تشكل كلمة ارييل شارون امام الكنيست الاسرائيلى يوم 22سبتمبر1982 وكان يشغل حينذاك منصب وزير دفاع اسرائيل ادانة واضحة له فيما يتعلق بدوره فى مذابح صبرا وشاتيلا، فقد قال «اننا لم نرسل افراد القوات الاسرائيلية الى داخل المخيمات (صبرا وشاتيلا) حفاظا على ارواحهم وطالما انه يوجد آخرون يمكنهم تنفيذ هذه العملية. كان هذا التصريح كافيا فى حد ذاته لكشف دور اسرائيل ودور شارون تحديدا فى هذه المذابح وهى العملية التى اطلق عليها اسم «العقل الحديدي» والتى راح ضحيتها ما لا يقل عن الفى من الفلسطينيين واللبنانيين المدنيين واعتبار عدد مماثل فى عداد المفقودين خلال المذبحة التى استمرت اكثر من ثلاثين ساعة وبدأت مساء الخميس 16 سبتمبر 1982 فى بيروت الغربية. ويكشف الكاتب الصحفى أمنون كابيلوك فى كتابه الذى اصدره فى اعقاب المذبحة بعنوان «صبرا وشاتيلا.. تحقيق فى مذبحة» النقاب عن ان شارون حضر بنفسه الى بيروت الغربية عقب غزو قواته لها ليقود عملية المذبحة بنفسه من مقر قيادة اقيم فى اعلى بناية تشرف على المخيمين والتى سبقها قيام القوات الاسرائيلية بقصف مكثف للمخيمات من الخارج. ويرى كابيلوك ان اغتيال الرئيس اللبنانى المنتخب بشير الجميل الذى وصف الفلسطينيين فى تصريح ادلى به لمجلة «لونوفيل اوبوزرفاتور» الفرنسية قبل مصرعه بأيام بأنهم «شعب زائد عن الحاجة فى الشرق الاوسط»، والذى تعاون مع اسرائيل طوال سنوات الحرب الاهلية اللبنانية كان نقطة البدء فى تنفيذ المخطط الذى اعده شارون لغزو بيروت الغربية. ويلخص أمنون كابيلوك المخطط «المعد سلفا والذى اتخذ قرار تنفيذه ثلاثة من كبار المسئولين دون الرجوع للحكومة الاسرائيلية هم مناحم بيجن رئيس الوزراء واسحاق شامير وزير الخارجية وارييل شارون وزير الدفاع» بقيام اسرائيل بتسهيل دخول ميليشيات الكتائب اللبنانية وغيرها من الميليشيات المسلحة الى المخيمين بعد فرض حصار عسكرى اسرائيلى عليها والضغط لسحب مشاه البحرية الامريكية والقوة الفرنسية فى قوات الطواريء الدولية من لبنان قبل بدء تنفيذ المذبحة. كما يشير الى قيام اسرائيل بنقل عتاد حربى من خلال جسر جوى فى مطار بيروت وتزويد القائمين بالمذبحة بصور للمخيمين التقطت جوا وبمعلومات محددة قدمها عملاء اسرائيليون سبق زرعهم داخل صبرا وشاتيلا وبوضع علامات على الطرق والمنازل لتسهيل المهمة على القائمين بها. ويقول كابيلوك انه فى الخامس عشر من سبتمبر1982 عهد الي الجنرال امير درورى قائد المنطقة الشمالية بتنفيذ العملية فعقد اجتماعا مع الجنرال رفائيل ايتان رئيس الاركان وفادى افرام قائد عام الميليشيات المسيحية والياس حبيقة مسئول الاستخبارات فيها. واتفق خلال الاجتماع على ان تتولى الميليشيات اللبنانية وحدها المهمة وحظر على القوات الاسرائيلية دخول المخيمات كما طلب من افرادها ان يلزموا الصمت تماما ازاء ما يجرى داخلها. كانت اسرائيل تبرر دوما غزوها لبيروت الغربية بالرغبة فى منع المذابح والفوضى بعد اغتيال بشير الجميل وهو ما اكده مناحم بيجن للمبعوث الامريكى موريس درابر الذى حضر للوقوف على حقيقة ما يحدث. الواقع ان اسرائيل كانت تهدف الى ترويع الفلسطينيين وحملهم على الهجرة الجماعية الى خارج لبنان بعد رحيل القيادات الفلسطينية الى تونس واستغلت فى ذلك مثلما يقول مؤلف الكتاب مشاعر العداء والكراهية التى تكنها الميليشيات المسيحية «الكتائب اساسا والنمور وحراس الارز وبعض انصار سعد حداد» للفلسطينيين ومن ثم عملت على تمكينهم من دخول المخيمات. وقامت اسرائيل طوال الساعات التى استغرقتها المذبحة باطلاق الصواريخ المضيئة على المخيمين لتمكين الميليشيات من اتمام المهمة «مثلما يقول المؤلف» كما قام افراد القوات الاسرائيلية المحاصرة لصبرا وشاتيلا باعادة الفارين من المذبحة الى داخل المخيم وهو ما يعد امتناعا عن تقديم المعونة الانسانية الى مدنيين فى وقت المنازعات والحروب والذى يستوجب معاقبته بنص القانون الدولي. ولم تنسحب اسرائيل من بيروت الغربية الا بعد اتمام المذبحة و تحت زيادة الضغوط الدولية لاسيما الامريكية فى التاسع والعشرين من سبتمبر 1982. مرور عشرين عاما على وقوع مذبحة صبرا وشاتيلا لا ينفى عن اسرائيل رغم اصرارها على النفى تورطها فيها او يعفيها من تحمل المسئولية عنها اذ ان بنود معاهدة درء وقمع جريمة المذابح الجماعية التى اقرتها الجمعية العامة للامم المتحدة فى قرارها رقم (260أ) الصادر عام 1948 تنص صراحة على ضرورة معاقبة كل من شارك فى المذابح الجماعية واتفق على تنفيذها وحث على اقترافها بشكل مباشر وثبت تواطؤه فيها . ومثلما هو معروف اقرت الجمعية العامة للامم المتحدة فى عام 1968 معاهدة بمقتضى القرار رقم 2391 تنص على عدم سقوط جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية بالتقادم أيا كان التاريخ الذى ارتكبت فيها.. الى جانب ما تنص عليه معاهدات جنيف والبروتوكولات الملحقة بها من ان الامتناع عن تقديم مساعدة انسانية للمدنيين فى وقت الحروب والمنازعات يعد جريمة يعاقب عليها القانون الدولى.. وجريمة صبرا وشاتيلا وغيرها من الجرائم والمذابح لن تسقط ابدا بالتقادم. أ.ش.أ