يعتقد الفكر الاستشهادي الانتحاري في فلسطين المحتلة ان اسرائيل استنفدت انواع اسلحتها كافة باستثناء السلاح النووي. وعندما تعاند القوى الفلسطينية الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات بعدم استجابتها بشكل دائم لوقف نشاطها لدواع سياسية فهي تنطلق من حساب تعتبره دقيقا جدا وبعيدا عن مجرد حسابات المعارضة كما يرى البعض، ومنهم خائفون على الانتفاضة. هؤلاء يبررون خوفهم بحسابات مختلفة من النوع السياسي- العسكري التقليدي. بين المنطقين لا دليل اطلاقا على الخلاف او التناقض. الأمر اقرب الى الاجتهاد. وجملة أحداث الانتفاضة التي تعيش شهرها التاسع، تشير الى تكامل وتفاهم ضمنين مهما كانت انتقادات كل فصيل للآخر. السلطة تستنكر مضطرة بعض العمليات التي تودي بحياة المدنيين من خلال تصريحات خجولة تؤخذ على محمل الدبلوماسية لزوم ما تتطلبه الاتفاقات الموقعة منذ اوسلو 1993 والتي يطالب عرفات باحترام الاسرائيليين لتطبيقها، فالتصريحات هذه شعرة تشبه شعرة معاوية. المسئولون الاسرائيليون يدركون ذلك تمام الادراك وكل فلسطيني باستطاعته التمييز بين عرفات الثائر وعرفات المفاوض وكثيرون ينتقدونه من خلال هذه الازدواجية المبررة تماما في العمل الدبلوماسي والمناورات السياسية. وأول من لا يصدق تحفظ السلطة على العمليات الاستشهادية هي الحكومة الاسرائيلية ورئيسها آرييل شارون تحديدا. هذا الاخير كان يستشيط غضبا عندما كان يتهم عرفات اثر العملية الاخيرة في تل ابيب بانه قاتل ومجرم وخائن لعملية السلام. الجميع يؤمن ان السلطة ليست ضد العمليات هذه، خاصة عندما تأتي في اوقات ذروة القمع الاسرائيلي واختلال توازن القوى لصالحه وفي لحظات تشتد فيها التساؤلات حول قدرة الانتفاضة على الاستمرار والى متى، تماما كما كان الحال عشية العملية الاستشهادية على مدخل النادي الليلي بعدما كانت الانتفاضة تلقت ضربات موجعة ومتتالية حصدت عشرات القتلى وبضعة مئات من الجرحى. بشكل ما تقدم العمليات في المحطات الحرجة مخرجا للانتفاضة من الكبوات التي تمر بها بين الحين والآخر لاسباب موضوعية باتت معروفة تقريبا. وهي تذكر بمحطتين شبيهتين في تاريخنا المعاصر: الاولى: نجاح العمليات الفدائية في الستينيات واوائل السبعينيات في استقطاب انظار دول العالم وشعوبه نحو القضية الفلسطينية التي تحولت الى قضية شعبية عربية بعدما تضاعفت الامال بقدرة الشعب الفلسطيني على استرجاع ارضه اثر مرحلة احباط من التعاطي الرسمي. المحطة الثانية: هي التجربة اللبنانية وحصرا تجربة المقاومة الاسلامية في الجنوب اللبناني حيث تمكنت العمليات الانتحارية من مقارعة وارعاب اعتى قوة في المنطقة وحولت الصراع من الخلل الهائل في ميزان القوى الى حالة توازن في قوى الردع آثرت اسرائيل الانسحاب منها. ومن خلال تطورات الاسابيع الاخيرة في فلسطين وعموم الاراضي المحتلة ظهر ان استهداف الاستشهاديين لمراكز مدنية اسرائيلية من شأنه ان ينزع المبادرة كليا من يد الحكومة الاسرائيلية. ان المظاهرات الاسرائيلة الضخمة في القدس المحتلة (في 8 يونيو) قامت استنكارا لعجز شارون امام الانتفاضة وتفاعلاتها وشكلت من جهة ثانية نوعا من تلبية لحاجة الاسرائيليين الى ترطيب رعبهم. هذا هو دور التجمعات: فالتعبير الجماعي عن الشعور بالخوف والقلق هو شكل من الحماية النفسية. لقد فشل شارون في تنفيذ شعاراته وسقط شعبيا وعسكريا حتى الآن. ردة فعله هذه المرة لم تكن على مستوى عملية تل أبيب فراح ووضع شروطه الثلاثة المعروفة لوقف اطلاق النار بينها طلبه باعادة اعتقال الناشطين الذين اطلقت السلطة سراحهم بعدما بدأت اسرائيل بقصف مراكزها بالمروحيات في الشهر الثاني من الانتفاضة. كان الاسرائيليون ينتظرون من شارون ردعا واضحا وسريعا يستجيب لحالتهم النفسية التي يعبرون عنها علانية، مسئولين وعاديين، مثل التصريح الشهير لوزير الخارجية شمعون بيريز في 8 مايو الماضي بأن اسرائيل تعيش خطرا «وجوديا» لم يسبق له مثيل منذ قيامها عام 1948، كذلك ظهور الاسرائيليين على شاشات القنوات الدولية وهم يفصحون صراحة انهم سيضطرون للخروج من اسرائيل اذا استمر الوضع على ما هو عليه. ولعل أبلغ تعبير عن الحالة ما جاء في صحيفة معاريف (23 مايو) بقلم جولد شنانيني: «نحن محبطون جدا لاننا انجررنا وراء العديد من الاوهام وغاضبون لان القادة المتسرعين وعدونا ثانية وثالثة بانهاء عهد الحروب وان اسرائيل ستقوم على أرضها بأمان وان ليس ثمة خطر خارجي يهددها، وبدا ذلك وهما عابثا وامنية لم يكن لها اساس في الواقع». ان اقدام شارون على احتلال مناطق السلطة من شأنه ان يزيد من حشر الفلسطينيين ويزيد بالتالي من العمليات الاستشهادية وخاصة داخل الخط الأخضر وربما أكثر من أي وقت مضى بما يفتح المجال أمام مواجهات «مجنونة» بالمعنى العسكري والتي من الصعب معها ضبط ردود فعل الشارع العربي هذه المرة، خاصة اذا استطاع الفلسطينيون تسجيل بعض البطولات في الداخل واذا عاد عرب الـ 48 وانضموا الى الانتفاضة. انه مشهد شديد الدراماتيكية للاسرائيليين. بين الحذر والفشل عادت وكالة المخابرات المركزية الاميركية الى دورها بعد غياب شهور وعاد مديرها جورج تينت الى جمع الطرفين في اجتماعات أمنية مقدما مخرجا لشارون يحفظ ماء الوجه وينزل عند رغبة المفاوض الفلسطيني على رغم حذر الأخير من ان يحمل المسئول الاميركي معه مخططا لضرب الانتفاضة. ان مجرد استمرار الانتفاضة مفتوحة الآن يمنع وحده اقدام شارون على مزيد من التصعيد سواء باحتلال مناطق السلطة او باجراءات اخرى. ان من اهم النقاط التي طرحت للنقاش في اسرائيل هو فشل جيش الدفاع الاسرائيلي في توفير الامن داخل الخط الاخضر وذلك بفضل اليد الطولى للاستشهاديين. ومن العلامات الايجابية في المقابل ان العمليات الاستشهادية ليست موضع جدل في الساحة الفلسطينية ولا حتى في الساحة العربية رغم تذبذب بعض القادة العرب تجاهها. لكن الصورة قد تختلف حالما تظهر بعض بوادر الحل السياسي. ما جرى مؤخرا هو التزام فصائل المقاومة تجاه ياسر عرفات بتجميد العمليات الاستشهادية وافساح فرصة امام وقف اطلاق النار واستئناف التحرك الامريكي بعد سبات طويل، انما الالتزام مرهون بانهاء الاحتلال ووقف الاستيطان ضمن مهلة تتحدد في ضوء «المعطيات على الارض» ( بيانات حركة حماس وكتائب شهداء الاقصى وامين سر حركة فتح في غزة احمد حلس في 4و5و6 يونيو). هذه هي حدود التعهد التي لا تبتعد كثيرا عن الموقف العام للفصائل الوطنية والاسلامية الـ 13 المعلن في 4 الشهر الجاري في رام الله. ان المجريات على الارض والانسجام الميداني بين قيادات «فتح» والفصائل المشاركة في السلطة من جهة والقوى الاسلامية من جهة اخرى وبعض بياناتهما المشتركة ( باسم فصائل او كتائب الخ) ترجح التنسيق العسكري الذي بدأت ترجمته عمليا عشية اطلاق النشطاء الاسلاميين من سجون السلطة. الا ان التنسيق السياسي محكوم بسقف ما هو مشترك بين الاهداف التي يسعى اليها كل منهما. ان السلطة تهدف، من خلال المفاوضات الى أي اطار دولة مع اية صيغة «للمشاركة» في القدس، وهو ليس حال «الاسلاميين» عدا عن اوساط اخرى في مختلف التنظيمات وخاصة في تيار حركة فتح التي تتسم قواعدها بعقليات محافظة اجمالا والتي لا يقل بعض قيادييها تشددا عما هو عليه لدى التنظيمات الاسلامية في رفض شروط التفاوض، مثل مروان البرغوثي امين سر الحركة في الضفة الغربية. ان الغرب لايستنكر العمليات ذاتها أو الأشخاص الذين يقومون بها وانما يريد بذلك ادانة المنظمين لها وما يحملون من مشروع اسلامي أو ثوري يهدد اساسات نفوذه في المنطقة والعالم. انه يخاف على سلطته من مشروع يطرح نفسه بديلا نافيا لفلسفة الغرب وليس لسياسته فقط، ومن هذه الوجهة يستثير الغرب مواطنيه ومصالحهم وضميرهم موظفا الشعارات الانسانية التي يغلف بها استنكاره في حين يتهرب من الادانة الواضحة للمجازر الاسرائيلية على خلفية ضرورتها لحماية الحضارة الغربية من في «الخطر القادم من الشرق في». وفي هذا السياق يبدو ان السبيل الوحيد للحد من هذا الاستخدام يكون باخلاء جميع التنظيمات مسئوليتها عن العمليات الاستشهادية لتظهر كرد خالص العفوية والانسانية من مواطنين يقاتلون بآخر أسلحتهم المتاحة القهر والظلم والاذلال، حينها يضيق المجال أمام الاستنكار. وربما تأخر الوقت على ذلك أخذا في الاعتبار التطورات المتسارعة في الاراضي المحتلة وما يمكن ان يحاك للانتفاضة من مخططات أو ما يطرح من مبادرات. ووسط كل ذلك ليس واردا أن يقبل شارون المزيد من التقهقر. ولحظته الحاسمة تحين عند استكانة الانتفاضة وتفريق صفوف اهلها دون ضمانات امنية نوعية ونهائية على الطريق الى كيان فلسطيني ثابت على الاقل من الناحية الامنية. وهذا ما استدعى المطالبة بالحماية الدولية التي من شأنها وحدها ان تشعر الفلسطيني بأمان يشجعه على وقف الانتفاضة ويشعره في الوقت نفسه بالانتصار، والحماية تحصن الانتصار. عندها فقط لا خوف على الانتفاضة واهدافها. ربما آن الأوان لالتزامات دولية جديدة اضافة الى الولايات المتحدة الامريكية. لقد اثبتت الالتزامات الأحادية عجزا لا جدال فيه ولمست مختلف الأطراف خطورة الوضع الذي ينشأ في هذه الأثناء. عند انتهاء الشهر التاسع للانتفاضة ربما تحمل التطورات ولادة تعاط جديد، الفضل الأول فيه لتوازن الردع الذي أحدثته استمراريتها وتمخض العمليات الاستشهادية في رحمها وأجوائها. وما بعد هذا التوازن لايجوز الا الحل المشرف أو الانفجار الكبير. الاسرائيليون مرعوبون من الاحتمال الأخير، كذلك «المجتمع الدولي». بقلم: د. الياس البراج ـ كاتب لبناني