تعددت الأسلحة التي استخدمتها ادارة المخابرات الخارجية السوفييتية والتي اعتمدها الشيوعيون في ضرب اعدائهم السياسيين في الجماعات العرقية المختلفة، وكان أحد هذه الاسلحة هو سلاح الدعاية، ثم لجأت المخابرات إلى استخدام أداة أخرى تعمل كواجهة للشيوعيين، وهي منظمة العمال الدولية، وذلك لتحقيق الاختراق لتلك التجمعات. وكانت تلك المنظمة تضم عشرات الآلاف من الأعضاء الأجانب المولودين في الخارج والمنقسمين الى جماعات من حيث الجنسية. وكانت المنظمة مصدراً قيماً لأوراق المواطنة وشهادات الميلاد والعمودية، وهي كلها أوراق يمكن استخدامها في الحصول على جوازات سفر للعملاء السوفييت. ومنذ إنشائها في عام 1930 كانت خاضعة لهيمنة الحزب الشيوعي الامريكي، وبدأت عندما انشقت مجموعة بقيادة شيوعيين مع حلقة العمال بقيادة اشتراكية وهي منظمة يهودية. وقد اتهم الشيوعيون تلك الحلقة بأنها «تجمع للمدافعين عن الاشتراكية الديمقراطية» واطلقوا عليها اسم «البورجوازية الصغيرة الاشتراكية الديمقراطية». وسرعان ما انضم الى الخمسة آلاف منشق، ستة آلاف مجري، وأربعة آلاف سلافي، وتسعة آلاف روسي، وهي جماعات ذات قيادات شيوعية، شكلت جبهة أكبر بكثير من الحزب الشيوعي. العزف على أوتار بولندية في تقرير إلى الكومنترن عام 1932 ذكر س. جوسيف، ممثل الكومنترن في أمريكا، ان منظمة العمال الدولية هي «منظمة جماهيرية تحت سيطرتنا» ذكرت نشرة وزعت على الأعضاء في السنة نفسها ان عضو المنظمة الدولية «يجب ان يدعم الحزب الشيوعي، وهو الحزب الوحيد الذي يقف وراء الاتحاد السوفييتي، ويحاول تنظيم العمال وقيادتهم بأسلوب يتيح للعمال أيضاً أن يحكموا هذا البلد». وفي أواخر الثلاثينيات، اسندت رئاسة الفرع البولندي لمنظمة العمال الدولية الى عضو قديم في الحزب الشيوعي هو بولسلو جيبرت، الذي كان قد مثل الحزب الامريكي في المؤتمر الثاني عشر للجنة التنفيذية للكومنترنت وكان عميلاً للمخابرات السوفييتية، ذكرت وثائق فنيونا ان اسمه الحركي هو «أتامان» وكانت من المهام التي كلفته بها إدارة المخابرات الخارجية السيطرة على أوسكار لانج غير الشيوعي الذي كان مفترضاً ان يتولى زعامة بولندا. وقررت ادارة المخابرات الخارجية ان يحمل الاسم الحركي «فريند» أي «الصديق». وكان السوفييت على يقين من أنه سوف يلعب دوراً سياسياً في بولندا في المستقبل، ولذلك كان من الضروري استغلاله. وكان لانج مواطنا امريكياً، ولكنه عين سفيراً لبولندا في الولايات المتحدة عام 1945 من قبل الحكومة البولندية، المؤقتة، وعرف عنه انه موال للاتحاد السوفييتي، ولكنه ليس عضواً في الحزب الشيوعي. وطبقا لرواية آرثر بليس لين، السفير الامريكي السابق في بولندا، فإن لانج اخبره بان تعيينه سفيراً لبولندا تم بناء على ترشيح قوي من جوزيف دافيز، الموالي للسوفييت والسفير الامريكي السابق في الاتحاد السوفييتي، وعلم آرث لين فيما بعد ان ستالين نفسه اقترح على هاري هوبكنز في يونيو 1945 ترشيح لانج. ومن المعروف ان هو بكنز كان مساعد وزير الخزانة الامريكية وعلى علاقة وثيقة بالدوائر العليا في إدارة الرئيس روزفلت، وقد القينا الضوء على قصته في موضع سابق من مناقشتنا لهذا الكتاب. وكان لانج قد أخبر ادارة المخابرات الخارجية السوفييتية في اغسطس عام 1944 بان الزعيم البولندي الديمقراطي ستانسلاف ميكولايتشك قد يتولى الحكومة البولندية، المؤقتة، ولذلك فلا حاجة تدعو الشيوعيين الى تقديم تنازلات جدية لتحقيق ذلك الهدف. وفي الوقت نفسه أرسل جيبرت، رئيس الفرع البولندي لمنظمة العمال الدولية، في مايو 1944 ، تقريراً الى موسكو يفيد بأن لانج يتمتع بصلات مهمة في الدوائر السياسية الاشتراكية والتشيكي والامريكية. وفي الشهر التالي حولت المخابرات الخارجية جيبرت الى عميل سري يحمل الاسم الحركي «سليم خان» للاشراف على لانج. وبحلول شهر يوليو ابلغ جيبرت المخابرات بأن لانج عرفه بصحافي كشف له عن تفاصيل حديث له مع الزعيم البولندي غير الشيوعي ستانسلاف ميكولايتشك، الذي كان السوفييت يحاولون استغلاله. وقدم لانج كذلك نسخة من التقرير الذي رفعه الى وزارة الخارجية حول رحلة قام بها الى الاتحاد السوفييتي ومحادثاته مع ستالين. وفي شهر أغسطس ارسل جيبرت تقريراً آخر يفيد أن لانج حظي بتوصية الى ميكولايتشك من الزعيم التشيكي ادوارد بنيس، جوهرها انه جدير بان يكون عضواً في الحكومة البولندية المقبلة. وقد اتضح فيما بعد ان لانج استغل بنيس ليكتب هذه التوصية. وينتقل مؤلفا كتابنا الى فرع آخر لمنظمة العمال الدولية وهو فرع اوكرايينا برئاسة عميل سوفييتي آخر، هو ميخائيل تكاش رئيس تحرير الصحيفة الشيوعية «ديلي نيوز الاوكرايينية» وتفيد رسائل فينونا انه كان يحمل الاسم الحركي «بيرش» وقد كلف في يوليو 1943 باستغلال المهاجر الاوكراييني فلاديسلاف ببيروفتش الذي يعمل في ادارة الدفاع الوطني الكندية، والمتعاطف مع الاتحاد السوفييتي، وفي يونيو 1944 تحول تكاش ـ مثل جيبرت ـ الى عميل سري يحمل الاسم الحركي نفسه «سليم خان» وكان من الواضح من ذلك الاسم انه مسئول عن العمل بين الجماعات العرقية في الولايات المتحدة. أسرار مفكرة الجنرال بعد ذلك يتناول المؤلفان قصة جاسوس آخر يعتبر أنه اكثر اهمية، كان يمارس نشاطه في الدوائر اليهودية، وهو ألبرت يوجين كاهن، الذي ولد في لندن في 11 مايو 1912. وأفادت معلومات مكتب المباحث الفيدرالية الامريكية انه كان عضواً في الحزب الشيوعي خلال الاربعينيات، ثم اصبح رئيساً للقسم اليهودي في منظمة العمال الدولية، المعروف باسم «جماعة أخوة الشعب اليهودي» في عام 1944. وقد قدمت جاسوسة للسوفييت اسمها اليزابيث بنتلي معلومات الى مكتب المباحث الفيدرالية الامريكية في عام 1945 عن ألبرت كاهن وذكرت انها تعرفت عليه في يناير 1942 وبعد ذلك كانت تقوم بجمع رسوم العضوية في الحزب الشيوعي منه لانه كان يدفعها على الرغم من عمله في المكتب اليهودي بالحزب، ويدفع هناك رسوماً أخرى ايضاً. ولايضاح ذلك يقول المؤلفان ان بعض عملاء السوفييت كانوا يدفعون رسوماً لا لفرع حزبهم فحسب بل وأيضاً لوحدة العمل السري المنتسبة الى جهاز المخابرات السوفييتية. وبعد عدة سنوات، في يونيو 1960 كتب رئيس جهاز الكي. جي.بي مذكرة للجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفييتي يوصي فيها بتكليف ألبرت كاهن، الذي كان في موسكو آنذاك، بوضع كتب يهاجم فيه الان دالاس مدير وكالة المخابرات المركزية الامريكية، وعندما ظهرت تلك الوثيقة في ارشيف الملفات السوفييتية اتصل مسئولو المشروع العالمي لتأريخ الحرب الباردة في واشنطن بابن كاهن، ويدعى بريان، الذي نفى أن يكون قد تم اتصال بوالده بشأن تأليف الكتيب المذكور للسخرية من الان دالاس. وعلى الرغم من ان البرت كاهن لم يقم بذلك بالفعل إلا انه كتي عدداً كبيراً من الموضوعات التضليلية التي عملت المخابرات السوفييتية على نشرها للتمويه، وهو أسلوب معهود لدى أجهزة المخابرات في العالم، كما انه ساهم في حملة تضليل مماثلة نظمها جهاز الكي جي بي في فترة سابقة، عندما قرر الجهاز تشويه سمعة ميجور جنرال روبرت جرو، الملحق العسكري في السفارة الامريكية في موسكو. وقام العملاء السوفييت بتصوير مفكرته الشخصية، وكان هؤلاء العملاء يعملون في السفارة. ولكن من الضروري اخفاء مكان تصوير المفكرة حماية لاولئك العملاء، ولذلك أرسلت المفكرة الى وزارة أمن الدولة في ألمانيا الشرقية المعروفة باسم (ستاسي)، واستخدمت ستاسي عميلا لها وهو موظف بريطاني سابق اسمه ريتشارد سكوايرز لتقديم مقتطفات مختارة من المفكرة لنشرها في كتاب، وحتى يخفي المصدر السوفييتي لتلك المقتطفات ادعى سكوايرز انه حصل على المفكرة عندما كان الجنرال جرو في المنطقة الالمانية التي يحتلها الحلفاء، وذكر اسم مدينة فرانكفورت باعتبار ان التصوير تم فيها. وقد ساعد ذلك الزعم ايضا على تحقيق الهدف ضد الجنرال جرو، لانه كان يشير الى أنه خالف التعليمات الامنية بحمله مفكرته معه الى المانيا بدلا من تركها من مكان آمن في السفارة الامريكية في موسكو. وتعمد كتاب سكوايرز تشويه مادة مفكرة جرو، واضاف موضوعات اخرى للتضليل، ونشر الكتاب في ألمانيا الشرقية من دون ان يذكر شيئاً عن مصدر المعلومات، غير ان سكوايرز زعم بدلا من ذلك انه تلقى المفكرة من صديق قديم ـ لم يذكر اسمه ـ كان يعمل مراسلاً لصحيفة لندنية في برلين، وأن الصحافي البريطاني المزعوم تسلم المفكرة بدوره من ضباط امريكي مزعوم في فرانكفوررت. اما المصدر الحقيقي فهو مخابرات «ستاس» الالمانية الشرقية التي تلقتها من جهاز الكي جي بي السوفييتي. وكان الموضوع الرئيسي لكتاب سكوايرز يشير الى ان الجنرال جرو كان يتآمر لشن حرب ضد الاتحاد السوفيتي. وكان المفروض ان يكون الكتاب قد ترجم عن طبعة باللغة الانجليزية بعنوان «الطريق الى الحرب» ولكن لم يكن الأمر على هذا النحو اطلاقا. وفي يوليو عام 1952 نشر كاهن كتيبا بعنوان «مفكرة الجنرال جرو كما كشف عنها ميجور ريتشارد سكوايرز مع مقدمة كتبها ألبرت كاهن». وكان من الواضح ان كاهن لم ير على الاطلاق الكتاب الالماني، واشار في كتابه الى «عمليات جرو للتجسس في الاتحاد السوفييتي وجهوده المحمومة لإشعال حرب عالمية ثالثة». وكان جرو مسئولا عن جميع معلومات عامة عن النشاط العسكري السوفييتي باعتباره ملحقاً عسكرياً، وكذلك يفعل الملحقون العسكريون السوفييتي الشيء نفسه، بل وفي الغالب يديرون شئون عملاء التجسس. ويقول مؤلفا الكتاب ان الجنرال جرو لم توجه إليه تهمة تجنيد جواسيس، ولكن المقتطفات التي أشارت إلى رغبته في اشعال حرب عالمية ثالثة، لم تكن غير منطقية فحسب، بل ولا تتفق مع وجهات نظر الجنرال أو السياسة الامريكية وبعد أن حوكم الجنرال جرو امام محكمة عسكرية وأدين، قدم استقالته من الجيش. واستفاد السوفييت، من القضاء على الحياة المهينة لضابط امريكي رفيع المستوى والاهم من ذلك استفادتهم من تشويه صورة امريكا. ولقد لعب ألبرت كاهن دوراً مهماً في مساعدة جهاز كي جي بي في هذه العملية. معالم الشخصية اليهودية يعود المؤلفان الى الحديث عن فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية وأسباب اهتمام السوفييت بنشاط المنظمات اليهودية الامريكية وصلاتها مع يهود أوروبا في وقت الحرب. ويرى المؤلفان ان السوفييت لم يكونوا يريدون وجود منافسة في مناطقهم الامبراطورية الجديدة، واعتبروا اليهود وصلاتهم بالغرب تهديداً لمصالحهم. وبعد ان يستعرض مؤلفا الكتاب المحاكمات وعميليات الأعلام التي جرت في بعض دول اوروبا التي سبق تعرضها للاحتلال النازي، يشيران ان الضحايا من الشيوعيين اليهود في اوروبا الشرقية لم يكونوا صهاينة ولا عملاء لامريكا، بل كان معظمهم يعملون ضم المقاومة السرية للنازيين خلال الحرب، ونشأت صلات بينهم وبين مسئولين امريكيين كانوا يساعدونهم في عمليات المقاومة ويساعدون الجماعات اليهودية الغربية التي كانت تعاون في انقاذ اليهود في المناطق المحتلة. غير أن الكتاب لاي ذكر شيئاً عن المسئولين الامريكيين وصفاتهم، وما اذا كانوا يعملون لحساب المخابرات الامريكية ام لا، بل يشير فقط الى ان تلك الصلات كانت ذريعة لستالين لكن يبيد العديد من الشيوعيين الذين لم يكونوا في الاتحاد السوفييتي اثناء الحرب. كذلك اعدم يهود غير شيوعيين ناشطين في الحركات الديمقراطية بسبب صلاتهم باليهود الغربيين، وعلى الرغم من ذلك استمرت المخابرات السوفييتية في استخدام اليهود كعملاء لها. ويستشهد الكتاب بدراسة سرية اجراها جهاز الكي جي بي عام 1986 عن تطور عمليات تجنيد اليهود الأجانب المرتبطين عرقيا بالاتحاد السوفييتي، وقد أعد تلك الدراسة الكولونيل أ. إيفانوف. وينقل الكتاب عن الدراسة الفقرات التالية: «في أحوال كثيرة يملك اليهود الذين يعيشون في الغرب والمرتبطون عرقيا بالاتحاد السوفييتي معلومات مخابراتية حيوية بحكم وظائفهم وطبيعة اعمالهم، فبعضهم يشغل مواقع اجتماعية وسياسية بارزة، ويلعب أدواراً مهمة في المجالات المالية والاقتصادية، وفي الاعمال، والمجالات التقنية العلمية، وهم يعملون في الحكومة ودوائر الدولة، وينشطون في الممثليات التجارية والدبلوماسية، وفي المؤسسات العسكرية، وفي المراكز العلمية والتقنية المهمة، والمؤسسات الاعلامية، ويملكون حرية الحصول على معلومات مخابراتية قيمة ويقتطف الكتاب فقرات أخرى من دراسة الكي جي بي حول اسباب تجنيد اليهود كعملاء في المخابرات السوفييتية. وتقول تلك الفقرة «ويحظى بأهمية خاصة المهاجرون اليهود الى الولايات المتحدة من موجة الهجرة الاولى (في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين)، ومن موجة الهجرة الثانية (من عشرينيات الى ثلاثينيات القرن العشرين)، وكذلك ابناؤهم وسلالاتهم الذين استمروا في الحفاظ على الروابط مع اقربائهم الذين يعيشون في الاتحاد السوفييتي. وكقاعدة عامة نجد انهم يشغلون مناصب مهمة في الدوائر الصناعية والمالية والعلمية ـ التقنية في البلاد، وكذلك في المنظمات الامريكية ـ اليهودية الكبيرة ـ ويعمل الكثير منهم في أماكن تعتبر أهدافا ذات اهمية قصوى للمخابرات: مثل وزارة الخارجية الامريكية، والكونجرس الامريكي، ووكالة الامن القومي، والبيت الابيض، ووزارة الدفاع وغيرها. ومن الملاحظات التي أبداها الكولونيل إيفانوف الذي اعد الدراسة ملاحظة توصي بإمكانية تجنيد اليهود بسرعة نظراً لوجود سمة فيهم غير مرغوبة ولا يحبذها رجال المخابرات، وهي سمة الانفتاح في علاقاتهم بأبناء بلدهم وبزوجاتهم، ويضيف ايفانوف قائلاً في دراسة: «يجب ان يكون اليهودي المراد تجنيده مقتنعاً بأنه يتعامل مع شخص ذكي ومتعلم وواسع المعرفة. وهذا امر إجباري لان مستوى النمو الثقافي لمسئول المخابرات واحد من العوامل الحاسمة في مدى هيمنته في عيون اليهودي المستهدف». ويشير الكولونيل ايفانوف الى بعض العناصر والصفات في شخصية اليهودي مثل «الغطرسة والغرور والمبالغة في تقدير الذات»، واضافت الدراسة ايضاً في رسم معالم الشخصية اليهودية قائلة ان تعطش اليهودي للثروة المادية، وجشعه للمال، وهيمنة المصالح الشخصية الانانية على سلم القيم الاخلاقية لديه، كل ذلك عوامل يمكن ان تلعب دوراً ايجابياً في اغراء اليهود بالتعاون مع المخابرات الخارجية في جهاز الـ كي.جي. بي.