كافأت الولايات المتحدة الامريكية جاسوسها الوزير السابق الذي باع امن واستقرار بلاده مقابل امتيازات زائلة، ونصبت له مولدا لتجريسه وفضحه على الملأ، ولطخت بوثائق خيانته اسمه للابد، ووضعت رؤوس كل اولاده واحفاده في الوحل، ووصمته بـ «لعنة امريكا» التي اضاعت باكستان منذ الاطاحة برئيس الوزراء وزعيم الشعب الراحل ذو الفقار علي بوتو، والانقلاب العسكري للجنرال ضياء الحق الذي احترق جسده في مؤامرة طائرة!! وانفجرت الفضيحة عندما كشفت وثائق امريكية زالت عنها صفة السرية مؤخرا النقاب عن قيام محمد شعيب وزير المالية القوى فى حكم الرئيس الباكستانى الراحل ايوب خان بتزويد واشنطن فى سنوات الستينيات من القرن العشرين بمعلومات وافية ومنتظمة عن مجريات اجتماعات الحكومة الباكستانية وسياساتها غير المعلنة فضلا عن تفاصيل المباحثات مع القادة الاجانب الذين يزورون باكستان. ووفقا للوثائق السرية الامريكية التى يطالعها الباكستانيون باهتمام بالغ عبر الصحف ووسائل الاعلام فان وزير المالية الاسبق كان يستخدم قناة خاصة للاتصالات السرية وفرتها السفارة الامريكية فى اسلام اباد. وفيما استحق شعيب لقب «الصديق العزيز لامريكا» مقابل خدماته لواشنطن على حساب بلاده، فان الوثائق ذاتها تكشف فى المقابل عن كراهية عميقة كان الرئيس الامريكى الراحل ليندون جونسون يكنها للزعيم الباكستانى ذو الفقار علي بوتو الذى كان وزيرا للخارجية فى الستينيات قبل ان يصعد الى منصب رئيس الحكومة وتنتهى رحلة صعوده باعدامه. ويبدو ان «لعنة واشنطن» كانت أحد أهم الاسباب التى أدت فى نهاية المطاف الى اتخاذ ضياء الحق قراره بالتخلص نهائيا من بوتو الذى أعدم فى نهاية السبعينيات من القرن الماضى. وكان محمد شعيب وزير المالية فى حكومة ايوب خان يتزعم الجناح المناويء داخل الحكومة لبوتو الذى اعتبرته واشنطن مسئولا عن دفع باكستان نحو تعزيز التعاون مع الصين العدو اللدود فى سنوات الستينيات للولايات المتحدة. وتعود الوثائق السرية الامريكية لتكشف عن أن محمد شعيب أبلغ مسئولين أمريكيين يوم 24 من سبتمبر عام 1964 بأنه تصدى كوزير للمالية لاتجاه يطالب بزيادة النفقات العسكرية الباكستانية. وقال معلقون فى الصحافة الباكستانية «انها صدمة لكل وطنى باكستانى ان يعرف ان وزيرا سابقا للمالية قام وهو يشغل منصبه الوزارى بتمرير معلومات حيوية وحساسة وتمس الامن القومى للبلاد الى الولايات المتحدة التى منحته بالمقابل لقب صديقنا العزيز». واشار المعلقون إلى قصة شعيب ترك منصبه الوزارى وتم تعيينه على الفور فى منصب نائب رئيس البنك الدولى ليكون اول شخص من دولة نامية تنتمى للعالم الثالث يشغل هذا المنصب المرموق. وتحت عنوان «جاسوس بدرجة وزير» اعتبرت صحيفة «الاوبزرفر» الباكستانية فى عددها الصادر امس هذه القضية بمثابة مؤشر على اداء اجهزة المخابرات الباكستانية ومايحدث فى اروقة السلطة ووراء كواليس الحكم.غير ان السؤال الذى يتردد بالحاح الان فى اسلام اباد هو «لماذا سمحت واشنطن بالكشف عن اسم رجلها القديم فى باكستان فى هذا الوقت بالتحديد وهل تكون هذه هى الطريقة التى تتعامل بها امريكا مع صديقها العزيز». أ.ش.أ