كان عبور البحر الأبيض المتوسط مهمة تاريخية ظن بها نابليون بونابرت أنه سيبني إمبراطوريته إبتداء من هذه النقطة. لكن آمال نابليون خابت فإنسحب بعد ثلاث سنوات ولكن بعد أن أقام جسورا حضارية عربية فرنسية. أدخل الفرنسيون المطبعة والصحيفة إلى مصر.. واكتشف الأثريون الفرنسيون الكثير من الآثار وحلوا رموز اللغات المصرية القديمة، لكنهم فعلوا ما فعلته أي يد استعمارية فنزحوا ما يمكن نزحه من آثار، وبات جناح مصر القديمة والفرعونية هو الأهم في متحف اللوفر حتى الآن. ثم.. مرت سنوات وجاء فرديناند دليسيبس ليبني بعرق المصريين أول قناة تصل بين الشرق والغرب.. وهي قناة السويس التي امتلكها، وامتلكت معها جزءاً كبيرا من مقادير مصر شركة عالمية جرى تأميمها عام .1956. وكان التأميم سببا للعدوان الثلاثي، كما هو معروف. وكان لهذا الغزو الاستعماري جانبه الحضاري أيضا فقد حفظت شركة القناة أرشيفاً وثائقياً ضخماً يسجل الكثير مما جرى في القرنين التاسع عشر والعشرين.. والآن بات الأرشيف الخاص لقناة السويس جزءاً من برنامج (ذاكرة العالم) والذي تحتفظ به منظمة اليونسكو. هذا هو التاريخ، لكن الحاجز ينعش الذاكرة من جديد وتأتي مكتبة الاسكندرية التي يجري افتتاحها هذا العام ويرعاها ـ كمجلس للأمناء عدد من رؤساء الدول.. تأتي المكتبة لتضم الجديد والقديم من العصر الروماني إلى العصر الفينيقي إلى حكاية أحمد زويل وعلوم الفضاء. وبصرف النظر عن فنون البناء التي تعد فريدة في نوعها، وبصرف النظر عن الأحجار التي جاءت من عصور تمتد لملايين السنين بصرف النظر عن ذلك فإن الجانب المعرفي هو الأهم وقد حاولت فرنسا أن تمد البصر مرة أخرى عبر البحر لتكون لها بصمة من خلال هذا الصرح. آخر قرار للحكومة الفرنسية هو إهداء مكتبة الاسكندرية نسخة كاملة من الأرشيف الفوتوغرافي المحفوظ بالمركز الفرنسي للأرشيفات الفوتوغرافية والذي يضم نحو ثلاثة آلاف صورة نادرة ومطبوعة على (اكليشيهات) زجاجية تعود للقرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين وينتسب لما احتفظت به شركة قناة السويس. إنه التواصل يعود من جديد بعيدا عن الجدل الذي دار منذ عامين : هل نحتفل بذكرى الحملة الفرنسية. أم أننا نحيى بذلك ذكرى استعمارية بغيضة يومها، اضطر القائمون على الاحتفال إختزال ما يجرى ليكون نوعا من التواصل الثقافي ولتكون باريس في معظم الأحيان مركزا له بعيدا عن احتجاجات المثقفين المصريين. الآن، تتجمع خيوط أخرى تثير العديد من الأسئلة فهل كان الاستعمار نوعا من العولمة، أسقط الحدود مبكرا وفتح الأسواق عنوة..وإن كان لحساب طرف واحد، وعبر وسيلة أساسية هي الغزو بالجيوش؟ وهل كان للإمتزاج الثقافي وجهه الإيجابي، أم أنه كان أيضا نوعا من التبعية؟ لقد تواجدت مصر في عواصم العالم عبر طرق عديدة بينها النهب الاستعماري الذي انصب على آثارها الفريدة. فهل كان ذلك خيرا أم شرا؟ تواجدا صحيا.. أم نهبا ينبغي الآن أن نعالج آثاره؟ والسؤال فهم في فترة تجد فيها الآثار المصرية اهتماما كبيرا لصيانتها ولطريقة عرضها. وهو إهتمام يتجلى في عشرات البعثات الأثرية المصرية.. الأجنبية التي مازالت تعمل في جوانب الصحراء.. بل مازالت تبحث عن غرفة مجهولة داخل الهرم الأكبر مستخدمة لأنواع متعددة من الأشعة للكشف عن مكوناته. والسؤال بشكل صريح أكثر : هل تطالب مصر بما تم نهبه.. وهل تستطيع أن تجني فائدة من ذلك؟ لا أحد ينازع مصر في ملكية هذه الآثار، بل إن الدول التي نهبت أي أثر تتفاخر بأنها تملك أثراً من خمسة أو سبعة آلاف سنة.. وهو اثر مصري أصيل، مثلما هو الحال في آثار اللوفر وفي المسلة المصرية على أطراف الشانزلزية. وقد أثارت مصر قضية الآثار التي نهبتها إسرائيل، واستطاعت أن تسترد جزءاً منها وإن كان غير معلوم إذا كان ذلك قد شمل ما نهبه ديان شخصيا، وقد كان من هواة سرقة الآثار؟ فعلت مصر ذلك مع إسرائيل، فهل تفعل مع فرنسا أو بريطانيا وهما الدولتان اللتان احتلتا أرض مصر؟ و هل تفعله في مواقع أخرى وصل إليها الرحالة والأثريون الذين عاشوا في مصر بعض الوقت؟ القضية تستحق البحث، والتواصل إيجابي على أي حال، و(ذاكرة العالم) لابد أن تضم من الحضارات القديمة : حضارة مصرية وأخرى صينية وثالثة هندية ورابعة فارسية. إنها عولمة الماضي. بعد أن حاولنا عولمة الحاضر، وهي عولمة لا تخلو من مراكز قوى في كل الأحوال. بقلم: محمود المراغي