امتزج حلم اليهودي بالهجرة إلى فلسطين، بحلمه في حياة أفضل دينيا واجتماعيا واقتصاديا، وبتطلعه للإنعتاق من حياة (الجيتو) منعزلا عن المجتمع، مبتعدا عن الآخرين الرافضين لأساليب حياة اليهود وسلوكهم وغطرستهم وتعاليهم واحساسهم بالتميز وطمعهم ورغبتهم في الإنعزال. وظل اليهودي يحلم بجبل صهيون، والمشي في طرقات أورشليم، إلى أن بدأت موجات الهجرة الأولى قبل نهاية القرن التاسع عشر، وبهذه الموجات حول بعض اليهود حلمهم إلى حقيقة. وبعد مؤتمر بازل عام 1897 الذي اقر مشروع إنشاء دولة يهودية، تحولت الهجرة اليهودية إلى مشروع سياسي، ارتبط منذ البداية بالعمل على اغتصاب أرض فلسطين، والسعي لتفريغ الأرض من أصحابها. وكان منطقيا أن يقاوم الفلسطيني من أتى لاغتصاب أرضه وزعزعة استقراره وتهديد أمنه. وبدأ الصراع حتى قبل ميلاد الدولة اليهودية عام 1948، ولم يتوقف نزيف الدم منذ عرف الصراع طريقه إلى المنطقة. وخلال هذه العقود، حقق الإسرائيلي إنتصارات عسكرية وسياسية واقتصادية وعلمية، اسهمت في حماية دولته، ودعمت وجودها، لكنه ذاق أيضا الكثير من الهزائم وظل اليهودي ينزف الدم تحت رايات الإنتصار والإنكسار. وعندما تبين اليهودي أن الإنتصار العسكري لا يحمل الجنسية الإسرائيلية فقط، بل له وجوه عربية أيضا، قرر أن يخوض تجربة السلام، إلا أنه افتقد الشجاعة لمواصلة هذا الطريق. ومع بدء مسيرة السلام عام 1977، تصور اليهودي أن الطريق إلى حلمه في حياة أفضل يمكن الوصول إليه وتذوق ثماره التي حرم منها منذ أعطى للهجرة اليهودية وجها سياسيا بإقامة إسرائيل. ومن جديد يتبدد الحلم اليهودي وتتحول حياته إلى خليط من القلق والفزع والخوف والإضطراب وافتقاد الأمن والاستقرار. وعن هذه الحالة قال الرئيس الإسرائيلي موشيه كتاسف أن الوضع الأمني للدولة العبرية يشبه أيام حرب أكتوبر 1973، أما شمعون بيريز فيصفها بقوله ( أن إسرائيل تعيش منذ بدء الإنتفاضة الثانية في خطر لم يسبق له مثيل). ويصل الكاتب داود بوجيل إلى حد التساؤل عن الوضع المأسوي الذي يعيشه الإسرائيليون الآن. وهذا الوضع المأساوي من مفرداته المخاوف الدائمة من مغادرة المنزل لأي سبب من الأسباب، سواء للتوجه إلى العمل أو للتسوق أو للنزهه، فاليهودي يدرك أن العمليات الإنتحارية الفلسطينية، ونيران مدافع الهاون قد حولت حياته إلى جحيم. لقد أخذ الإسرائيليون يدركون أن الفلسطينيين يمتلكون القدرة على الإيذاء، ومن ثم فإن حياتهم يمكن أن تتحول إلى فزع دائم، وأن المعادلة التي بدا أن الإنتفاضة تعانيها، أي وجود نقاط تماس وبعض مناطق خطر، فيما العمق الإسرائيلي أمن، يمكن أن تكسر وتجر خسائر هائلة في الاقتصاد، وتهدد الاستقرار، بل وتدفع إلى هجرة معاكسة بدأت تتحقق بالفعل بأرقام كبيرة مخيفة. لم تنخفض الهجرة إلى إسرائيل فقط، وفق تصريح (سالي ميردور) مدير الوكالة اليهودية بنسبة 32.5% بل رحل الكثير من المستعمرين عن مستوطن اتهم، بعد أن فقدوا الأمان والحياة الطبيعية، ومن هؤلاء حفيدة رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق مناحم بيجين التي قررت الهروب مع زوجها إلى الولايات المتحدة وترك إسرائيل بسبب الوضع الأمني وتقول الحفيدة أن الحالة الأمنية الصعبة التي تعيشها إسرائيل حاليا بسبب الانتفاضة لم يسبق لها مثيل حتى في حالة الحرب، وتضيف أن اختها الصغرى هربت أيضا إلى الولايات المتحدة بسبب خوفها على أطفالها. تقرير إسرائيل قدر خسائر الاقتصاد خلال الأشهر الثمانية الماضية منذ إندلاع إنتفاضة الأقصى بمليارات الدولارات وذكر التقرير أن أعمال التوتر أثرت سلبا على النمو الاقتصادي الذي كانت إسرائيل قد حققته مؤخرا، وأن قطاعات التصدير والبناء والسياحة شهدت تراجعا حادا. وطبقا لإستطلاع للرأي قامت به جمعية الصناعيين الإسرائيليين مؤخرا، فإن الاقتصاد الإسرائيلي يتجه نحو الركود، ويعاني 53% من الصناعيين من هبوط الإنتاج بسبب عدم الاستقرار الأمني. كما سجلت زيادة في أعداد الجنود الذين يسجنون بسبب رفضهم الخدمة العسكرية في الضفة الغربية وغزة، سواء كانوا من الجيش النظامي أو الاحتياطي. أن سقوط ما يزيد على مائة قتيل والف جريح إسرائيلي، مع تصاعد أصوات المطالبين بتسوية سياسية، خصوصا بعد فشل خطة شارون لإنهاء الإنتفاضة في مئة يوم، والتي بدأت من تاريخ تسلمه الحكم في مارس 2001، لم يستسلم خلالها الفلسطينيون، إنما تؤكد أن الإسرائيليين لن يحصدوا سوى القتلى والجرحى والعمليات الإنتحارية المفاجئة وفقدان الأمن. ويدل ا لتقرير الذي نشرته صحيفة (نيويورك تايمز) الأمريكية عن حالة الهبوط الشديد التي أصابت الاقتصاد الإسرائيلي منذ الخريف الماضي، على أن بوسع الشعب الفلسطيني الذي لا يملك غير الحجارة في مواجهة طائرات أف 16 والأباتشي وسائر أشكال العتاد العسكري الأمريكي الإسرائيلي المتطورة، فضلا عن أجهزة الاعلام والدعاية العالمية المنحازة التي تلقي اللوم على عرفات والسلطة الفلسطينية وما تسميهم (العناصر الإرهابية) أن يزعم المحتل الإسرائيلي الغاصب على التراجع، وأن يفرض شروطه على القوى التي تحاول ابتزازه وتركيعه لحساب إسرائيل. يقو ل التقرير أن إزدهار الاقتصاد الإسرائيلي الذي بلغ أوجه قبل فشل محادثات كامب ديفيد واشتعال الإنتفاضة، واجه إنهيارا تدريجيا في اسعار البورصة وفي السياحة وفي حركة البناء ونقل الحاويات وصناعة التكنولوجيا فقد إنخفض دخل السياحة بنسبة 58% وإنخفضت الصادرات الزراعية لأوروبا بنسبة 32%، وإرتفعت نسبة البطالة في قطاعات الفنادق والمطاعم التي أغلق عدد كبير منها أبوابه، كما شهدت شركة طيران العال تراجعا ملحوظا في أعداد الركاب، واضطرت إلى الغاء بعض الخطوط وتسريح أعداد كبيرة من موظفيها. أن (فيلد مارشال) مهيب قد تولى أخيرا قيادة كتائب الفلسطينيين اسمه اليأس، اليأس من السلام الإسرائيلي المزعوم الذي لم يضع أمامهم بديلا عن الاستشهاد، فلقد نجحت الإنتفاضة الفلسطينية الباسلة، لأول مرة في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي، في نقل الخوف والقلق والذعر إلى داخل المجتمع الإسرائيلي، وبالتحديد إلى قادته الذين يتفاخرون بسلاح القوة التي لا تقهر والبطش وإرهاب الأمنيين. ولعل أوضح مثل على سحر انتفاضة الحجارة، واستشهاد الأبطال دفاعا عن أراضي وطنهم المغتصب، ما أعلن أخيرا عن تخصيص 2 مليون دولار أمريكي لحماية مقار إقامة وعمل ومزرعة رئيس الوزراء الإسرائيلي الجزار شارون، تخوفا من حجارة الآبرياء. وفي الوقت نفسه، بدأت السلطة العسكرية الإسرائيلية، بناء خط شارون في الحدود بين غزة ورفح، تحت دعوى وجود إنفاق بينهما، حيث زعمت إسرائيل أن هناك أكثر من 20 نفقا في محاولة لتأكيد ما أدعته من قبل عن وجود عمليات لتهريب السلاح إلى أبطال المقاومة. أن التداعيات السلبية لإنتفاضة الأقصى البطولية، على الداخل الإسرائيلي كثيرة وخطيرة فقد عمقت من التناقضات القائمة التي يعاني منها الكيان الإسرائيلي كما خلقت تناقضات لم تكن مطروحة من قبل. كما أنها تفرض العديد من الأسئلة والإشكاليات حول قضايا هامة تتعلق بأركان النظام الإسرائيلي والدولة والمجتمع على السواء. وبصفة عامة، فإن تداعيات الإنتفاضة على الداخل الإسرائيلي، إنما تستمد قوتها من سرعة إنتشارها وإستمراريتها ووصولها إلى عرب 1948 في إسرائيل ومن هنا أوجدت حالة من الذعر والقلق في المجتمع الإسرائيلي، فثمة خوف من تفكك المجتمع، وربما الدولة، من جراء الإنقسام حول الموقف الواجب إتخاذه إزاء عرب 1948، وإزاء الإنتفاضة، ثم إزاء مستقبل عملية التسوية. وعموما، فإن ما يمكن أن يقال بشأن تداعيات الانتفاضة على الداخل الإسرائيلي هو أن الخوف هو الملمح الأساسي والعريض داخل إسرائيل. وأنه القاسم المشترك الأعظم بين القيادات والمواطنين على السواء. لقد ترددت عبارة (أنهم خائفون) في أكثر من مقال لمراقبين غربيين عند توصيفهم للأوضاع داخل إسرائيل. لقد أكد على سبيل المثال باتريك سيل الكاتب الإيطالي المتخصص في شئون الشرق الأوسط أن (إسرائيل خائفة) وهذا عنصر جديد رئيسي في الوضع وأضاف وهي الآن مرعوبة من السكان العرب داخل إسرائيل وفي استطلاع للرأي نشرته جريدة معاريف أكد أكثر من 70% من المبحوثين خشيتهم من أن تؤدي المواجهات مع الفلسطينيين إلى حرب شاملة، وأوضح الإستطلاع أن 68% من المبحوثين قد شعروا بالخوف على أمنهم الشخصي وأمن أسرهم منذ اشتعال الانتفاضة. أن المستوطنين أصبحوا في مأزق حقيقي حيث يلاحقهم خطر الموت الذي تحمله لهم الانتفاضة مع كل يوم، وفي الحقيقة فإن استهداف المستوطنين قد أعاد ترتيب أولويات النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، وطرح المستوطنات وإزالتها شرطا فلسطينيا ملزما لايمكن أن تتجاهله أي محاولة للتسوية، وهو ما كانت سنوات التفاوض الماضية قد أهملته، ذلك أن موضوع المستوطنات قد أصبح الامتحان الرئيسي لعملية التسوية. وعليه سوف تتوقف طبيعة الكيان السياسي الفلسطيني في المستقبل وإلى أي حد سوف يشكل هذا الكيان دولة يكتب لها النجاح. بعبارة أخرى سوف يكون موضوع الاستيطان بعد الإنتفاضة هو المقياس الجدي لمدى استعداد إسرائيل لتسوية عادلة. لأنه دولة فلسطينية في قلبها مستوطنات سوف تفتقر إلى أدنى شروط التواصل وأقل مقومات السيادة. ولعل الإنتفاضة خصوصا في أطوارها الأخيرة. بصدد طرح تلك المشكلة بحدة ووضوح على الوعي الإسرائيلي وافهامه أن مبدأ الأرض مقابل السلام، والذي هو أساس التسوية، إنما يعني تحديد السيادة على الأرض مقابل السلام، ولا شئ دون ذلك. إن قراءة الخريطة الإسرائيلية الحالية، تشير إلى الحيرة والتخبط، وأن الصفوة التي تتبادل سلطة إتخاذ القرار، تقود إسرائيل إلى الدمار لأنها تريد استسلاما يرتدي ثوب السلام، وتريد تحقيق الأمن المطلق وليس الأمن المتبادل. لقد أجبرت الانتفاضة إسرائيل على التخلي عن استراتيجيتها التي تعتمد على عنصرين الحرب القصيرة على جبهة واحدة لظروفها الخاصة وكذلك نقل المعركة خارج حدودها لتجنب أي خسائر مادية في الأرواح. فهي الآن في قتال مستمر أمام الانتفاضة أصبح لأول مرة في العمق الذي يمتد إلى القرى والمدن والمستعمرات والشوارع. أن هدف إسرائيل في القتل والتدمير لثوار الإنتفاضة، يتم داخل إطار سياسي مهزوز غير متفق عليه أي أن الأهداف العسكرية، وهي خاطئة أصلا، اصبحت كذلك منفصلة عن الإتجاه السياسي للدولة وهو غير موجود ولم يتفق عليه أصحاب القرار. إن إسرائيل تريد أن تحقق لنفسها الأمن، ولكن هذا الأمن المنشود سيظل كالسراب، لأنه لن يتحقق إلا بالسلام وهذا لن يتحقق بدوره إلا باستعاده الأرض والحقوق. أن خيار الإنتفاضة هو الخيار الوحيد لمقابلة التصعيد الإسرائيلي بتصعيد مقابل، يرغم المجتمع الإسرائيلي الذي أفرز شارون، على الاعتراف بأن رهانه خاسر. ـ كاتب مصري