لم تأت انتفاضة الاقصى التي اندلعت اثر زيارة الارهابي ارييل شارون الاستفزازية للحرم القدسي الشريف في الثامن والعشرين من سبتمبر الماضي باعتبارها ردا انفعاليا من الشعب الفلسطيني على هذا الاستفزاز الخطير لمشاعر العرب والمسلمين، كافة وانما محصلة طبيعية لمجمل الظروف والاحداث التي سبقتها حيث اوصل الكيان الصهيوني عملية التسوية على المسار الفلسطيني الى مأزق حقيقي جعل من المفاوضات الفلسطينية الاسرائيلية مجرد مسرحية سخيفة لا هدف ولا نهاية لها يستخدمها الكيان الصهيوني فقط كغطاء لتحرير سياسته الهادفة الى تكريس الامر الواقع والتهرب من كل الالتزامات التي تفرض عليه عملية التسوية وفرض التصورات الاسرائيلية والامريكية على الشعب الفلسطيني الذي قدم تنازلات مؤلمة وكبيرة لتسهيل تطبيق قرارات ما يسمى بالشرعية الدولية رغم قناعته بأن هذه القرارات لاتعطيه حقه كاملا. وخلال مفاوضات كامب الثانية التي جرت بين رئيس وزراء العدو السابق ايهود باراك والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات اتضح للقيادة الفلسطينية والقوى السياسية الفلسطينية كافة ان الولايات المتحدة الامريكية التي رعت مفاوضات كامب ديفيد الثانية تسعى بالتنسيق التام مع الكيان الصهيوني الى تصفية القضية الفلسطينية بطريقة مذلة للشعب الفلسطيني الذي قدم وخلال قرن كامل من الزمن تضحيات جسام ولايزال يقدم الشهيد تلو الاخر من اجل استعادة حقوقه المغتصبة. ولذلك كان من الطبيعي ان ترفض القيادة الفلسطينية الوقوع في الفخ الذي نصب لها في كامب ديفيد بغض النظر عن النتائج التي يمكن ان تترتب على ذلك. وبعد اندلاع الانتفاضة التي كانت تعبيرا صريحا عن رفض السلطة الفلسطينية والشعب الفلسطيني بكل فئاته لاملاءات الكيان الصهيوني والولايات المتحدة حاول الارهابي ايهود باراك ان ينتزع من الفلسطينيين بالقوة ما عجز عن انتزاعه منهم في دهاليز كامب ديفيد فاندفعت آلة الحرب والعدوان الصهيونية وبضوء امريكي اخضر لتصفية حساباتها مع الفلسطينيين ظنا منها ان الشعب الفلسطيني الذي بقي وحيدا في المعركة سيحني هامته ويستسلم للترسانة الحربية الاسرائيلية التي انتصرت في اكثر من حرب على جيوش عربية عدة وراهن ايهود باراك وأركان حربه على امكانية كسر الشوكة الفلسطينية من خلال اطلاق العنان لقوات الاحتلال وفرض الحصار على الشعب الفلسطيني. الا انه لم تمض شهور قليلة حتى تهاوى جنرال الحرب الاسرائيلي ايهود باراك تحت ضربات الحجر الفلسطيني. ولان الفارق في ميزان القوى العسكري كبير جدا بين الطاقات العسكرية الفلسطينية والاسرائيلية كان لابد للشعب الفلسطيني من ان يلجأ الى وسائل نضالية مؤثرة تستطيع ان تعوض اختلال ميزان القوى بينه وبين عدوه التاريخي ولان التجربة النضالية الفلسطينية تجربة غنية وقديمة انطلقت في خضم الانتفاضة سلسلة من العمليات الاستشهادية التي فجر منفذوها الابطال انفسهم في اهداف صهيونية عديدة موقعين في صفوف العدو خسائر كبيرة جعلت العدو يشرب من نفس الكأس الذي يتجرعه الفلسطينيون مما افقده توازنه وجعله يلجأ الى اساليب التصفية الجسدية وعمليات الاغتيال الجبانة ضد رموز الانتفاضة الفلسطينية والناشطين فيها وارتكاب افظع الجرائم بحق الشعب الفلسطيني الاعزل مستندا في ذلك الى قوته العسكرية الكبيرة وحالة الصمت العالمي الرهيب الذي يوفره له تحالفه مع قوة امبريالية مهيمنة هي الولايات المتحدة الامريكية بالاضافة الى حالة العجز العربي التام وعدم وجود قوة عربية راغبة في ردعه. ومع وصول الارهابي ارييل شارون الى السلطة في الكيان الصهيوني بدا واضحا ان هذا الكيان ماض في طريق العدوان خاصة وان الشعارات الانتخابية التي رفعها هذا الارهابي لم تحمل اي تصور لحل سلمي عادل ومقبول وانما حملت توجهات عدوانية موغلة في التطرف تعبر بشكل دقيق عن الفكر الصهيوني الحقيقي الذي يستند على الارهاب والجريمة. ولانه يؤمن بمنطق القوة ومدين في عقليته لفلسفة الارهاب وعد ارييل شارون الاسرائيليين بعد وصوله الى السلطة بتوفير الأمن لهم ليس عن طريق السلام مع الفلسطينيين وانما عن طريق قهر الشعب الفلسطيني تماما كما توصيه كتبه التلمودية وتوراته المحرفة، الا ان الرد الفلسطيني على منطق القوة الشاروني هذا لم يتأخر كثيرا حيث ازدادات مقاومة الشعب الفلسطيني وازدادت العمليات الاستشهادية التي تمثل بالنسبة للفلسطينيين ما يمثله خيار شمشون بالنسبة للصهاينة والذي يعني اللحظة التي يقرر الصهاينة فيها استخدام ترسانتهم النووية، وأصبحت العمليات الاستشهادية الفلسطينية اشبه بالعين التي تقاوم المخرز الصهيوني. وخلال سلسلة من العمليات الاستشهادية البطولية راح الاسرائيليون وتحت مظلة القوة الشارونية يحصون مئات القتلى والجرحى في صفوفهم الامر الذي افقد العدو صوابه ودفعه الى استخدام كافة انواع الاسلحة بدءا من المدافع والدبابات مرورا بصواريخ ارض ارض وصولا الى استخدام طائرات الـ اف 16 الامريكية الصنع في قصف المدن الفلسطينية ومواقع السلطة الوطنية الفلسطينية اما هدف العدو من وراء ذلك فلقد كان يتمحور في اتجاهين اساسيين وهما: اولا: ايقاع اكبر عدد ممكن من الخسائر في صفوف المدنيين الفلسطينيين ظنا منه ان الخسائر الباهظة هذه ستقنع الشعب الفلسطيني باستحالة تحقيق اهدافه عبر الانتفاضة والمقاومة. ثانيا: زيادة الضغط على السلطة الوطنية الفلسطينية لدفعها لتقديم تنازلات او اضعافها بشكل كبير وتدمير الاقتصاد الفلسطيني من خلال تشديد الحصار وتخريب المزروعات الخ من الاجراءات التي تندرج تحت لائحة العقوبات الجماعية متجاهلا كل المواثيق والاعراف الدولية التي تحدد كيفية التعامل مع الاراضي المحتلة او المدنيين في زمن الحرب. الا ان هذه السياسة الاسرائيلية فشلت تماما ولم يستطع الكيان الصهيوني في كسر شوكة الانتفاضة التي ظلت تتزايد قوة الى ان جاءت عملية تل ابيب الاستشهادية الاخيرة التي شكلت اللطمة الاقوى بالنسبة للعدو سواء من حيث عدد القتلى والجرحى الذين خلفتهم العملية او المكان الذي نفذت فيه اي قلب تل ابيب. وعلى الرغم من النجاح الكبير الذي حققته العملية الاستشهادية هذه وتأثيرها الهائل على الروح المعنوية للصهاينة الا ان العدو الصهيوني رأى فيها الفرصة المناسبة لتنفيذ مخطط اجرامي هائل رسمه منذ امد بعيد ويهدف الى تفجير صراع اقليمي في المنطقة يصدر من خلاله ازماته ويخرج فيه من مأزقه الكبير الذي اوقعته فيه الانتفاضة الفلسطينية. كما ان العملية الاستشهادية الاخيرة هزت بشكل كبير ليس المؤسسة العسكرية الاسرائيلية فحسب وانما ما يسمى بالمجتمع الصهيوني الذي اخذ يشهد منذ بداية الانتفاضة موجة هجرة الى الخارج ناهيك عن بوادر التفسخ في الفلسفة الصهيونية ذاتها حيث انتقد الكيان الصهيوني في العاشر من الشهر الجاري المنظمات اليهودية التي تتردد في ارسال اعضائها الى فلسطين المحتلة في حين اتهم رئيس ما يسمى ببلدية القدس ايهود اولمرت الحركة اليهودية الاصلاحية ومقرها الولايات المتحدة بانها بصقت في وجه «اسرائيل» بعدولها عن تنظيم رحلات للشباب اليهودي الى «اسرائيل» هذا الصيف. وازاء كل ما تقدم نرى ان الكيان الصهيوني يعيش ازمة حقيقية لم يشهد لها مثيلا منذ اقامته قبل اكثر من خمسين عاما وهذا بالتأكيد يقودنا الى فهم اسباب مسارعة الولايات المتحدة والدول الاوروبية واطراف اخرى معنية بأمن الكيان الصهيوني الى ارسال المبعوثين والوسطاء من اجل اجهاض الانتفاضة الفلسطينية وعلى رأس هؤلاء المبعوثين مدير وكالة المخابرات المركزية الامريكية جورج تينيت الذي جاء الى المنطقة لاحياء التنسيق الامني بين السلطة الفلسطينية وقوات الاحتلال حاملا في الوقت ذاته في جعبته مئات الاسماء التي يطالب العدو الاسرائيلي باعتقال اصحابها وزجهم في السجون بواسطة السلطة الفلسطينية التي يحاول العدو ان يجعل منها شرطيا لحمايته كما ان تينت يسعى من وراء اعادة التنسيق الامني الفلسطيني الاسرائيلي الى شق الصف الفلسطيني وتمزيق اللحمة الفلسطينية التي بدت في اروع صورها خلال الانتفاضة، زد على ذلك ان الكيان الصهيوني الذي يحاول التنصل من التزاماته التي تفرضها عملية التسوية يصر دوما على ابراز الجانب الامني للصراع على حساب الجانب السياسي في هذه المرحلة بهدف فرض سياسة الامر الواقع وكسب الوقت بعد اخماد الانتفاضة وهو امر يبدو ان السلطة الفلسطينية تدرك جيدا وكذلك القوى الوطنية والاسلامية الفلسطينية اذ عكست تصريحات المسئؤلين في السلطة وفي حركتي حماس والجهاد الاسلامي حسا وطنيا عاليا يمكن الاعتماد عليه لتفويت الفرصة على العدو. كما عكس الاصطفاف الفلسطيني خلف القيادة الفلسطينية والتفهم الذي ابدته المنظمات الفدائية الفلسطينية لقرار الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بوقف اطلاق النار الذي يهدف الى تفويت الفرصة على العدو لتنفيذ جرائمه المعدة مسبقا، عكس هذا الاصطفاف والتفهم حسا عالية بالمسئولية للحفاظ على الوحدة الوطنية الفلسطينية صخرة الفلسطينيين الاصلب في مواجهة المشروع الصهيوني. بقلم: نبيل سالم ـ كاتب فلسطيني