قامت الدنيا ولم تقعد حتى الآن بسبب العملية الاستشهادية التي نفذها شاب فلسطيني وراح ضحيتها نحو 20 اسرائيليا والعشرات من المصابين، فقد هرع وزير الخارجية الألماني الى المنطقة بعد ساعات قليلة من العملية، في حين حمل مدير المخابرات الأمريكية أوراقه وملفاته ودعوات كل محبي ومؤيدي الصهيونية من أجل أن يستطيع توفير الحماية لأصدقائهم في اسرائيل.. واذا كانت الأمور قد هدأت نسبيا منذ أن تمت هذه العملية وحتى الآن، فإن المراقبين يرون أن هذا الهدوء لن يدوم طويلا إلا اذا تم ربط الجهود الأمنية بالشق السياسي حيث أن التركيز على الجانب الأمني فقط لن يحل هذه المشكلة المعقدة وخاصة أن الفلسطينيين ما زال لديهم الاصرار والرغبة في بذل التضحيات من أجل الحصول على حقوقهم وهم غالبا لن يقبلوا بالشروط التعسفية التي تردد الحديث عنها خلال الأيام الماضية من وجود قوائم اسرائيلية تحتوي على الأسماء المطلوب اعتقالها من حركتي حماس والجهاد وضرورة الوقف الفوري للانتفاضة.. فهل ينجح الفلسطينيون في ذلك؟ وماذا عن المبادرة المصرية الأردنية وتقرير لجنة ميتشيل في ضوء المستجدات الحالية؟ وهل يمكن أن تنفجر الأوضاع في المنطقة وخاصة في ظل الاصرار الاسرائيلي الأمريكي على بحث الملف الأمني دون السياسي؟ فوضى شاملة بداية يرى د. عماد جاد رئيس وحدة العلاقات الدولية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أنه إذا ظل التركيز من جانب الادارة الأمريكية واسرائيل بل والغرب عموما على الشق الأمني وضرورة توفير الحماية وتحقيق الأمن للمواطن الاسرائيلي فقط ودون ربط ذلك بالآلية السياسية المتمثلة في ضرورة وقف الاستيطان فورا والاتفاق على موعد لاستئناف المفاوضات، فإن حالة الهدوء الموجودة حاليا في مناطق السلطة الوطنية الفلسطينية لن تستمر طويلا، فالفلسطينيون لن يقبلوا وبعد كل هذه التضحيات التي قدموها وخاصة خلال الشهور القليلة الماضية أن يخرجوا دون أية مكاسب، وأية حلول لا تحقق لهم مكاسب لن يقبلوها وفي الغالب سوف تنشط العمليات الاستشهادية مرة أخرى ومن الممكن أن تتعرض المنطقة لفوضى شاملة حيث أن الطرف الاسرائيلي سيجد نفسه مضطرا للرد على هذه العمليات وبكل عنف وقد يجتاح كل الأراضي الفلسطينية وتحدث مواجهات شديدة وخاصة وأن الفلسطينيين وفي ظل ظروفهم الحالية لديهم الاستعداد للاستمرار في دفع ثمن الحصول على حقوقهم حتى ولو كان هذا مواجهة دامية للآلة العسكرية الاسرائيلية،أي أنه لا أمل في أي استقرار في المنطقة بدون أن يكون هناك تقدم في الشق السياسي وحتى يشعر الشارع الفلسطيني بوجود خطوات للأمام وإلا فلن يكون هناك حل رغم التصورات الخاطئة الموجودة في أذهان المسئولين الأمريكيين والغربيين والذين يعتقدون في امكانية الخروج من المأزق الحالي وتحقيق الأمن للاسرائيليين من خلال التركيز على الشق الأمني والضغط على الرئيس عرفات من أجل أن ينفذ لهم كل قائمة المطالب التي يدور بها حاليا مدير المخابرات الأمريكية على الأطراف المختلفة بالمنطقة. ويضيف د. عماد جاد: إن العمليات الاستشهادية هي اللغة الوحيدة التي يفهمها الجانب الاسرائيلي وهي التي تؤلمه وتوجعه كثيرا، وهذه العمليات ليست عنفا أو ارهابا كما يريد أن يصورها البعض ولكنها مقاومة مسلحة مشروعة وفقا لنصوص القانون الدولي وبعض تشريعات الأمم المتحدة، واذا كانت هذه النصوص والتشريعات قد ربطت ذلك بضرورة ألا يكون هناك إيذاء للمدنيين، فإن الجانب الاسرائيلي لا يلتزم بذلك، وبالتالي الفلسطينيون من حقهم القيام بهذه العمليات وخاصة أنهم يدركون جيدا أنها اللغة الوحيدة والاداة الرئيسية التي تحرك المياه الراكدة والتي تدفع بجميع الأطراف لأن يسارعوا بالعمل على السيطرة عليها وحتى لا تتفاقم مخاطرها وخاصة على الجانب الاسرائيلي. انحياز مطلق وحول رأيه في استنكار أمريكا والغرب سقوط ضحايا اسرائيليين في حين يغضون الطرف عن سقوط مئات الشهداء من الفلسطينيين يقول د. عماد جاد: الموقف الغربي بصفة عامة والأمريكي بصفة خاصة فيه نوع من الانحياز المطلق لاسرائيل ولا يتحرك إلا اذا تعرضت مصالحها أو مصالح الولايات المتحدة في المنطقة للخطر فهنا فقط يأتي التحرك السريع كما حدث بعد العملية الاستشهادية الأخيرة لقد شعرت الولايات المتحدة بالخطر على حليفتها اسرائيل لذا سارعت بارسال مدير المخابرات الأمريكية للمنطقة في محاولة لاحتواء الموقف والعمل على توفير الحماية اللازمة لاسرائيل ومنع حدوث أية عمليات مستقبلا، كما ساعد الجانب الأوروبي من ناحيته على تحقيق هذا الهدف حيث كان وزير الخارجية الألماني في مكتب الرئيس عرفات في اليوم التالي مباشرة لوقوع العملية، وطالبه بضرورة العمل على وقف هذه العمليات، في حين وجدنا أن الغرب والولايات المتحدة لم يتحركا عندما أغتيل محمد الدرة وعلى الهواء مباشرة أو عندما أطلقت النيران على الطفلة إيمان ابنة الأربعة شهور ولا عندما أغتيل رجال الرئيس عرفات أنفسهم والذين يتولون حمايته، وهذا يؤكد بلا شك مدى الانحياز الأعمى من جانب الغرب لاسرائيل والرغبة الشديدة في داخله لاظهار الدعم اللامحدود لها. وعن مصير المبادرة المصرية الأردنية وتقرير لجنة ميتشيل في ضوء المستجدات الحالية يعتقد د. عماد أن المبادرة المصرية الأردنية وتقرير ميتشيل يتحدثان عن ربط الشق الأمني بالسياسي بأن يتم الوقف الفوري للاستيطان، ولكن ما يحدث الآن على أرض الواقع هو تركيز أمريكي اسرائيلي على الأمن فقط وكل ما يريدانه هو تركيع الجانب الفلسطيني ودفعه للقيام بعدد من الاجراءات التي تتوافق مع المصلحة الاسرائيلية مثل اعتقال قادة حماس والجهاد وكل الأشخاص الذين تحددهم القوائم الاسرائيلية ووقف الانتفاضة فورا ودون أن يكون هناك أي تحرك فيما يتعلق بالشق السياسي واذا ما تم ذلك ستفقد السلطة الوطنية رصيدها في الشارع الفلسطيني ولن تكون قادرة غالبا على ضبط أعمال المقاومة ضد اسرائيل. ويتفق الخبير الاستراتيجي ضياء رشوان مع وجهة النظر السابقة في أن التركيز الأكبر حاليا هو على الجانب الأمني ودون أن تكون هناك أية جهود سياسية بالشكل المطلوب بالنسبة للمسار الفلسطيني الاسرائيلي وهذا يؤكده اختيار مدير المخابرات الأمريكية للقيام بدور الوساطة وهنا تنسى اسرائيل ومعها الولايات المتحدة أن الملف الأمني في العلاقات الفلسطينية الاسرائيلية ليس مستقلا عن الملف السياسي بل يرتبط به ارتباطا وثيقا، وأن انفجار الأوضاع الأمنية في الأراضي الفلسطينية واندلاع الانتفاضة جاء نتيجة فشل مفاوضات كامب ديفيد الثانية التي يعول الفلسطينيون عليها كثيرا، وبالتالي لا يمكن فصل الملف الأمني عن الملف السياسي وأن محاولات التهدئة الأمنية قد تنجح لفترة مؤقتة ولكنها لن تستمر طويلا طالما أنه لم يتفق على استئناف المفاوضات وقد يحدث الانفجار مرة أخرى وفي أي وقت. ويشير ضياء رشوان الى أن حكومة شارون الحالية ليست مؤهلة لاستئناف المفاوضات بشكل يرضي الطرف الفلسطيني بأن تبدأ على الأقل من حيث انتهت، فهي من المؤكد لن تقدم تنازلات في القضايا الرئيسية مثل القدس واللاجئين والأرجح أنه حتى لو تم الاتفاق على عودة المفاوضات وتحت ضغوط أمريكية فإن شارون سوف يبدأ من نقطة الصفر ولن يعترف بكل ما تم الاتفاق عليه من قبل وهذا أمر ترفضه السلطة الفلسطينية، ولذلك فالوضع ما زال متوترا ومهددا بالانفجار ولن يستطيع مدير المخابرات الأمريكية أو غيره ايقافه طالما ظل التعنت الاسرائيلي موجودا، وظلت الرؤية المغلوطة وغير الواضحة هي التي تتمسك بها الولايات المتحدة بأن تستمر في اصرارها على أن عرفات هو القابض على كل الأمور وهو الذي يستطيع أن يوقف الانتفاضة ولكنه لا يفعل ذلك. تحفظات شديدة ويفسر ضياء رشوان الاهتمام الأمريكي والغربي الشديد بسقوط قتلى اسرائيليين بأن هناك تخوفين من جانبهما الأول: على اسرائيل وبعد أن زادت حدة هذه العمليات وبالدرجة التي لا يستطيعون السيطرة عليها وخاصة أن الغرب لا يعرف مثل هذه العمليات الاستشهادية فهي أمر جديد عليه وصعب مواجهته أمنيا وخطورته أصبحت شديدة على اسرائيل ومن هنا كان تحركهما، أما التخوف الثاني: فهو الخوف من اسرائيل نفسها فهناك إجماع غربي على أن حكومة شارون يصعب السيطرة عليها وجاءت لتحقيق الأمن وبالتالي يمكن لمثل هذه الحكومة أن تقوم بعمليات انتقامية شديدة يخشى الغرب أن تؤدي الى اندلاع حرب في المنطقة. وأخيرا يرى رشوان أن المبادرة المصرية الأردنية تواجه بتحفظات شديدة من الجانب الاسرائيلي فهم يرون أنها منحازة للفلسطينيين ولن تساعد على حل المشكلة، كما أن شارون سوف يضغط بكل ما يملك الى أن تكون عودته للمفاوضات دون أية شروط ولا أي التزام بما تم التوصل اليه من قبل وسوف يصمم على البدء من جديد في كل شيء. القاهرة ـ مكتب «البيان»: