ثمة تساؤل يطرحه المرء على نفسه وهو يرى مدير جهاز الاستخبارات المركزية الامريكية جورج تينيت يهرع الى المنطقة على عجل، لاعادة مايطلق عليه التنسيق الامنى بين الجانبين الفلسطينى والاسرائيلى، وكذلك وهو يدور بين دول المنطقة من اجل ايجاد اجماع على ضرورة ماتسميه الولايات المتحدة بوقف العنف، فهل جاء المسئول الامريكى الكبير عبثا ام من اجل تدارك انهيار أمنى على الجانب الاسرائيلى كاد ان يطيح بحكومة الارهابى ارييل شارون؟ ان هذا الاستنفار الامريكى لم يعد يأتى الى منطقتنا الا عقب كل مأزق تقع فيه اسرائيل، الأمر الذى يعيد الى الأذهان العديد من المواقف الامريكية الداعمة لاسرائيل على المستويين العسكري والسياسي وخاصة ماحدث عقب الانهيار الاسرائيلى الكبير على جبهات القتال فى الايام الاولى لحرب اكتوبر عام 1973، والمساندة العسكرية والاستخباراتية التى قدمتها بسخاء لمساعدة شارون فى احداث ثغرة الدفرسوار، تلك الثغرة التى ارادت بها واشنطن تحقيق توازن على الارض يمهد لما جرى فيما بعد من مفاوضات الكيلو (101) الشهيرة لوقف اطلاق النار، وماجرى بعد سنوات قليلة من زيارة السادات للقدس وما أعقب ذلك من تطورات مازالت تتابع فصولها فى الوقت الحاضر. تتدخل واشنطن هذه المرة بقوة، بعد ان كانت فى وقت سابق قد اعلنت اكثر من مرة انها تنوى رفع يديها عن المنطقة، تاركة لمن فيها التصرف فى شئونهم، معتبرة فى الوقت نفسه ان الادارة السابقة للبيت الابيض كانت منغمسة اكثر من اللازم فى عملية السلام الشرق أوسطية. مكيال امريكى ان هذا الاستنفار يضع الف علامة استفهام على الغرض الامريكى الجديد، فهل لو كان الفلسطينيون هم الذين نزلت بهم اقسى الضربات وقد حدث ذلك فعلا بل وحدث ماهو أكثر منه هل كانت الولايات المتحدة ستفعل اى شيء سوى غض الطرف وترك الامر مفتوحا لشارون كى يبيد العرب عن بكرة ابيهم؟ ولكن على الرغم من الاسى العربى من مواصلة واشنطن لانحيازها الدائم لاسرائيل، وكيلها المتواصل وفى كل الادارات التى مرت على البيت الابيض بمكيالين فى القضايا العربية والدولية أيضا، فان مايمكن قوله هو ان التحركات الامريكية العاجلة والضاغطة، جاءت دليلا على ان نظرية الامن الاسرائيلية حقيقة لا قولا شديدة الهشاشة، حتى ان عمليات استشهادية متفرقة مهما كانت درجة شدتها، تستطيع ترك آثار بالغة الخطورة على الكيان الاسرائيلى وأفراد مجتمعه القادمين من بلاد العالم المختلفة. وأى متابعة لما أحدثته العمليات الاستشهادية الاخيرة، والتى كان آخرها عملية تفجير المرقص فى تل أبيب، سوف تكشف بشكل واضح ان تفتيت هذا الكيان المدجج بالسلاح، والذى يحمل فى داخله العديد من التناقضات، يمكن ان يتم اذا تواصلت مثل تلك العمليات حتى ولو لم يتم عن طريقها ايقاع قتلى بأعداد كبيرة فى الجانب الاسرائيلى. فالصحف التى صدرت فى تل أبيب عقب الانفجار الأخير تحدثت عن عمليات نزوح كبيرة من اسرائيل الى دول جاء منها الصهاينة المستوطنون، ونقلت صحف صادرة فى الولايات المتحدة والدول الغربية على ألسنة هؤلاء الفارين، قولهم ان الناحية الامنية التى كان الناخبون الاسرائيليون لأجلها قد أدلوا باصواتهم الى جانب شارون الذى وعدهم انه سوف يوفرها قد ذهبت فى خبر كان، وان الأسواق الاسرائيلية قد أصبحت خالية تماما من المتسوقين بعد ان صار الخروج من المساكن يحمل معه خطورة شديدة، اذ ان التفجيرات التى يقوم بها ابطال المقاومة الفلسطينية قد طالت كل مكان، واصبحت محتملة فى كل وقت. فى الوقت نفسه شهدت السياحة الاسرائيلية أسوأ أيامها، وأنزلت التفجيرات الاخيرة وكذلك التوتر الدائم فى الاراضى المحتلة، ضربات قاسية بالموسم السياحى الذى كان يدر مليارات الدولارات للكيان الصهيونى، وكل هذه الاثار قد تركت بصماتها على مستقبل حكومة شارون الذى بات غامضا، بعد ان تزايد الحديث فى الشارع الاسرائيلى حول الخسائر التى نزلت باسرائيل منذ صعوده على رأس الحكومة، خاصة فى الجانب البشرى، اذ ان الاحصائيات تشير الى ان العدد الذى سقط بين قتيل وجريح خلال تلك الشهور القليلة، تجاوز ماسقط فى عهد أى حكومة سابقة، وان هناك قتلى آخرون مرشحون للسقوط على ايدى رجال المقاومة البواسل، مادام شارون على رأس الحكومة الاسرائيلية، ومادام متبعا لنهج شديد العدوانية ضد العرب وشديد الاستفزاز. من هنا فان الحديث عن ضربات موجعة، انزلتها المقاومة الوطنية الفلسطينية بالعدو الاسرائيلى، ليس ضربا من الوهم، بل حقيقة ناصعة كانت قد اكدت جدواها المقاومة الوطنية اللبنانية، حين اجبرت عملياتها البطولية الكيان الاسرائيلى، على الاسراع بسحب قواته من الجنوب اللبنانى، قبل عام من الوقت الحالى، وحتى دون الحصول على اى ترتيبات امنية ظلت اسرائيل تتحدث عنها لوقت طويل. هذا الانتصار الرائع الذى تحقق على ايدى ابطال المقاومة فى لبنان، يلوح مثيل له حاليا فى الاراضى العربية المحتلة فى فلسطين، حيث يتلقى العدو الصهيونى ضربات متتالية استهدفت اعادته الى صوابه، لدرجة انه لم يعد امامه الا تجريب العديد من الافكار التى يقدمها له المسئولون الامنيون فى الولايات المتحدة الامريكية، والتى كان اخر ماكشف منها، النية لانشاء جدار الكترونى يفصل مابين المناطق الفلسطينية التابعة للسلطة الوطنية والمستوطنات الاسرائيلية، وكان من بينها ايضا مانشر عن خطة قامت حكومة شارون بدراستها مؤخرا، وتقضى بتفكيك السلطة الفلسطينية الى اربعة كانتونات متباعدة، والتفاوض مع كل منها على حدة، والهدف الذى اعلنه الاسرائيليون انفسهم لذلك، هو اجبار الفلسطينيين على قبول العودة الى التفاوض من نقطة الصفر، بعد ان فشل استخدام شارون لطائرات الاف 16 فى اجبارهم على ذلك. وقاحة اسرائيلية وقد ترافق الكشف عن هذه المشاريع الصهيونية مع الحديث عن ضرورة معاقبة ياسر عرفات بسبب عدم قيامه بتلبية كافة المطالب الامنية التى طالبت بها اسرائيل مقابل منحه وفقا لما صرح به مساعد وزير الدفاع الاسرائيلى مكانا لاقامة سلطته، وكأن هذه الأرض التى احتلتها اسرائيل ليست أرضا فلسطينية، وكذلك تزامن هذا الحديث مع قول عدد من المسئولين فى الكيان الاسرائيلى بان هناك نية لدى شارون لمنع ياسر عرفات من التنقل بطائرته، وكذلك التفكير بطرده خارج الى الأراضى الفلسطينية المحتلة، وربما الى تونس. بضعة عمليات استشهادية نفذت فى العمق الاسرائيلى، فعلت كل هذا بشارون وحكومته وأفقدت الجميع فى اسرائيل توازنهم،فماذا سيحدث لو تواصلت تلك العمليات البطولية، وماذا لو قام آلاف الشبان الذين سجلوا اسماءهم، لدى المنظمات الفدائية، على قائمة الاستشهاديين، بتنفيذ عمليات جديدة، دفاعا عن كرامة وطنهم، وتنفيسا عن الضيق الذى يملأ صدور الشعب الفلسطينى المحاصر والمحارب فى لقمة عيشه، وكذلك الشعب العربى الذى يغلى فى صدره حقد لامثيل له ضد اسرائيل، بعد ان وصلت الاستفزازات التى قامت بها حكومة الارهابيين الصهاينة حدا فوق المحتمل. وفى الوقت الذى لايجد فيه الفلسطينى افقا أمامه للسلام، بعد ان اعطى هذا المشروع الوقت الكافى دون ان يتحقق له حلمه المشروع فى اقامة دولته المستقلة، ويجد فيه الغالبية من ابناء الشعب العربى ان السنوات التى تركت خلالها الفرصة لجهود التسوية السلمية لم تعد الا بمزيد من التعنت والغطرسة الصهيونية، فى وقت تزداد فيه وتيرة التطرف فى المجتمع الاسرائيلى، والتى توجت فى النهاية بصعود ارهابى قاتل مثل ارييل شارون الى رئاسة الحكومة، ليعلن بعد ذلك أجندته الهادفة الى اجبار العرب على التسليم بمنطقه الارهابى والقبول بما يمليه عليهم، وعندما تكون النتيجة فشلا ذريعا له ولسياسته العدوانية، يكون الدخول الامريكى على الخط، من اعادة التنسيق الامنى مع السلطة الوطنية الفلسطينية، وهو التنسيق الذى يكون المطلوب الرئيسى منه، هو اعتقال كل العناصر الوطنية التى ترفض التسليم للمشروع الهمجى الشارونى، وكأن المطلوب من السلطة الفلسطينية فى اطار هذا التنسيق سييء الصيت، هو العمل فى حراسة الاسرائيليين، وحمايتهم من أى عمليات للمقاومة. ولذلك فان المطلوب حقا من السلطة الوطنية الفلسطينية، وكذلك من منظمات المقاومة الباسلة تفويت الفرصة على الاسرائيليين والأمريكيين أيضا، عن طريق عدم الدخول فى معارك جانبية من المؤكد انها لاتصب فى المصلحة الوطنية للشعب الفلسطينى، بل ستكون مهما كانت درجتها فى صالح الصهيونية ومشروعها العدوانى التوسعى. بقلم: زكريا عبد الجواد ـ كاتب مصري