يواصل الجيش السوري سحب قواته من مناطق التمركز في العاصمة اللبنانية بيروت وضواحيها لليوم الثاني على التوالي في اطار عملية اعادة الانتشار، بعد ان اخلت 14 موقعاً محيطة بمؤسسات حيوية كالقصر الجمهوري ووزارة الدفاع وثكنات تدريب الضباط اللبنانيين، وسط ترحيب لبناني رسمي وشعبي وارتياح مسيحي حذر انتظاراً للاجابة عن تساؤلات حول مدى ومدلول عملية الانتشار، فيما التزمت الصحف السورية الصمت. وانفرد العماد ميشيل عون القائد السابق للجيش اللبناني المنفي في باريس باعتبار اعادة الانتشار قليلة لتنفيس الاحتقان. وقال مراسل وكالة فرانس برس ان جنودا سوريين اخلوا فجرا بشكل تام او جزئي ستة مواقع اخرى بين منطقة بعبدا قرب العاصمة اللبنانية وقضاء المتن في شمال شرق بيروت. واخلت القوات الخاصة موقعا لها في العصفورية، مستشفى الامراض العقلية السابق، في الحازمية بالقرب من القصر الرئاسي في بعبدا. ويقوم جندي لبناني جاء من ثكنة مقابلة بالحراسة امام الموقع السوري الذي اخلي. وعلى الطريق المؤدي الى القصر الرئاسي انسحب جنود سوريون من مبنى كانت لا تزال امامه آليتان من صنع سوفييتي. وفي المكلس حيث تبدأ الطريق الى المتن حتى ضهور الشوير، البلدة الواقعة على ارتفاع 1300 متر على بعد 40 كيلومترا من بيروت، اخلت وحدات سورية موقعا لكنها ابقت على ثلاثة مراكز حراسة. واخيرا في ضهور الشوير حيث يفترض ان يتمركز قسم من الجنود الذين يخلون منطقة بعبدا ومدن المتن المسيحية اخلى الجنود السوريون موقعا بشكل كامل واخر جزئيا. وكان الجنود السوريون انسحبوا جزئيا من 12 موقعا الخميس في اليوم الاول لاعادة الانتشار. وقد اخلى مئات الجنود السوريين جزئيا مع عتادهم ومعداتهم مواقع في محيط القصر الرئاسي في بعبدا ووزارة الدفاع في اليرزة. وقال مصدر امني لبناني ان عملية اعادة الانتشار التي بدأتها القوات السورية العاملة في لبنان امس لم تنته وستستكمل خلال الايام القليلة المقبلة لتطال انسحابات من اماكن اضافية. وكانت القوات السورية قد اخلت 14 موقعا في مناطق الوروار والحدث والحازمية وبعبدا واليرزة جنوب شرقي بيروت ذات الغالبية المسيحية وحيث تقع مؤسسات لبنانية حيوية كالقصر الجمهوري ووزارة الدفاع وثكنات تدريب الضباط والجنود اللبنانيين. وجاءت عملية الاخلاء بعد وقت قليل من بيان لمديرية التوجيه في الجيش اللبناني قالت فيه ان القوات السورية ستقوم بعملية اعادة انتشار خلال الايام القليلة المقبلة من مناطق عدة في جبل لبنان وبيروت. ولكن حتى صباح امس الجمعة كانت القوات السورية لا تزال في مواقعها في بيروت وضاحيتها الجنوبية ومناطق المتن التي تعتبر جزءا من منطقة جبل لبنان. وقال مصدر امني لرويترز «عملية اعادة الانتشار لم تنته وستطال مواقع اخرى في بيروت وجبل لبنان خلال الايام القليلة المقبلة». وقال مراسل لرويترز في منطقة المصنع على الحدود اللبنانية السورية شرق لبنان ان قوافل وارتال من الدبابات والشاحنات العسكرية عبرت خلال الليل الحدود متجهة الى سوريا في الوقت الذي كانت الشرطة العسكرية السورية تنظم حركة مرورها. واشاد لبنان بعملية اعادة الانتشار المفاجئة لبعض القوات السورية في البلاد والبالغ قوامها 35 ألف جندي والتي بدأت امس بعد اشهر من الشكاوى المريرة من جماعات مسيحية في لبنان. وقالت الحكومة اللبنانية ان عملية اعادة الانتشار دليل على حسن نوايا سوريا. وقال وزير الاعلام اللبناني غازي العريضي في بيان عقب اجتماع لمجلس الوزراء ان «هذه الخطوة تؤكد على عمق العلاقة بين لبنان وسوريا». ووجه الشكر الى سوريا لمساعدتها لبنان على «تثبيت امنه واستقراره». ورأى شهود عشرات من شاحنات النقل العسكرية وهى تحمل دبابات ومعدات اخرى متجهة الى الحدود السورية على الطريق الذي يربط بين بيروت ودمشق بينما كان افراد من الشرطة العسكرية السورية يقومون بتنظيم حركة المرور لتسريع مرورها عبر بلدة قرب الحدود. وفيما تركت عملية اعادة الانتشار ردود فعل متباينة على الساحة السياسية اللبنانية فقد لزمت دمشق الصمت حيالها كما لم تشر صحيفة الثورة السورية وهي الصحيفة الوحيدة التي تصدر امس الجمعة الى العملية باي اشارة. لكن صحيفة النهار اللبنانية نقلت عن اوساط قريبة من السلطة في دمشق قولها ان اعادة الانتشار تستكمل الان بعدما صمتت الاصوات التي ارتفعت في الاشهر القليلة المنصرمة مطالبة سوريا باعادة نشر جيشها تمهيداً لسحبها من لبنان. وقالت الصحيفة ان سوريا لا تريد ان تظهر العملية وكأنها «استجابة لضغط بعض الاطراف اللبنانية». ومن جهتها اعتبرت صحيفة النهار انه «يصعب تكوين صورة واضحة ونهائية لحجم اعادة الانتشار السوري» مضيفة انه «يؤشر الى انسحابات من ضمن اعادة انتشار لكن من دون الالتزام المعلن مسبقا بتنفيذ اعادة الانتشار وفق ما نص عليه اتفاق الطائف». واشارت النهار الى ان «الغموض الذي يكتنف الخطوة يفرض تريثا في الحكم على مآل الخطوة النهائي، فاذا استمرت عملية الانسحابات نحو المتن الشمالي وبيروت فقد يكون ما جرى خاتمة مرحلة جديدة اما في حال الاكتفاء بما حصل فربما يؤشر الامر الى رغبة في احداث انفراج سياسي وامني واقتصادي جزئي». وحسمت «السفير» القريبة من دمشق الامر قائلة «بدأت القوات السورية عملية اخلاء بعض المراكز في ضواحي بيروت وبعض مناطق الجبل وذلك لسحب ورقة اعادة الانتشار من التداول السياسي». وكشفت الديلي ستار ان «البعض راى في بيان الجيش محاولة لطمأنة المعارضة المتنامية للوجود السوري». واعتبرت ان الاشارة في البيان الى منطقتي اليرزة، حيث مقر وزارة الدفاع، وبعبدا، القصر الرئاسي، تهدف الى اسكات الانتقادات التي وجهها خاصة مؤتمر للاساقفة الموارنة عام 2000 رأى في وجود مواقع تمركز للعسكريين السوريين في هذا القطاع مساسا بالسيادة اللبنانية. وتساءلت صحيفة «لوريون لوجور» الصادرة بالفرنسية عما اذا كان الامر يتعلق بـ«منعطف في السياسة السورية في لبنان» مشيرة الى انه وللمرة الاولى في تاريخ الوجود العسكري السوري اعلنت قيادة الجيش اللبناني اعادة الانتشار هذه. ورات صحيفة «ديلي ستار» الصادرة بالانجليزية في هذا الاجراء «غصن زيتون تمده سوريا لدائرة المعارضين، التي تزداد اتساعا، لهيمنتها السياسية والعسكرية على لبنان». وكان وليد جنبلاط زعيم الحزب الاشتراكي اللبناني قد اعلن ان هذه الخطوة تصب في صالح تعزيز الحوار الداخلي اللبناني وفي صالح التعزيز الايجابي للعلاقات اللبنانية السورية. ويبدو انها اتت نتيجة للخطوات التي يقوم بها الرئيس «اميل» لحود في تعزيز الحوار الداخلي». واضاف جنبلاط عند سؤاله عن دوره في الوصول الى هذه العملية «الموضوع عندي ليس موضوعا شخصيا فالمهم ان تكون العلاقة بين لبنان وسوريا سليمة وان يصب ذلك في صالح العلاقات الاخوية بين الدولتين اللبنانية والسورية». لكن قائد الجيش السابق الجنرال ميشيل عون قال في تصريح لتلفزيون المؤسسة اللبنانية للارسال من منفاه الذاتي في باريس انه يرى في الخطوة السورية «حيلة لتنفيس الاحتقان. انه مقلب لكن هذا المقلب لن يمر علينا لاننا عشناه عدة مرات وانا انصح اللبنانيين ألا يؤخذوا به». واضاف عون ان هذه الخطوة «ما هى الا عملية تجميل لصورة سوريا في لبنان ولتنفيس الاحتقان الحاصل حاليا خاصة انه لا مجال للحوار ولا للحلول». وقال لبنانيون مسيحيون اخرون ان الاختبار الحقيقي لنوايا سوريا لم يأت بعد. وقال عبده الاسمر ويعمل حلاقا في ضاحية بعبدا الجبلية حيث تحتفظ القوات السورية بقاعدة قرب القصر الرئاسي «هل يغير ذلك اي شيء.. لا أعرف». وتابع الاسمر «وجود السوريين هنا اصبح معتادا منذ فترة طويلة. ربما يفضي هذا الى شيء ولكنها مجرد بداية. واستعار جندي سوري بدا انه سعيد لهذه الخطوة هاتفا محمولا من الصحفيين واتصل بزوجته وابلغها انه سيعود في غضون ايام قليلة. لكن جنودا اخرين انتزعوا كاميرا من طاقم لتلفزيون رويترز واتلفوا الفيلم قبل ان يعيدوه. الوكالات