ارتبطت وكالة الاستخبارات الامريكية (ء.ة.) منذ نشأتها عام 1947 بالكثير من الدسائس والمؤامرات على مستوى العالم، خاصة تجاه شعوب العالم الثالث وحركات التحرير الوطني والدول التي لا تقبل الرضوخ الكلي للارادة الامريكية، بما في ذلك بعض الحلفاء والاصدقاء الذين لم يسلموا من شرور هذه «الوكالة»! غير ان هذه المؤامرات والدسائس كانت تتم خلف الكواليس ووراء ابواب موصدة، ويبقى الكثير منها طي ملفات بالغة السرية واحيانا لا يظل الا ما تحتفظ به ذاكرة بعض من ساهم في التخطيط او التنفيذ، دون اي اثر مادي ملموس. لكن الجديد الملفت هو انتقال هذه الاعمال من السرية المطلقة الى المجاهرة بها وسط صخب اعلامي وكرنفال دبلوماسي دولي، اثناء الجولة الاستعراضية للمدير القديم الجديد للوكالة جورج تينيت ذي الاصول اليهودية البلقانية، والذي أمضى اسبوعا كاملا في المنطقة العربية قضى معظمه في فلسطين المحتلة. ولم يكتف «تينيت» بالمظاهر الاحتفالية لجولته تلك، بل اعلن ايضا، وبالصفاقة ذاتها الهدف المشبوه الذي جاء من اجله، وهو وأد الانتفاضة الشعبية الفلسطينية ضد الاحتلال الصهيوني وممارسة كل الضغوط والتهديدات لتحقيق هذه الغاية، بعد ان اصبح مستقبل الكيان الاسرائيلي ـ وليس امنه فحسب ـ معرضا للتهديد ومحل شك لدى الكثير من المستوطنين اليهود الذين بدأوا الهجرة العكسية الى خارج فلسطين بعد ان تملكهم الرعب من استمرار الانتفاضة وتنامي العمليات الاستشهادية التي ينفذها ابناء الشعب الفلسطيني الذي ظل يعاني، طوال ثمانية اشهر كاملة، كل انواع التنكيل والتقتيل على ايدي الغزاة والمعتدين الصهاينة، دون ان تقوم امريكا وادارتها الجديدة بأي تحرك جاد او تستنفر مثل هذا الحشد الدبلوماسي الكبير لوقف العدوان الصهيوني! ويدرك تينيت اكثر من غيره ما تعنيه مطالبه الوقحة باعتقال القادة الميدانيين للشعب الفلسطيني وانتفاضته المباركة، وهو ما يفسر اصراره على هذه المطالب ليحول الصراع عن اهدافه الحقيقية في مواجهة العدو الصهيوني، الى فتنة فلسطينية داخلية تحقق للعدو ما عجزت عنه آلته الحربية الضارية وحملاته التعسفية. وقد تضطر القيادة الرسمية الفلسطينية للتعامل مع هذه المطالب او بعضها، في ظل صمت عربي يصل حد التواطؤ وضغوط دولية تبلغ درجة المؤامرة. لكن تينيت وغيره يجب ان يدركوا ايضا ان الغضب الشعبي والاحتقان الذي بلغ مداه، حين ينفجر سيكون وبالا على الجميع.. من زرع الفتنة ومن تآمر معه ضغطا او تواطأ صمتا!! وحينها ستكون الخسارة اكبر والضرر اشد، على الصهيونية ومَنْ وراء الصهيونية. عبدالله اسحاق