل المثال» يغادر اسرائيل سنويا حوالي 10 آلاف هربا من الخطر، ولو صدقنا انه مؤخرا هرب حوالي 28 الف مواطن للخارج فلنتساءل معا: كم عدد القادمين لاسرائيل سنويا؟.... اي ان كان عدد المهاجرين لخارج الدولة العبرية فإن اعداد المهاجرين اليها ان لم يتفوق على الهجرة المضادة فهو اكيد يتطابق. ـ وماذا عن عزوف الامريكان اليهود مؤخرا عن زيارة اسرائيل؟ ـ من الطبيعي جدا انه حينما تكون منطقة ما في العالم في حالة من الحرب وعدم الاستقرار، لا تشكل مكان جذب لزوار من اي جنسية او اي مكان، وهنا لا فرق بين نوعيتهم سواء من الانصار والاصدقاء، او حتى من الاعداء المسألة تدخل في اطار السياحة، فمثلا يزور مصر سواح من اسرائيل وهم من غير الاصدقاء للشعب المصري، وحينما يحدث حادث ما في مصر ينصرف السواح والزائرون حتى تستقر الاوضاع، وتصبح الحالة آمنة، وهذا هو الوضع بالنسبة لاسرائيل، واذكر هنا ان الآلة الاعلامية الاسرائيلية واعوانها في اوروبا وامريكا قادرة على احتواء مثل هذه الظروف في أول فرصة وسترى بنفسك انه فور توقف اطلاق النار فعلا والتزام الفلسطينيين بانهاء العمليات الاستشهادية ستعود بسرعة افواج الزوار اليهود الامريكان بصفة خاصة لاسرائيل. أجرى الحوار في لاهاي: د. سعيد السبكي