موسكو تحاول استغلال والتر ليبمان، جهاز الكي جي بي يعلم المخابرات الالمانية التجسس على الاعلاميين في الفصل الأخير من كتاب «اسرار فينونا» يتناول المؤلفان رومرشتاين وبريندل اسلوبا شائعا لدى اجهزة المخابرات، وهو محاولة استغلال الصفة الصحفية للاشخاص واستخدام الصحفيين في انشطة المخابرات. ويرى المؤلفان ان هذا سلاح ذو حدين بالنسبة لاجهزة المخابرات، فالصحفيون تتجمع لديهم في الغالب معلومات حساسة من المصادر الحكومية، ولكنهم ايضا يستطيعون ان يدبجوا تقاريرهم للترويج لوجهة نظر معينة. وقد كان جهاز المخابرات السوفييتية يقدر دائما تلك الميزات، وعندما كان الجهاز في السابق يحمل اسم ادارة المخابرات الخارجية فان تلك الادارة استخدمت بنجاح الصحفيين الشيوعيين في الغرب اثناء الحرب العالمية الثانية. وفي السنوات التي سبقت الحرب كان لديها جمع من المرشحين للتجنيد وبث عدد منهم بين محاربي الألوية الدولية في الحرب الاهلية الاسبانية وكان من بين هؤلاء صامويل كرافسور، الذي عمل في وكالة انباء «تاس» السوفييتية بعد عودته من اسبانيا. وفي مايو 1944 بعثت محطة التجسس في نيويورك رسالة الى موسكو هذا نصها: «بعد شهور من الدراسة نقترح استخدام موظف وكالة «تاس» صامويل كرافسور بالاسم الحركي «ياز» لزرع صحفيين في واشنطن، وهو عضو في الحزب الشيوعي وكان منضما الى الألوية الدولية في اسبانيا، كما انه مخلص تماما للاتحاد السوفييتي، وانجز اعمالا محدودة، كلفه بها ضابط المخابرات فلاديمير برافدين لجمع المعلومات». وتوقعت الرسالة التي كشفت عنها وثائق فينونا، ان يؤدي عمل «ياز» بين شبكة اتصالاته الواسعة الى الحصول على معلومات مهمة ودراسة حالات افراد لتجنيدهم في المخابرات. وكان من معارف كرافسور شخص يدعى جوزيف بيرجر السكرتير الشخصي لرئيس اللجنة الوطنية الديمقراطية، ولم يثبت انتماء بيرجر للحزب الشيوعي الامريكي على الرغم من ارسال معلومات غزيرة عنه الى موسكو. ولقد استطاع كرافسور من خلاله فتح نافذة لا تقدر بثمن على ما يدور داخل ادارة الرئيس روزفلت اثناء الحرب. وقد استطاع كرافسور، باعتباره مواطنا امريكيا، ان يتحرك في صفوف الصحفيين الاخرين، وان يحضر احيانا المؤتمرات المغلقة التي يعقدها المسئولون مع الصحفيين وغير القابلة للنشر. وفي 17 اغسطس 1944 حضر احد هذه المؤتمرات والذي عقده وزير الخارجية الامريكي آنذاك كورديل هال للتحدث الى الصحفيين حديثا خاصا ليس للنشر، وقام كرافسور على الفور بنقل ما قاله الوزير الى ادارة المخابرات الخارجية السوفييتية، وكان الوزير قد ادان الجماعات التي كانت تحاول آنذاك عزل الاتحاد السوفييتي الامر الذي اسعد السوفييت بلا جدال فضلا عن سرورهم ببعض تعليقاته، مثل قوله للصحفيين: «ان اراءكم حول مزاج الروس وعاداتهم وسلوكهم يجب الا يكون لها اي دور في هذه القضايا.. قد تصدمكم الاساليب والنظام في الاتحاد السوفييتي بالنسبة لقضايا السياسة الداخلية، مع ذلك فان محاولتكم طرده من الساحة الدولية، سوف تؤدي الى عواقب وخيمة». البحث عن الطرائد يقول مؤلفا الكتاب ان ضباط المخابرات السوفييتية، اخذوا يجوبون مياه الصحفيين الامريكيين بحثا عن طرائد كبيرة، وقد وطد ضابط المخابرات الخارجية فلاديمير برافدين صلاته الخاصة مع الصحفيين وكان من بينهم الكاتب الصحفي الشهير والترليبمان الذي كان يلتقي به بانتظام. وربما كان ليبمان يخبر برافدين باشياء يعتبرها السوفييت مهمة، ولكن المخابرات الخارجية السوفييتية كانت تريد منه اكثر من ذلك، ولهذا فقد زرعت عميلاً لها في مكتب ليبمان. وفي سبتمبر 1944 قال ليبمان لبرافدين ان هناك خلافات بين روزفلت وتشرشل حول موضوع مستقبل ألمانيا بعد الحرب ودور بريطانيا في الاحتلال. وفي 9 سبتمبر ثم في 14 سبتمبر كررت محطة التجسس في نيويورك تقريرا لها الى موسكو يفيد بأن كرافسور تحدث مع بول وارد محرر صحيفة «بالتيمور صن» الذي اكد له ما ذكره ليبمان عن الخلافات بين روزفلت وتشرشل. وفي الوقت نفسه ذكر جوزيف بيرد محرر صحيفة «واشنطن ستار» المعلومات نفسها لموظف آخر في وكالة انباء «تاس» يدعى لورانس تود. وفي اكتوبر من العام نفسه، حصل كرافسور على تصريح ادلى به ايفريل هريمان السفير السفير الأمريكي لدى الاتحاد السوفييتي آنذاك، في اجتماع مغلق مع المراسلين الامريكيين وحدهم. وشرح هاريمان لاولئك الصحفيين خططا سوفييتية لاقامة دولة في بولندا تكون ألعوبة في يد الاتحاد السوفييتي، وقال لهم ان السوفييت يريدون وجود جيران موالين لهم، ويكنون لهم الصداقة، ولن يسمحوا بافساح المجال للعناصر المحترفة في الدول المتخلفة. وكانت وجهة النظر هذه التي عبر عنها دبلوماسي امريكي مهم عاملا مشجعا للسوفييت على التوسع والاستيلاء على تلك «الدول المتخلفة» التي نالت استقلالها منذ سنوات وتتمتع بمستويات معيشية وثقافية اعلى من الاتحاد السوفييتي. اما الصحفي الشهير والتر ليبمان فيذكر الكتاب انه كان واحداً من اكثر الصحفيين الامريكيين جدية واحتراما اثناء الحرب العالمية الثانية. وعلى الرغم من ان كثيرين كانوا لا يوافقونه على ما يكتبه في عموده الذي ينشر في العديد من الصحف، الا ان الجميع كانوا يدركون انه يتمتع بمصادر معلومات جيدة في ادارة الرئيس روزفلت. وكانت المخابرات الخارجية السوفييتية ايضا تعلم هذا، ولذلك فقد سعت لاستغلال ميزة ليبمان المتمثلة في صلاته الحكومية. ويدرك القارئ من بين سطور ما كتبه المؤلفان رومرشتاين وبريندل عن ذلك، ما يمكن ان يكون دفاعا عن الصحفي الامريكي الشهير، اذ يقولان انه بينما كان راغبا في مقابلة برافدين، ضابط المخابرات السوفييتية، واجراء مناقشات معه، فانه كان يعتقد ان هذا الضابط هو مراسل لوكالة انباء «تاس»، ومن المؤكد انه لم يكن ليعطيه معلومات حساسة لو كان يعلم صفته الحقيقية، ولكن المخابرات السوفييتية حلت هذه المشكلة بزرع عميلة لها كسكرتيرة للصحفي، اسمها ماري برايس، وقد تمكنت من نقل معلومات من ملفاته الى العميل السوفييتي المشرف عليها جاكوب جولوس منذ عام 1941. وفي يونيو عام 1943 اظهرت وثائق فينونا ان ماري برايس واسمها الحركي «دير» لم تكن مهمتها الحصول على هذه المعلومات فقط، بل كانت تحمل رسائل من ادارة المخابرات الخارجية السوفييتية الى عملاء في مكسيكو سيتي، عندما كانت تقوم بزيارة اخيها في المكسيك. موت صحفي يسرد الكتاب قصة تجنيد صحفي امريكي اخر متعاطف علنا مع الاتحاد السوفييتي وهو اي. اف. ستون. وقد حاول ضابط المخابرات برافدين الاتصال به ثلاث مرات، ولكنه فشل، فاستمر عميل المخابرات صمويل كرافسور في محاولة التجنيد، وقد حملت رسائل فينونا العديدة الى موسكو اخبار تجنيد ستون. وفي اكتوبر 1944 اخبر برافدين موسكو بأنه قابل ستون اخيرا، وذكر انه ظل يحاول لقاءه عدة مرات من قبل بنفسه او من خلال كرافسور ولكنه كان يتحاشى لقاء اي منهما. وقال ستون لبرافدين عندما التقيا انه كان يتحاشى لقاءه هو وكرافسور لانه خشي من نتائج ذلك لان محاولاتهما مقابلته كانت تفتقر الى الحذر. وعندما حاول برافدين تجنيده قال له ستون انه يجب ان يفهم انه لا يرفض مساعدته، ولكن يجب ان يدرك ان لديه ثلاثة اطفال، وانه لا يريد لفت انظار مكتب المباحث الفيدرالية اليه. وفي النهاية وافق هذا الصحفي على العمل لحساب المخابرات بانتظام وعلى الرغم من انه اخبر برافدين بأن حالته المالية جيدة، الا ان ضابط المخابرات اجابه بأنه لا يجب ان ينفر من ان يكون له دخل اضافي. وقد نجحت عملية تجنيد ستون اذ تكشف احدى وثائق فينونا في ديسمبر 1944 ان مجموعة من الصحفيين، من بينهم ستون، امدت برافدين بمعلومات مهمة عن خطط رئيس اركان القوات المسلحة الامريكية للتعامل مع الهجوم الالماني المضاد في معركة «بالج» واستئناف هجوم قوات الحلفاء. وفي العمود الذي كان يكتبه ستون اشتكى من ان صحيفة «نيويورك هيرالد تريبيون» تحدثت في عددها الصادر يوم 11 نوفمبر 1951 عن انشطته اليسارية. وتقضي التقاليد المهنية في عالم المخابرات بالا يعرف العميل اسمه الحركي، ولكن وثائق فينونا كشفت عن ان بعض العملاء كانوا يعرفونه في حالات خاصة وكان سيمون واحدا من الذين يعرفون اسماءهم الحركية وكان ذلك الاسم هو «بان كيك» وفي عام 1992 نشر صحفي بريطاني تقريرا صحفيا عن خطاب ألقاه في جامعة اكسترا مسئول سابق في الكي جي بي هو الجنرال المتقاعد اوليج كالوجين. وقد كتب الصحفي البريطاني اندروبراون في صحيفة «اندبندنت» البريطانية يقول عن هذا الخطاب ما يلي: «قال كالوجين ان كثيرا من الناس تقدموا بالعشرات متطوعين للعمل لصالح الاتحاد السوفييتي مع نهاية الحرب العالمية الثانية، وخاصة في فرنسا وايطاليا، ولكن الشيء المؤكد حقا هو ان جهاز الكي جي بي كانت له في الولايات المتحدة مصادر خطيرة جدا حتى اواخر الاربعينيات. وكانت سنة 1956 سنة حاسمة عندما القى خروتشوف خطابه السري الذي انهى فيه الستالينية. وقد تسرب هذا الخطاب الى الغرب، وكشف عن عمليات الاعدام الجماعية المرعبة في عهد ستالين وقد هز الخطاب دول العالم أجمع. وبعد عام 1956 ـ والكلام مازال للجنرال كالوجين ـ لم تستطع المخابرات السوفييتية تجنيد الناس اعتمادا على الاسس الايديولوجية. وكان غزو تشيكو سلوفاكيا عام 1968 ضربة قاصمة. ثم يقول رجل الكي جي بي «كان لدينا عميل ـ وهو صحفي امريكي شهير جدا ـ يتمتع بسمعة طيبة قد قطع علاقته بنا بعد عام 1956 ولكني اقنعته بنفسي باستئنافها معنا ولكنه قال بعد غزو تشيكوسلوفاكيا انه لن يأخذ منا اية اموال بعد ذلك أبدا». وعندما سحق الجيش السوفييتي محاولة التشيك لتنظيم ما أسموه «الشيوعية بوجه انساني» كتب ستون في مقاله في 23 سبتمبر 1968 يقول: «لقد ضاعت الآمال في وجود ديمقراطية في ظل الشيوعية» ولكن المؤلفين يقولان ان كل اهتمامه كان مركزا على ان تقوية المتشددين في موسكو سوف يشد من أزر المتشددين في واشنطن وفي السنوات التي سبقت غزو المجر كان ستون من المتحمسين لستالين وكتب يمجده عندما بلغ السبعين من عمره، واستخدم ستون عموده الصحفي ليشيد بعيد ميلاد ستالين ويقارن بينه وبين من أسماهم بالأقزام مثل ترومان وأتلي، وكان ستون ايضاً مفتوناً بكل من ماوتسي تونج ونهرو وتيتو، ولكنه كتب يقول «انه مازال امامهم طريق طويل قبل ان يصبحوا انداداً للثوري الصلب البارع القديم الذي حكم روسيا ربع قرن من الزمان». ويقول رومرشتاين وبريندل تعليقاً على مقال ستون انه اغفل ذكر حملات التطهير ومعسكرات السخرة والقتل الجماعي في عهد ستالين، وانه كتب مقالاً آخر بعد ذلك بأيام ينتقد فيه بشدة الرئيس الامريكي هاري ترومان ويعدد مساوئه. مهمة في موسكو تمثلت احدى تقنيات جهاز المخابرات السوفييتية في تسريب قصص للتضليل عبر القنوات العلنية المفتوحة مثل الصحف السوفييتية الرسمية وعندئذ يعاد نشرها لا من صحف الغرب الشرعية فحسب بل وايضاً عن طريق عملاء السوفييت الذين يؤكدون تلك القصص وفي يناير 1968 قبل غزو تشيكوسلوفاكيا نشر السوفييت مقابلة مع كيم فيلبي عميل الكي جي بي الذي فر من بريطانيا قبل ان يتمكن البريطانيون من اعتقاله وفي تلك المقابلة هاجم فيلبي النائب السابق لمدير مكتب المباحث الفيدرالية الامريكية ميلتون لاد وقال عنه «لقد حاول صاحب هذه الشخصية الغبية ان يقنعني بكل جدية بأن الرئيس فرانكلين روزفلت كان عميلاً للكومنترن» وكانت تلك زائفة ولكن ستون روجها كجزء من برنامج لتشويه سمعة مكتب المباحث الفيدرالية. وتحت عنوان «مهمة في موسكو» يقول كتاب «أسرار فينونا» ان الصحفيين ـ حتى على الرغم من كونهم شيوعيين معروفين ـ كانوا احياناً موضع ثقة الامريكيين ونتيجة لذلك كان باستطاعتهم الحصول على معلومات ذات أهمية للمخابرات السوفييتية ولا يستطيع اي مواطن سوفييتي حتى أن يأمل في الحصول عليها. كان ذلك حاصلاً في موسكو مثل حالة جانيت روس التي كانت عضواً في الحزب الشيوعي الامريكي وتعمل لحساب الكومنترن في الثلاثينيات والاربعينيات مع زوجها نات روس وفي اغسطس 1939 قررت سكرتارية اللجنة التنفيذية للكومنترن تكليف مراسل لصحيفة «ديلي ووركر» التابعة للحزب الشيوعي الامريكي لكي يعمل في القسم الصحفي في الكوفترن وأصبحت جانيت روس مراسلة لتلك الصحيفة في موسكو مما فتح لها الطريق الى الصحفيين الامريكيين، وكذلك الى الدبلوماسيين في السفارة الامريكية وكانت ترسل تقارير بأحاديثها مع هؤلاء الدبلوماسيين والصحفيين وسرعان ما تحول هذه التقارير بدورها الى مولوتوف وزير الخارجية السوفييتي آنذاك ومازال بعض هذه التقارير موجوداً حتى الآن في ملفات ارشيف الكومنترن ومن بينها تقرير عن حفل غير رسمي اقامه المراسلون الامريكيون في موسكو للسفير الامريكي وليام ستاندلي وحضره ايضاً الملحقون العسكريون ومن خلال المناقشات بين السفير الامريكي والمراسلين عرف الصحفيون ان طلب السوفييت فتح جبهة جديدة في اوروبا لم يلق قبولاً، وقد ساعدت هذه المعلومات على تأكيد البيانات الرسمية المرسلة الى السوفييت من حكومة الولايات المتحدة. كان شيئاً ذا قيمة فائقة ان يكون للاتحاد السوفييتي امريكي يستطيع فهم الامريكيين الآخرين، ويملك السبيل الى السفارة الامريكية والصحفيين الغربيين في العاصمة السوفييتية من ذلك مثلاً ان جانيت روس افادت انها حضرت عشاء أقيم في السفارة الامريكية دعى اليه الصحفيون الامريكيون فقط وسمعت الاحاديث التي دارت بين العسكريين الامريكيين وهؤلاء الصحفيين وقد اسر احد العسكريين بأن نجاح الامريكيين في حرب المحيط الهادي يعود الى امر بالغ السرية لا يعرفه الا عدد قليل جداً وقد عرف فيما بعد ان ذلك الامر هو نجاح الامريكيين في فك الشفرة اليابانية. وفي 8 مارس 1943 تمكنت جانيت من اطلاع السوفييت على وجهات نظر السفير وليام ستاندلي حول تمكن السوفييت من كشف مدى المساعدة الامريكية بناء على قانون الاعارة والتأجير وكشف تقرير جانيت الى مولوتوف ان السفير يتمتع بخبرة واسعة في مقابلة الروس الذين لم يكونوا يعلمون ان المواد الحربية التي كانوا يستخدمونها كانت من الامدادات الامريكية وكان السوفييت قد كشفوا ذلك. وفي اجتماع مغلق مع مجموعة صغيرة من الصحفيين الامريكيين اقترح السفير الامريكي ان يبذل الصحفيون كل جهدهم لارسال تفاصيل ذلك الموضوع الى شعبهم الامريكي رغم محاولات الرقابة السوفييتية لمنعهم من ذلك وقد ساعدت تقارير جانيت على زيادة تشدد السوفييت ازاء السفير وبعد ذلك بيومين ضغط هاري هوبكنز في واشنطن لاعفاء السفير ستاندلي على اساس انه فقد ثقة ستالين بسبب شكواه للصحفيين الامريكيين واستعان هوبكنز بالسفير السابق جوزيف دافيز لاقناع رئيس الجمهورية بعزل ستاندلي وعندما تقرر ذلك قدم ستاندلي استقالته وحل مكانه ايفريل هاريمان. ومع نهاية الحرب العالمية الثانية وبداية الحرب الباردة فقد السوفييت معظم رصيدهم الايديولوجي من الرجال، ولكنهم ظلوا محتفظين بالصحفيين الذين اعتبروهم على درجة عالية من الأهمية وقام جهاز الكي جي بي بتدريب اجهزة المخابرات الاخرى التابعة لها مثل جهاز «ستاسي» الألماني الشرقي على استخدام الصحفيين. وفي كتاب صدر عام 1992 وصف اثنان من ضباط ستاسي السابقين كيف تلقى اعضاء ادارتهم تعليماً على يد الكي جي بي في هذا المجال وقد اقتبس الضابطان في كتابهما فقرات من كلمة ألقاها عليهم الكولونيل رولف واجنبرت رئيس قسم الاجراءات الفعالة في جهاز «ستاسي» اثناء محاضرة في مدرسة التدريب التابعة له وفيما يلي بعض تلك الفقرات يقول الكولونيل رولف: «الصحفي الكفء والنشيط طول الوقت يتمتع بسمعة طيبة في المجتمع ويلقى تقدير السياسيين، وتلين عريكة كبار العسكريين في وجودهم ويسعى الفنانون المتعجرفون الى الاتصال بهم، ويحاول كبار الرؤساء الصناعيين كسب ودهم لتحقيق أهدافهم وبمجرد تجنيد مثل هذا الصحفي كجاسوس او قناة لنشر انواع معينة من المعلومات فإنه يستطيع ان يفعل اي شيء علنا، فهو قد يوجه أسئلة الى موظفين في مناصب حساسة وتتوفر لديهم معلومات سرية وذلك دون ان تتجه اليه الشكوك وقد يستطيع الصحفي حمل آلة تصوير صغيرة معه، وان يتجول في جميع أنحاء العالم، كما يمكنه ايضاً نشر معلومات تضليلية، او الايقاع بمنافس سياسي، ويستطيع خلق التعاطف او النفور وتعبئة الجمهور لصالح أمر ما او ضده وأنا أتحدث هنا بالطبع عن الصحفيين الغربيين».