صمت المراقبون الاردنيون طويلاً منصتين للتهديدات العراقية بوقف ضخ النفط الى البلدان التي تنصاع الى المطالب الامريكية والبريطانية القاضية بتنفيذ بنود ما توصف بالعقوبات الذكية. وادرك العراق انه دون مساعدة دول الجوار لواشنطن فلا سبيل الى تنفيذ مخططاتها الرامية الى اطالة امد العقوبات فترة اخرى من الزمن، بعد ان لاحظ السياسيون الامريكيون بدء انفراط عقد التحالف العالمي الرامي الى افراغ العراق من اسلحة الدمار الشامل. وستكون المملكة الاردنية الهاشمية منطقة من ثلاث مناطق للتدقيق والتفتيش على البضائع التي ستدخل العراق بموجب العقوبات الذكية، بالاضافة الى البحرين وتركيا. ولعلم الاردن بخطورة موافقته على السيناريو الامريكي البريطاني تداعى سياسيوه للتأكد ان هناك استحالة مطلقة لموافقة صانع القرار الاردني على العقوبات الذكية. ليس لان المملكة حسب قول احمد النجداوي رئيس تحرير صحيفة «البعث» الاردنية الموالية للعراق لا تريد ان تدفع الفاتورة الباهظة التي من المتوقع ان تشهرها بغداد في وجهها في حال موافقتها على هذه العقوبات، ولكن ايضاً لأنها ليست مستعدة لتفتح على نفسها باباً اخر امام الرأي العام العربي شبيها لباب علاقاتها الطبيعية مع اسرائيل والتي لايزال الدبلوماسيون الاردنيون يجهدون في اقناع الدول العربية بأهمية هذه العلاقات دون طائل. وبعيداً عن البعد القومي لقضية العقوبات فان اي من علاقات الاردن الدولية لن تستطيع القيام بتغطية حجم الخسائر الهائلة التي من شأنها ان تدك اعمدة الاقتصاد الاردني الذي يعاني اصلاً. ويراجع النجداوي الارقام التي ستتكبدها الاردن في حال موافقته على العقوبات الذكية التي ستكون الاشد غباء حسب رأيه على الاقتصاد الاردني، حيث يشير الى ان التوقعات تدل على ان رقم خسارة الاردن جراء وقف صادرات العراق النفطية اليه سيكون حول المليار دولار. ذلك ان العراق يقدم للأردن خمسة ملايين طن من النفط سنوياً على صورتين الاولى مجانية والثانية بسعر خاص، اضافة الى ان حجم التجارة الاردنية مع العراق تبلغ 450 مليون دولار سنوياً، ومن المؤكد انها ستنهار في حال تنفيذ سيناريو واشنطن. ويشكك رئيس تحرير صحيفة «البعث» الاردنية بامكانية ان تقوم واشنطن بفرض ممارسة عمان لهذه العقوبات، ويقول ان العلاقات الدولية تبنى على المصالح، وليس صحيحاً ان اي دولة مهما بلغت من القوى تستطيع ان تجبر اخرى على امر هي لا تريده والامثلة في العالم كثيرة، ولكن الدول تستجيب للضغوط اذا ما توفرت الرغبة في ذلك. وفي هذا السياق ذكر النجداوي بموقف رئيس الوزراء الاردني الاسبق عبدالكريم الكباريتي عندما حول سياسة الاردن في اتجاه الكويت، حيث تأكد الاردن وقتها انه لا يمكن لأي من دول الخليج ان تكون بديلاً عن العراق. ورداً على سؤال اذا ما كان امام الاردن حل ثالث يمكن ان يرسو قراره عليه يكون دون المشاركة واقل من الرفض قال البعثي الاردني هذه الامور لا يمكن التعامل معها من قبيل الموقف الوسط فاما ان يشارك او لا يشارك. مؤكداً ان ما تريده الولايات المتحدة هو مزيداً من كسب الوقت من اجل تنفيذ مخطط ما يدور في ذهن الادارة الامريكية، ربما سيكون هذا المخطط متعلق بمجمل المنطقة وليس العراق وحده، وهذا يتطلب اعادة تنشيط لسياسة العقوبات القديمة التي تآكلت. وينوه النجداوي الى ان الاردن عانى اكثر من غيره منذ بداية الازمة وفرض العقوبات وخسر كثيراً دون ان يشارك، فكيف به وهو لاعب اساسي في هذه الجريمة الدولية. مشيراً الى ان ما يريده البيت الابيض عملية مراقبة حسب المقترحات الامريكية من قبل مراقبين محليين من المنطقة ذاتها سواء الاردن او سوريا او تركيا او ايران. ولا ينفي البعث العراقي ان الاردن ورغم كل ذلك مازالت صامدة في وجه ما يصفها بالمؤامرة، ذلك ان الاردن يدرك مدى خطورة الاقدام على مثل هذه الخطوة والتي قصد منها اساساً امتصاص المحاولات الدولية لتخفيف العقوبات ورفع الحصار عن العراق من جهة، ومن جهة اخرى استمرار عزل العراق عن القضية العربية المركزية قضية فلسطين وجعله مطوقاً بمجموعة من الاجراءات التي تمنع اي تحرك له باتجاه فلسطين. ويتهم النجداوي واشنطن وشريكتها لندن بأنهما تنفذان سياسة تفرضها الصهيونية العالمية والتي تريد جعل مقدرات العراق مشلولة، عن ان تصب في القوة العربية. ورداً على سؤال حول شعور العراق بأن هناك امكانية بمشاركة الدول المحيطة به في هذه العقوبات وانه من اجل ذلك قام باطلاق تهديده الاستباقي قال ان العراق يأخذ حيطة من هذه الاجراءات وهو في تهديده لم يقصد الاردن بالذات وانما جميع الدول التي سوف تشارك في هذه الخطوة الا ان الاردن لديه حالة اضافية وهي انه لا يمكن تعويضه السوق العراقي والدعم والتجارة مع العراق سواء كان بالنسبة للنفط او بالنسبة للمنتوجات الاردنية، خصوصاً وان السوق الفلسطيني مع الانتفاضة والاوضاع المتوترة في فلسطين تجمدت سوق كانت من اهم الاسواق للتجارة الاردنية. وحول التعويضات التي يتم الحديث عنها والاغراءات للدول التي توافق على المشاركة في العقوبات ومنها صيغة شراء النفط وسحب الاموال من عوائده، مقابل اعمال المراقبة الحدودية، او حتى المشاركة في بيع الطائرات العراقية التي على اراضيها مثل الاردن وتونس وايران وتحويل جزء من الثمن الى خزينتها بمصادقة من لجنة العقوبات، ينوه البعثي الاردني الموالي للعراق انه لا يوجد من بديل او معوض لعلاقة الاردن مع العراق مهما كانت الاغراءات. ويقول في حين ان استفادة الاردن الاقتصادية من العراق هي الان مشروعة ومقبولة من الاطراف ومنها العراق فانها بعد موافقة الاردن ستكون وكأن الاردن يشارك في سلب غنائم الحرب والانتصار الامريكي على بلد شقيق، مشيراً الى ان الاردن يدرك خطورة وابعاد هذه القضية. وفيما يتعلق بالمخاطر التي ستحاط بالاردن في حال عدم مشاركته في العقوبات يستخف النجداوي بهذه المخاطر، متسائلاً اين هي المخاطر؟ مشيراً الى ان الاردن يدرك كما تدرك الاقطار العربية المجاورة ان ما يسمى بالعقوبات الذكية يقتضي منها المشاركة بهذه الجريمة في وضع قوة تفتيش تحول دون مرور اي دعم للعراق او اي تجارة تجاه العراق وهذا يتناقض مع اتفاقيات الاقتصاد العربي. مشيراً الى انه وباستثناء بعض الدول العربية فان الاردن سيشعر بأنه اصبح معزولاً عن محيطه الطبيعي. عمان ـ لقمان اسكندر: