تدل كافة المؤشرات على ان القيادة السورية، بعد فشل قمة جنيف «مارس 2000» ما بين الرئيس الراحل حافظ الاسد والرئيس الامريكي يومئذ بيل كلينتون، والتي رد فيها الاسد الصاع صاعين، وسحب كل المرونة السابقة التي ابداها المفاوض السوري، لم تعد مشغولة ابدا باستعجال عملية السلام، ومن هنا رفضت بشكل حاسم الدبلوماسية السرية او مقايضة الوجود السوري في لبنان بضمان «الحدود» الاسرائيلية الشمالية، كما فوتت لعبة الاسرائيليين المفضلة يومئذ في «الرقص على المسارات» لابتزاز المفاوض الفلسطيني والضغط عليه وحين ذهب الاسد الى جنيف كان الامريكيون والاسرائيليون يعتقدون في ضوء قراءة خاطئة لما سمي بمشكلة «توريث السلطة» ان الاسد سيتجاوب مع «الخبر الطيب» الذي نقله كلينتون، لكن لم يكن ممكنا لمثل هذا الاعتقاد ان يصدر بلغة اوري ساجي الرئيس السابق للمخابرات العسكرية الاسرائيلية الا عن اناس لا يعرفون شيئا عن الاسد، في الوقت الذي يزعمون فيه مثل هذه المعرفة من هنا استبدلت الدوائر المخابراتية الاسرائيلية متابعة التفكير السوري حول السلام بمتابعة صحة الرئيس، وتبنت هنا فرضية ان السلام مع خلف الاسد سيكون اسهل بكثير من السلام معه، الا انه ما ان تولى الدكتور بشار الاسد مهامه الدستورية حتى اخذ طاقم باراك يصرخ: لقد توقعنا أن يكون مثل كوستونيتشا الا انه ظهر مثل ميلوسيفيتش، وما ان وصل طاقم شارون الى الحكم حتى صدم بالوصف الذي اطلقه الرئيس الاسد في قمة عمان الاخير «مارس» بأن المجتمع الاسرائيلي اكثر عنصرية من النازيين، ولم يتورع بن اليعازر عن ان يصف الاسد بأنه «اسوأ» من ابيه، بل ودأبت الحكومة الاسرائيلية طيلة الربع الاخير من عام 2000 ولما يمض على ولاية الرئيس الاسد اكثر من اربعة اشهر على النشر الكثيف وبشكل شبه يومي لسيناريوهات الحرب ضد سوريا، ولقد كانت «النقزة» هنا واضحة تماما، وتتمثل بشكل اساسي ليس في مجرد العلاقة الاستراتيجية مابين دمشق وحزب الله، بل في العلاقة الجديدة التي فتحها الرئيس مع العراق، واعاد من خلالها تعريف العراق كـ «دولة مواجهة وليس كـ «دولة مساندة» ولاريب ان كولن باول وزير الخارجية الامريكي لم يستوعب جيدا ما قاله له الاسد عن العلاقات العراقية السورية الا بعد ان فحص مستشاروه هذا القول جيدا، وجعلهم يستشيطون استنكارا وتدقيقا في توجهات الرئيس الشاب لتغيير موازين القوى الاقليمية، كما ان بغداد التي رفضت في السابق الاندراج في جبهة شمالية ـ شرقية دعا اليها الرئيس الراحل، بسبب عدم اعترافها بالقرار 242 قد اخذت تعطي بعد النكبة التي تعرضت لها العلاقة مع دمشق اولوية استراتيجية في محيطها الاقليمي، بما في ذلك قبول الاندراج في احتمال جبهة شمالية ـ شرقية، ويبدو انها تمثل اليوم المضمون الجوهري لاستراتيجية النفس الطويل السورية، وتتألف هذه الجبهة تبعا لذلك من سوريا والعراق ولبنان وفلسطين مع عمق استراتيجي ايراني، وتطبيع العلاقات السورية مع انقرة. ويعني ذلك ان الاستراتيجية السورية اخذت تتوجه لرسم دور دمشق على مستوى الهلال الخصيب وليس على مستوى المحيط الشامي او السوري الكبير الذي تشكل سوريا قلبه، ويشكل الصراع المستدام ضد اسرائيل هدف هذه الاستراتيجية وفي هذا السياق تحديدا علينا ان نفهم تركيز الاولويات الاستراتيجية السورية لكل مركز ثقلها على دعم الانتفاضة، واعلان الرئيس الاسد عن فتح صفحة جديدة في العلاقة مع عرفات بعد القطيعة التي نتجت عن توقيع اتفاق اوسلو في عام 1993 على اساس برنامجي سياسي مشترك، يضبط هذه العلاقة في اطار تحقيق سلام شامل تشكل القرارات الدولية ذات الشأن مرجعه، الا ان عرفات لم يتقدم حتى اليوم بخطوة جدية في هذا الاطار، تمهد لتشكيل نوع من قيادة تنسيقية مشتركة مع سوريا، وهو حين يقدم على ذلك، فإن هذا يعني ان الانتفاضة ستتقدم ببرنامج السلام الشامل كعنوان سياسي لها، وهو ما يمكن ان يغير قواعد اللعبة. ويبدو ان القاهرة لم تكن مرتاحة لمثل هذا التنسيق اذ طرح الاسد في القمة العربية الاخيرة «معاقبة» شارون بقدر ما طرح مبارك اعطاء «فرصة» له، بالطبع لم يتطور هذا التباين الى استقطاب، لكن كان واضحا ان الورقة المصرية الاردنية لاتهدف في حقيقة الامر الا للتهدئة، كما ان الانتقادات السورية لهذه الورقة لم تكن خافية، اذ لم تر فيها دمشق على الارجح الا محاولة عبثية لاستجداء السلام من شارون، والالتفاف على خيار الانتفاضة الا ان الاستراتيجية السورية مازالت، رغم علاقتها المميزة مع حماس والجهاد والمعارضة الراديكالية الفلسطينية في الداخل والخارج، متعثرة في شقها الفلسطيني بسبب تردد عرفات حتى اليوم عن ابرام الميثاق السياسي المشترك مع دمشق والذي مهدت له الاتصالات السورية ـ الفلسطينية ولايقوم اساسا الا على ثوابت منظمة التحرير الفلسطينية نفسها، ولعل تجاوز عرفات لتردده، واعلانه الرسمي وليس الخطابي بنهاية اوسلو والعودة الى قرارات الشرعية الدولية وتنفيذها على مختلف الجبهات، هو ما من شأنه ان يحدث اختراقا في «ستاتيكو» الوضع القائم، ويخرج القيادة الفلسطينية «رسميا» وليس «كلاميا» مما افضى وانتهى اليه اتفاق اوسلو، كما يعيد الاعتبار لمفهوم السلام الشامل والعادل والامن الذي يتطلب تنسيقا سياسيا فلسطينيا وسوريا ولبنانيا فعالا، يعيد ترتيب موازين القوى وفق المصلحة العربية. بقلم: جمال باروت