نشطت أجهزة التجسس الامريكية طوال العقد الماضي، في تتبع نمو سلاح البحرية الصيني. ومع ان البحرية الصينية لا تزال متخلفة ـ بمقاييس الدول الكبرى ـ الا ان الولايات المتحدة ظلت تراقب بشكل يومي تنامي ذلك السلاح وترصد كل جديد فيه، حتى لا تفاجأ ذات يوم بطفرة خطر لا يمكن تداركها بغير خسائر جمة. مما ازعج الولايات المتحدة كثيرا ان افلاس روسيا دفع بها لبيع كثير من قطع سلاحها للصين، لا سيما الصواريخ والرادارات المتقدمة التي تحتاجها الصين لتحديث بحريتها المتهالكة، ومع ان بيع الروس لاسلحتهم للصين بيع مشروع، ولا تستطيع الولايات المتحدة ان تحتج عليه، كما تحتج على بيع الصين تقنيتها النووية والصاروخية لدول اخرى كباكستان وايران مثلا، الا ان الولايات المتحدة بذلت جهدا خارقا لافشال صفقات بيع السلاح الروسي الى الصين، وظلت تتعقب ما يتم تنفيذه من تلك الصفقات، بغية تحليل وتقويم أثره على نمو الاسلحة الاستراتيجية الصينية. التمدد السلمي تهدف الولايات المتحدة من وراء ذلك كله، الى تحجيم موقع الصين الاستراتيجي في الاقليم الباسفيكي، بحيث لا تتمكن الصين من منافسة النفوذ الامريكي في ذلك الاقليم، من المنظور الامريكي فإن تصاعد النفوذ الصيني، يتم من خلال تصاعد نموها العسكري. لكن المنظور الصيني يختلف نوعا ما عن المنظور الامريكي، بحيث يتسع منظور الصين ليشمل جانب الترغيب بجانب التهديد، فالصين تهدف الى بسط نفوذها في ذات الاقليم بالترغيب قبل الترهيب، ان سلاح الترهيب سلاح مكلف قد لا تتمكن الصين من استخدامه بجدارة في هذا الآن. وستظل بحريتها متخلفة، وسلاحها الجوي متخلفا جدا، ربما لاكثر من عقد من الزمان. هذا يمكن تداركه كله في الظرف العاجل بتوطيد اسس حسن الجوار والتعاون مع دول المحيط الباسفيكي. وهذا ما شرعت الصين فيه منذ سنوات، وبزت فيه الولايات المتحدة، التي لا تزال تتردد في توطيد علاقاتها وزيادة معوناتها لبعض دول ذلك الاقليم. ففي كمبوديا مثلا انخرطت الصين في تقديم خدمات على مستوى البنية الاساسية للقطر بكامله، كما قامت بدعم التعليم واعطائه صبغة صينية ليقوم على اساس اللغة والثقافة التاريخية الصينية، وشعارات مناهضة للامبريالية، اسهمت الصين في انشاء عدة مصانع بكمبوديا لا سيما في مجال صناعة النسيج التي يقوم ربعها على الدعم الصيني، كما قامت الحكومة الصينية بحفر الآبار في الريف الكمبودي واسداء معونات فنية لتحديث الزراعة وأخيرا فقد تكللت تلك الجهود بنجاح واضح على الصعيد الدبلوماسي حيث قام لي بنج رئيس البرلمان الصيني، والرجل الثاني على صعيد القوة السياسية بعد جيانج زيمين، بزيارة الى كمبوديا شهدت عقد مزيد من الاتفاقات التحالفية التي توطد نفوذ الصين بكمبوديا، لعل ابرز معالمها اعتراض كمبوديا على اقامة محاكمات لمجرمي الحرب من الخمير الحمر الذين تلقوا معظم دعمهم سابقا من الصين. الدعم والعقاب لعل كمبوديا هي اجرأ جيران الصين الـ 12 سعيا للتحالف معها وإلا فإن القائمة تشمل بورما التي تقوم الصين حاليا بتنفيذ مشروعات تنموية عديدة فيها تشمل انشاء الطرق ومحطات توليد الكهرباء، وتشمل القائمة كلا من فيتنام ولاوس حيث نالت الصين امتيازات التنقيب عن المعادن في كل منهما، وتقوم بإنشاء الطرق وتقديم خدمات عدة. اما في كازاخستان فقد نالت الصين امتياز التنقيب عن النفط، وهو مشروع تبلغ تكلفته عدة بلايين من الدولارات، وتطمع الصين من وراء نجاحه ان تضمن لنفسها موردا نفطيا قويا من حدودها يكفي لتلبية حاجاتها المتزايدة للطاقة في ظل التناقص المضطرد في احتياطياتها النفطية، كما تطمع أن تتوطد على أثره بين الصين وبين ذلك القطر المنسلخ عن الاتحاد السوفييتي السابق. في معظم الأقطار المجاورة للصين تبدي الشركات الأمريكية ترددا كثيرا قبل الاقدام على الاستثمار فيها، كما تعاني بعض تلك الأقطار من عقوبات اقتصادية أمريكية ضدها، كما هو شأن بورما وكمبوديا وباكستان، وإذا كان اسلوب العقوبات الاقتصادية يعتبر لدى مخططي السياسات الخارجية الأمريكية اسلوبا أمثل لتحقيق نتائج ايجابية، بشأن تحويل مسارات الدول، وتعديل أنماط سلوكها السياسي، واخضاعها للمشيئة الأمريكية، فان ذلك الاسلوب الأخرق اصبح يكسب الصين مزيدا من الحلفاء كل يوم. مع الدول الكبرى لكن معظم التحالفات الجديدة التي تكسبها الصين، إنما هي دول صغيرة في الاقليم. وسيظل ينقص الصين، وسينقصها على مدى طويل تحقيق علاقات متينة بدول كبرى في الاقليم كالهند، وستظل تلك سلبية كبرى في علاقات الصين بمحيطها الاقليمي. فالهند دولة تنافس الصين في ثراء التاريخ، وأهمية الموقع الجغرافي، وتعداد السكان، وفي الشأن الأخير فقد بلغ تعداد سكان الهند بليون نسمة العام الماضي، وفي غياب سياسة رسمية لتحديد النسل في الهند، فهذا يعني ان الهند ستتفوق قريبا على الصين في تعداد السكان، ولا يخفى ان تعداد السكان يعد ميزة ايجابية تحسب للدولة في مجال العلاقات الدولية. لقد حققت كل من الهند والصين استقلالهما في وقت متقارب، وتمتعتا بعلاقات دافئة حتى 1962، حين انفجرت حرب الحدود بين القطرين، وانتهت بانتصار الصين، ولكنها لم تنته باغلاق ملف الخلاف الحدودي، الذي لا يزال مفتوحا حتى بعد مضي نحو أربعين عاما من انتهاء الحرب. هذا الخلاف يتغذى بسبب آخر، يتعلق بقيام الحلف الاستراتيجي الصيني الباكستاني، ومساعدات الصين العلمية، في تجارب الأسلحة النووية والصاروخية الباكستانية. إن من الصعب على الصين ان تتخلى عن باكستان لانها أقدم حلفائها وأوفاهم، كما يصعب على الهند حل خلافاتها الجذرية، مع باكستان، وهي الخلافات التي تتصاعد كلما تصاعدت الأزمة المزمنة، أزمة كشمير، وهكذا يصعب حل ذلك التناقض الاستراتيجي الأصيل بين الهند والصين. أهم الحلفاء يبقى على الصين بعد ذلك أن تسعى لكسب أهم أقطار محيطها الاقليمي، اليابان، ولعلها تكون بصدد ذلك قريبا. إن اليابان مع وقوعها في أسر الحلف الأمريكي، فان علاقاتها بالصين هي علاقات الاحترام التام. وتعتبر العلاقات الصينية اليابانية الآن هي الأشمل والأكثف من بين جميع علاقات الصين الثنائية بدول العالم الأخرى. كلا القطرين يحدوهما شعور عميق بضرورة تجاوز الماضي بمراراته الشنيعة، حيث تختزن الذاكرة الصينية مشاهد فجائع الاحتلال الياباني الذي أباد الصينيين كما تباد جموع الحشرات. إن الصين تلتقي مع الولايات المتحدة ودول الغرب الأخرى في ضرورة تحديد تسليح اليابان. ولكن من الناحية الواقعية الملحة، فان الصين أخذت تتجاهل تلك القناعة القديمة، وتغض الطرف عنها، بغرض احداث تناقض وتضارب ما بين المشاعر القومية اليابانية، وسياسات الولايات المتحدة تجاه اليابان. وهذا تفسير كثيرا ما احتار بعض المراقبين في تفسيره من تشجيع الصين لليابان لتخطي حاجز التسلح، وزيادة ميزانية الدفاع. من جانبها فإن اليابان لا تمانع في تصاعد ميزانية الدفاع الصينية، ومضي خطوات تحديث سلاحي البحر والجو الصينيين شوط إثر شوط. وكلما ذكر بروفيسور درفتي راينهارد المتخصص في شأن العلاقات الصينية اليابانية، فان اليابانيين لا يعتقدون ان الصين مهما تكدست ترسانتها بالصواريخ النووية، ستستهدف بلادهم بأي هجوم، إذ ان ذلك لا يشكل مصلحة لها. فمصلحتها الدائمة هي في تطوير علاقتها الايجابية باليابان، حيث تشكل تجربة النمو الاقتصادي الياباني أحد ملهمات ومصادر نجاح النمو الاقتصادي الصيني الحالي. في هذا الاتجاه السالك يتعين على الصين أن تبذل جهدها الأقصى، بهدف أن تحقق على المدى البعيد تفاهما استراتيجيا أعمق مع اليابان، وذلك على حساب التحالف الاستراتيجي الأمريكي ـ الياباني، المفروض فرضا على اليابان. د. محمد وقيع الله