هل يعني قرار السلطة الفلسطينية بوقف اطلاق النار بأن الانتفاضة قد دخلت في مرحلة التراجع والتوقف؟ وهل يمكن القول بأن هذه التطورات ستؤدي الى احياء مفاوضات السلام على المسار الفلسطيني ـ الاسرائيلي والعودة مجددا الى دائرة المساومات وعقد الاجتماعات واللقاءات التي لا طائل منها؟ وهل ان قرار وقف الانتفاضة هو بيد السلطة الفلسطينية نفسها؟ أم ان هناك قوى اخرى موجودة في الميدان وهي التي تملك الكلمة الفصل في سياق المواجهة القائمة مع اسرائيل؟ ان هذه الاسئلة وأخرى كثيرة، تطرح نفسها بالحاح امام اي مراقب، يتابع ما يجري في المنطقة ويحاول ايجاد الصلات الوثيقة والمباشرة بين كل حلقات الاحداث وتطوراتها. ذلك ان قرار وقف اطلاق النار من جانب السلطة الفلسطينية، قد حمل في طياته الكثير من المؤشرات التي تقود الى الاستنتاج بأن السلطة لا تزال تراهن على المفاوضات والحل السياسي، الامر الذي يثير الكثير من التكهنات حول آفاق ومستقبل العملية السلمية برمتها. ولكن الشيء المؤكد ان زمام المبادرة لا يزال بيد الشعب الفلسطيني رغم صعوبة التحديات التي تواجهه في هذه المرحلة فهو يستطيع ان يقرر مصيره بنفسه وأن يجبر اسرائيل على الاعتراف بحقوقه في ارضه ووطنه وأن يصنع المعجزات اذا ما امتلك الارادة المصممة والقادرة على تخطي العقبات والصعوبات التي تعترض طريقه الآن. وهذا يحتاج الى فعل عربي قوي يساند الانتفاضة ويعزل اسرائيل ويخلق واقعا سياسيا جديا في عموم المنطقة. واذا كان البعض يدعي انه يحق للسلطة الفلسطينية قطف ثمار الانتفاضة بالطريقة التي تراها مناسبة فإنه لابد من التذكير والتوضيح ان اسرائيل لا يمكن ان تتراجع بسهولة وان المسألة بحاجة الى قرارات جريئة وواقعية، وبهذا المعنى يمكن الحديث عن خيارات جديدة متاحة امام الشعب الفلسطيني، ولابد من استغلال هذه الخيارات لاعادة بناء الثقة بجدوى المقاومة وفعاليتها في ضرب المشروع الصهيوني وإلحاق الهزيمة به. ومن الاهمية بمكان، التأكيد على ان الوقت قد حان امام الانتفاضة لكي تعزز قيادتها السياسية الجديدة والقادرة على مواصلة النضال والمقاومة بالعديد من الوسائل المتاحة للوصول الى الوضع الذي يرغم اسرائيل على الاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني. والذين يراهنون على التطورات غير الايجابية في الموقف، انما يراهنون على الاوهام والاحقاد لأن نضال الشعوب والامم الحية لا يقاس بهذه المسطرة ولابد والحالة هذه البحث عن اطار جديد، يمكن كل القوى الوطنية الفلسطينية من تحقيق المواجهة الشاملة في المنطقة عامة. فالموقف العربي يحتاج الى نوع من التغيير، لأن عزل الانتفاضة عن اطارها العربي يمكن ان يشكل خطورة كبيرة ومن المفترض ان يتم الانتقال الى مرحلة جديدة في النضال الفلسطيني بمعنى ان تحمل في طياتها تفاعلات جذرية، تسقط كل الدعاوى والنظريات الداعية الى التراجع ولكن المسألة ليست بهذه البساطة لأن هناك الكثير من العوامل والمعطيات التي اخذت تتبلور وتفرض وجودها وحضورها على كل الاطراف، لأنه لا يمكن ان تتوفر باستمرار الظروف المناسبة من اجل خوض مواجهة شاملة مع الاحتلال الاسرائيلي، والوصول الى حالة تعبئة وطنية وقومية من هذا المستوى على الساحتين الفلسطينية والعربية. مسارات مفتوحة وبهذا المعنى يمكن الحديث عن مسارات مفتوحة على هذا الصعيد لأن اسرائيل التي فقدت الاحساس الاستراتيجي بالأمن الداخلي باتت تبحث عن اي مخرج للهروب من الانتفاضة ودفع الجانب الفلسطيني نحو التراجع وتقديم التنازلات واذا كان قرار السلطة الفلسطينية بشأن اعلان وقف اطلاق النار قد جاء في اعقاب عملية تل ابيب الاستشهادية فإن مثل هذا التكتيك قد يكون مفهوما من الناحية السياسية ولكن وبالمحصلة ليس ملزما للشعب الفلسطيني وقواه الوطنية وفصائله المقاومة وهو ما جرى التعبير عنه عبر البيان الذي صدر عن هذه الفصائل والذي اكد رفض قرار وقف اطلاق النار والاصرار على المضي قدما في حركة المقاومة والانتفاضة وبصرف النظر عن التداعيات التي اخذت تفرزها هذه الثنائية فإن من المؤكد ان الخيار السياسي الذي التزمت به السلطة الفلسطينية، قد تكون له بعض المسوغات مثلما هناك اعتبارات كثيرة، يطرحها الفريق الآخر في المعادلة، وهذا معناه ان الانتفاضة يفترض فيها ان تفرز قيادتها السياسية والوطنية الخاصة بها، والمعبرة تماما عن طموحات وآمال الشعب الفلسطيني ولكن المسألة ليست بهذه البساطة، لأن هناك الكثير من العوامل والمعطيات التي اخذت تفرض وجودها على كل الاطراف. ومن ذلك حرية الشعب الفلسطيني في اتخاذ القرار الذي يراه مناسبا والذي يستطيع وحده ان يقوده الى انتزاع حقوقه بصورة شاملة. ومن هذا التحذير تزايد احتمالات وقوع مواجهة من نوع ما بين الطرفين اللذين يمسكان بزمام المبادرة. فالسلطة الفلسطينية تريد ان تؤكد لاسرائيل خاصة والعالم قاطبة انها لا تزال هي الجهة القادرة على التحكم بحركة الاحداث والتطورات وأنه لابد بالتالي من التعامل معها ومفاوضتها على هذا الاساس، في وقت يسعى التيار المحرك لأحداث الانتفاضة على الارض بأنه لن يقبل بأقل من الحصول على الحقوق كاملة، والتي تعني انسحاب اسرائيل من اراضي الضفة الغربية وقطاع غزة، تمهيدا لاقامة الدولة المستقلة وعاصمتها القدس. لعبة الرهانات وعندما تعود اسرائيل الى لعبة الرهانات والتقاطعات بين الاطراف الأساسية في المعادلة الفلسطينية، فان هذا يدعو الى المزيد من الحذر والقلق، لأن النتائج اللاحقة، يمكن ان تقود الى عواقب وخيمة، ومع ذلك، فان من الخطأ الاعتقاد بأن شارون وفريقه الحاكم في اسرائيل، يمكن ان يسلموا او يعترفوا بالشروط والمطالب الفلسطينية بسهولة وسذاجة، لذلك ان شارون الذي جيئ به اصلا من احدى المستوطنات، لكي يجلب للاسرائيليين الامن المفقود، لن يتراجع عن مشروعه العدواني، ولو كانت المحصلة مغامرة عسكرية شاملة، فقد ظهر جليا وواضحا أن ما يسعى شارون اليه ليس وقف الانتفاضة، كما يتصور البعض بل القضاء على كل امكانية للعودة الى عملية السلام، واقناع الولايات المتحدة والدول الغربية انه لا جدوى من التفاوض مع الفلسطينيين، لأنهم ليسوا شركاء سلام، كما يردد شارون في هذه الفترة بالذات، وهذا يعني انه حتى لو نجحت السلطة الفلسطينية في اعادة الهدوء الى مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة. فان هذا لن يكون سببا كافيا في نظر رئيس الوزراء الاسرائيلي، شارون، للعودة الى مفاوضات السلام، والا كيف يمكن تفسير هذا الرفض القاطع الذي يبديه ازاء تقرير لجنة ميتشيل، وهو في جوهره عبارة عن صياغة امريكية لآفاق التسوية في المنطقة؟ وماذا تعني المواقف المتشددة التي تصدر عن حكومة شارون فيما يتعلق بمضمون هذا التقرير؟ ان من الأهمية بمكان التأكيد ان هدف اسرائيل النهائي هو جر الفلسطينيين الى مأزق، هو عبارة عن كمين سياسي، نصبه شارون بطريقة فاضحة، واذا ما استمر الوضع على ما هو عليه الآن، فان الطرف الفلسطيني، يمكن ان يواجه مثل هذا المأزق، الامر الذي يبرز حجم الخطر المحدق بالانتفاضة الباسلة، وتشكل الضغوط الكبيرة التي بدأت الادارة الامريكية تمارسها على السلطة الفلسطينية مؤشرا واضحا على اصرار واشنطن على الزج بالطرف الفلسطيني في متاهة الانقسام وربما المواجهة. ومن هنا، يطالب شارون السلطة الفلسطينية بالعودة الى سياسة التنسيق الأمني التي كانت قائمة قبل بدء الانتفاضة، والتي تعني ان تتحول السلطة الى مجرد أداة بيد اسرائيل لمكافحة ما تسميه اسرائيل بالارهاب، اي ان تشن حملات مطاردة واعتقال ضد القيادات والكوادر الوطنية الفلسطينية، مثلما كان يحدث في الفترة الماضية. وهذا ـ في حد ذاته ـ يشكل خطورة كبيرة لان موافقة السلطة على هذه المطالب الاسرائيلية، من اجل ضمان عودة شارون الى طاولة المفاوضات، ستجلب للشعب الفلسطيني ويلات وكوارث جديدة، يمكن ان تضاف الى الكوارث والويلات التي نجمت عن اتفاقيات اوسلو! الموقف الدولي وحتى الموقف الدولي الذي يضغط في هذا الاتجاه، يفترض الا يجري التعامل معه بصورة احادية الجانب، ذلك ان نجاح اسرائيل في تصوير نفسها للرأي العام العالمي على انها مجرد «ضحية» لما يسمى بالارهاب الفلسطيني والعربي، سيعطيها ورقة سياسية رابحة جدا، يمكن ان تلعب بها من اجل جني الكثير من المكاسب، وبالمحصلة، فان الشعب الفلسطيني سيكون هو الخاسر الاول والاخير، لانه في هذه الحالة، فان اسرائيل ستجد نفسها في وضع مريح، يمكنها من الالتفاف على كل النتائج والتفاعلات السياسية و الأمنية التي أفرزتها الانتفاضة. ويكمن الخطأ الاساسي في ان الجانب الفلسطيني خاصة والعربي عامة، بات يتعامل مع الموقف الدولي على انه كتلة واحدة، في وقت تؤكد فيه المعطيات ان هناك الكثير من التناقضات في اطار هذا الموقف، فدول مثل روسيا والاتحاد الاوروبي، لا توافق الولايات المتحدة على سياستها الرامية الى تجريد الشعب الفلسطيني من اوراق القوة والتفاوض التي بحوزته، وذلك على الرغم من ان هذه القوى الدولية تريد في الوقت نفسه، تمكين اسرائيل من وقف الانتفاضة. وهنا، تبرز أهمية الموقف العربي في تعديل الموقف الدولي، فالدول العربية، عندما تقرر بالفعل قطع كل اشكال الاتصال والتعاون مع اسرائيل، وتقدم في الوقت نفسه على المس بالمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، فإن صورة الوضع الدولي كلها ستتغير، وربما حدثت بعض التطورات والمفاجآت الدراماتيكية، اذ ليس معقولا ان يطالب العرب الولايات المتحدة ان تقف الى جانبهم، وتؤيد مطالبهم وحقوقهم، وتعادي اسرائيل، دون ان يفعلوا اي شيء على ارض الواقع. اذ ما الذي يجبر دولة عظمى مثل الولايات المتحدة على تغيير موقفها وانصاف العرب، اذا كانت امدادات النفط تصل بسهولة ويسر الى اراضيها، واذا كانت سفنها الحربية وأساطيلها العسكرية، تجوب المياه العربية بحرية وأمان، وكأنها تمخر في البحار الغربية من أمريكا نفسها؟ وعلى أي اساس يطالب العرب دول الاتحاد الاوروبي ان «تعاقب» اسرائيل، والاوروبيون يحصلون على كل شيء وشركاتهم ومصالحهم الاقتصادية والتجارية مضمونة 100%؟ ان التغيير الاساسي والجوهري، يفترض فيه ان يحدث في الموقف العربي نفسه، فعندما، يدرك العرب بأن اسرائيل تشكل خطرا كبيرا وشاملا على كل دولهم وأراضيهم، وعندما يصلون الى قناعة استراتيجية بأن هذا الخطر، يوزع بالتساوي عليهم كافة، وعندما يصاب الموقف العربي بالتغيير الاستراتيجي، ويتم استخدام كل الأسلحة القوية والفعالة الموجودة لدى الدول العربية، فانه في حالة كهذه، يمكن للموقفين الأمريكي والدولي ان يدخلا في مرحلة التبدل والتغيير، ودون ذلك فان المشهد الامريكي والدولي، سيظل في دائرة الالوان الرمادية وعلى العرب ان يدركوا هذه الحقيقة، ويتعاملوا معها دون زيادة او نقصان، ولا مجال لأنصاف الحلول في هذا السياق، لان وقف الانتفاضة بهذه الطريقة المبسترة، لابد ان يقود الى عواقب وخيمة، يمكن ان تقود المنطقة الى مرحلة الانهيار الشامل الذي ستكون له تفاعلات خطيرة ومدمرة. بقلم: غزوان عمر ـ صحفي سوري