قضيت اربعة ايام في البحرين خلال الاسبوع الماضي للمشاركة في اجتماعات الهيئة الاستشارية للمجلس الاعلى بدول الخليج العربية، التي تتكون من ثلاثين شخصاً، كل خمسة يمثلون دولة، ومختارين وفق قواعد الخبرة والمناصب التي شغلوها، وهم كوكبة من اهل التجارب العارفين بمسيرة مجلس التعاون. زرت البحرين خلال الشهور الخمسة الماضية خمس مرات، وكل مرة اكتشف جديدها، هذه المرة، التقينا مع الشيخ حمد بن عيسى آل خليفة امير دولة البحرين، كأعضاء هيئة، وعلى غير عادة اهل الخليج، فقد كان الشيخ حمد هو المبادر بالحديث، والمنطلق بالأفكار، والمحاور بالاقتناع، استمعت اليه يشرح مشروع البحرين النهضوي الحديث، الذي صاغه وتبناه وطرحه شخصياً، وهي حالة من الحالات النادرة في الخليج، يشرح الامير تصوراته عن البحرين المستقبل، التي تحضن بذراعيها جميع مواطنيها، كل وفق قدرته على العطاء، وكل وفق اسهامه في تحقيق المشروع، بلا تمييز وبلا امتياز لأحد، وبلا مقاطعة لطرف، وبلا ابعاد لجماعة، الكل يعمل بشكل جماعي وبجهد مسخر لنهضة البحرين، كان الامير يتكلم وكنت اتصور بأنه يقدم لوحة وطنية حديثة متكاملة تنفذها جماعة البحرين وبشكل يشبه لوحات تشيكوفسكي في باليه البولشوي المتميز، كل عضو في اللوحة عارف دوره ومكانه وتوقيت ادائه. ومشروع الشيخ حمد، بسيط في عناصره، سارت عليه شعوب كثيرة، تميزت بالرقي والاستنارة، وصارت محتويات المشروع الرسالة الكونية الحالية، حقوق الانسان، سيادة القانون، ضوابط الدستور، مظاهر الحكم المدني، المساواة، المرأة، الانفتاح والاقتباس، الحرية السياسية والاقتصادية والثقافية، آدمية الانسان، دولة المؤسسات، الانضباط، حقوق المواطن ومسئولياته، الى اخر اللائحة المدونة في دساتير دول الفكر والإنتاج والابداع. أراد الشيخ حمد ان يستحضر التطور والمستجدات الى ارض البحرين بكل جوانبها وثقلها، لم ينتق المريح من سلة الاستنارة، ولم يبعد المزعج فيها، استورد الحزمة كلها بأشواكها وبثمارها، ووضعها على ارض جزر البحرين الرقيقة والبريئة والناعمة، وصارت البحرين الارض الموعودة بالأعمال والاحلام، وصار الأمير حاملاً مشروع الاستنارة في مجالسه مع اهل البحرين وفي جولاته لبيوتهم وفي تواجده مع تجمعاتهم. والمريح في هذا لامشهد المثير والواعد، انه استحضر الاجماع الشعبي الداعم والمؤكيد، عاد الذين ابتعدوا، والذين يأسوا، والذين خاصموا، مماادى الى مناخ غير مسبوق في التعاضد والتشابك. وبصراحة يريد الشيخ حمد ان يرسم الشراكة البحرينية التاريخية، ويعرضها بهذه الروح، يستمع ويحاور في منتديات سياسية غير مسبوقة. جاء الشيخ حمد من بطن التاريخ البحريني الحديث، مستلهماً تجارب اجداده وسابقيه، ليقتبس المستقيم مع العصر الحديث، ويضيف على منتجات التراث شيئاً من مبتكرات اليوم، كل ذلك جميل خاصة اذا تعاهدت الافكار على تحقيق النجاح لمشروع الحداثة الذيصنعه الشيخ المتوثب، واذا ما جاء التصميم من شعب البحرين على سد الثغرات، وحماية الجبهة الداخلية، وترسيخ وحدتها وصون سلامتها من التطرف، والمبالغات ومن التغلغل، خاصة من الاختراقات الخارجية. شاهدت الشيخ حمد يجلس مع بعض عناصر المعارضة العائدين، يستقبلهم الأمير بعفويته وتلقائيته، ويشحذ هممهم للاسهام في صناعة المشروع الحديث. كتب احد المجتهدين الخليجيين معلقاً على الوضع في الخليج، بأن «القوى السياسية الفاعلة اليوم في دول مجلس التعاون لا تتعدى فئتين، وهي الاسر الحاكمة، والثانية القوى الخارجية»، وعلينا ان نحسب الدور الايجابي للأسرة الحاكمة التي تطورت وتناغمت مع التحولات العالمية، فغير المعقول ان تستمر اساليب الحكم وادواته من السبعينيات دون تبديل، فجميع دول الخليج جنحت نحو الانفتاح والتحاور السياسي، كلها تمتلك مجالس شورى، وكلها تملك العزم على التطوير، وكلها متفاعلة مع مفاهيم حقوق الانسان، واذا كان المشهد السياسي البحريني فتح الابواب كلها لكل ما يشكل جدول اعمال الانسان المتحضر، فتصوري بأن هذا المشهد سيخلق ديناميكية ايجابية في جميع اجزاء المنطقة، اذا ما تكللت تجربة البحرين بالنجاح. ـ كيف تنجح تجربة البحرين..؟ ـ يمكن لنا ان نقدم فتوى من تجارب الكويت، لعلها تكون مناسبة لمسيرة المستقبل البحرينية، وهي تجارب عليها الكثير ولها الكثير، واستمرارها مرهون بواقع الكويت، وامكانياتها ومشارب شعبها. أولاً: لا يمكن لتجربة ديمقراطية ان تحقق النجاح دون حكومة قوية، فالديمقراطية هي حكم القوى المستند على اغلبية برلمانية، تؤهله للتشريع والتنفيذ دون شلل، وقد نجح النظام البريطاني لأنه يستند على قاعدة الحزب الحاكم، صاحب الاغلبية المطلقة، كما رأينا منذ ايام في انتصارات حزب العمال، بأغلبية كاسحة تجعل السلطتين التنفيذية والتشريعية من حزب واحد. ونذكر بأن ازمة تركيا الدائمة، وازمة ايطاليا المستمرة هي من صنع عجز الاحزاب على التمتع بالاغلبية البرلمانية. والحكومة القوية هي التي تقود لا تقاد، وتشرع وتنفذ، وتطرح القرارات المرغوب فيها، والمعروض عنها، الشعبية وغير الشعبية. في الحكم الديمقراطي لا يمكن الاعتماد على حسن النوايا في البرلمان، وعلى اصحاب الشيم والهمم، فالسياسة عملية قذرة تثير الاحتقار، ومنها تبرز النزعات غير الحميدة في الانسان، ولذلك فإن الضمان هو حكم الاغلبية المستند على شرعية الدستور. ثانياً: تنجح الديمقراطية في اجواء الالتزام بحكم القانون، والامتثال لهيبة الدستور، واحترام الانضباط باللوائح، واظهار الصرامة في وجه الساعين لخرق القانون، والتصدي لهم، لأن الديمقراطية سلوك وثقافة لكنها ايضاً ضوابط ولوائح. ويمكن اعتبار بنود الدستور وثيقة القيم العالية التي يحتكم اليها الناس، والمرجعية الوصية للحكم. وبالطبع فان المطل على تجربة الكويت يشهد العبث بالقوانين والتطاول عليها والعيش على كسرها. ثالثاً: في الديمقراطية هناك محرمات يحددها الدستور تشكل الخطوط الحمراء، وهي الحد الفاصل بين المحتمل والمرفوض، وهي الثوابت التي يرسخها الدستور، ولا مجال للتعامل السلبي معها، وقد نجح المجتمع الكويتي في صون المحرمات وحافظ على عدم الاقتراب منها، وتولد اجماع في الكويت على هذه الثوابت. رابعاً: لابد من الايمان بأن الشراكة في البحرين سيتم الوصول اليها بالاعتدال والوسطية، وتغليب نزعة العقل والاحتكام الى المنطق، وغرس الميل نحو التعاون، والتحلي بالانفتاح، وتجاوز الدوغمتية والمواقف المسبقة، فالجميع له مصلحة مباشرة في تثمير التجربة ونشرها وتحويلها الى منظومة مقننة ومؤسسة تتمتع بالديمومة والاستمرار. ولا شك بأن الذين يتابعون الوضع السياسي في الكويت لا يغيب عنهم الواقع المأزوم الذي تبثه الحدة والتطرف. خامساً: لن تكون ايام العهد الدستوري كلها عسل ونعيم حتماً، ستأتي المشاكل وتشتعل الاعصاب وتتوتر الاجواء، ويلعلع اللسان، لكن اهل الحل والعقد، واهل الحكم لهم دور في ترطيب الاجواء، وتهدئة النفوس، وفي هذا الصدد لابد من ابراز الدور المميز للمرجعية الاميرية، باعتبار ان الامير فوق الاعتبارات والمرجع الاخير للتحكيم. سادساً: يتمتع الاعلام، في الاجواء الديمقراطية، بدور حساس ومؤثر في ضبط الاحداث، والتحكم في افرازاتها وتوجيه مسارها، ويمكن دراسة تجربة الكويت حيث يشكل النواب وتصريحاتهم وتعليقاتهم المنشتات اليومية للصحافة الكويتية، دون اعتبار لمضمون هذه التصريحات، ومن المهم الاستفادة من المؤسسات الاعلامية في البحرين في ضخ التثقيف وبرامج التوعية في التعريف بماهية الديمقراطية شكلاً وحقوقاً وواجبات. صارت البحرين ورشة متحركة للأفكار والاجتهادات وللادبيات السياسية والمصطلحات الحديثة، وقد شعرت من حديث المسئولين فيها بأن التجربة غير قابلة للتراجع، وان مرئيات الامير هي برنامج المستقبل، وان مشروعه هو منظومة مستنيرة لكل متشوق لرؤيتها على ارض الواقع، ولكل متحمس لتحقيقها، والكل متفائل بنتائجها. في البحرين حركة تجارية واقتصادية منتشية من الحقوق السياسية، التي تتسيد اجواء البحرين في يومنا هذا. بقلم: عبدالله بشارة