لم تعد السياسة الايرانية رفضا قاطعا أو تأييدا كليا، وانما أصبحت خططا ومشروعات مبنية على دراسة ورؤية للخريطة الدولية والمصالح الايرانية، وفي هذا السياق طرحت ايران في عهد الرئيس خاتمي مفهوم حوار الحضارات كفلسفة تحكم السياسة والعلاقات الخارجية لايران والعالم، والسعي نحو اقامة علاقات جديدة مع الغرب تتجاوز الصراع والعداوة. واليوم بعد اثنين وعشرين عاما من الثورة وعلى أعتاب انتخابات رئاسية جديدة فان المشهد في ايران يبدو أكثر وضوحا وأكثر قبولا، فايران الثورة تتكيف وتتكون باتجاه ايران الدولة التي تسعى لترتيب مصالحها وعلاقاتها وسياساتها، وتتدافع الحياة العامة والمشاركة السياسية نحو التنافس السلمي على السلطة وترتيب تداولها وانتقالها في الاتجاه الواحد (الإسلامي) بين المحافظين والاصلاحيين، وقامت في ايران صحافة مستقلة تتعرض للتضييق لكنها تجد من الحيل ما يمكنها من العمل والمعارضة، وفي سجل حقوق الانسان في ايران الكثير من الانجازات والتقدم على مستوى الحريات السياسية والعامة، مثلما يتضمن الكثير من التجاوزات والتضييق والاعتقال بحق المعارضة وبخاصة في السنوات الأولى من الثورة الايرانية. وتعيش ايران في الوقت الراهن تحولات وتطورات بعدما بدأت الحياة السياسية في ايران تتغير منذ عام 1979 فأصبحت المشاركة السياسية متاحة للجميع، بحيث أصبح الايرانيون يذهبون لصناديق الاقتراع ويشاركون بأصواتهم، بين استفتاء وانتخابات رئاسية ونيابية ومجالس محلية وغيرها. أهمية الانتخابات وتستمد الانتخابات أهميتها أولا بما يتعلق بطبيعة الظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها ايران. فمازالت هناك معدلات مرتفعة للبطالة ومازالت تقلبات سعر البترول العالمي تؤثر سلبا على الاقتصاد الايراني المعتمد بصورة كبيرة على موارده من البترول، بالاضافة إلى العقوبات الاقتصادية وسياسة الحصار الاقتصادي التي تمارسها الولايات المتحدة على ايران منذ الثورة وحتى الآن، فالاقتصاد اليوم يمر بظروف أسوأ من اقتصاد عام 1979، أما بالنسبة للناحية الاجتماعية فهناك ما يقارب جيل كامل فقد الاتصال المباشر بالثورة، وعاصر هذا الجيل سنوات الحرب المطولة مع العراق، وسنوات الحصار الاقتصادي. وبالنسبة للجانب السياسي فايران عام 1979 تختلف عن ايران عام 1989 وعن ايران عام 1997 (وهي على التوالي أعوام الثورة ووفاة الخميني - وتولي رفسنجاني - وتولي خاتمي لفترة رئاسته الأولى). فالسجال بين أبناء الثورة حول المعنى الحقيقي لقيم الثورة وحول أيهم أكثر التزاما بتعاليم الإمام الخميني تصاعدت عبر هذه السنوات المختلفة، بل زادت حدتها مع تولي خاتمي الرئاسة عام 1997. ثانيا: طبيعة الظرف الاقليمي والدولي المحيط بايران. فعلى المستوى الاقليمي، تقف متغيرات تتعلق بطبيعة العلاقات بين ايران والعراق، ومتغيرات تتعلق بمسألة أمن الخليج المتنافس عليه بين قوى اقليمية ودولية، وكذلك طبيعة المسار المتعثر والمهدد للتسوية السلمية للصراع العربي - الاسرائيلي. تقف كل هذه التغيرات وموقف النظام الايراني منها كأحد المحكات الهامة التي قد تتدخل - ولو لدرجة ضئيلة - في المعركة الرئاسية، وان نتائج هذه المعركة سيؤثر على موقف ايران من كل هذه المتغيرات ومن موقف هذه القوى الاقليمية من الجانب الايراني. وتتشابه العلاقة بين المستوى الاقليمي والمستوى الدولي.. فمتغيرات المستوى الدولي - وعلى رأسها تقف العلاقات مع الولايات المتحدة من ناحية ومع الدول الأوروبية من ناحية أخرى - هذه التغيرات لن تتدخل في المعركة الرئاسية، ولكنها ستتأثر بدرجة كبيرة بنتائج هذه المعركة، فشخص الرئيس الايراني القادم وانتماءاته السياسية، بالاضافة إلى النسبة التي سيحصل عليها من أصوات الشعب ستحدد أجندة العلاقات الخارجية لايران للسنوات الأربع المقبلة. بدت خريطة المرشحين أكثر تعبيرا عن مختلف قطاعات الشعب، حيث تقدم أكثر من ثمانمئة مرشح، بينهم عدد من النساء، وعدد معتبر من مختلف قطاعات المجتمع وانتماءاته ووظائفه. هذه الخريطة بهذا العدد الهائل، لم تكن واقعية بالطبع، وهو ما دفع آية الله جنتي للمطالبة باعادة النظر في القانون الذي يسمح لأي ايراني بالترشيح، ومن ثم تم تخفيض عدد المرشحين من 817 مرشحا إلى عشرة مرشحين فقط، وهم: محمد خاتمي، علي شمخاني صالح، علي فلاحيان عبدالله، حسن غفوري فرد محمد، أحمد توكلي، مصطفى هاشمي طبا أبو القاسم، عبدالله جاسبي اسكندر، شهاب الدين صدر عبدالله، منصور رضوي مرتضى، ومحمود مصطفى كاشاني أبو القاسم. ويعتبر كل من محمد خاتمي، شمخاني، فلاحيان، حسن غفوري وسيد شهاب الدين هم أبرز المرشحين المتقدمين للرئاسة الايرانية: محمد خاتمي.. تجديد الاصلاح هو الرئيس الخامس للجمهورية الاسلامية الايرانية، ولد في ادركان عاصمة اقليم يزد الاوسط عام 1943 لأسرة متدينة، حصل درجة البكالوريوس في الفلسفة من جامعة أصفهان، وبعد تخرجه أكمل المستوى المتقدم في الدراسة الدينية في معهد قم، وفي عام 1970 درس العلوم التربوية في جامعة طهران، شارك خاتمي في نشاطات سياسية ضد الشاه. بدأ نشاطه السياسي في اتحاد الطلبة المسلمين بجامعة أصفهان، وعمل قريبا من ابن الامام الخميني الراحل ومحمد منتظري ونظموا حلقات نقاشية سياسية دينية. وترأس خاتمي مركز هامبورج الاسلامي في ألمانيا قبل انتصار الثورة الايرانية عام 1979. مثل خاتمي دائرتين انتخابيتين هما مقاطعة ادركان ووميبود في الفترة الأولى للبرلمان عام 1980، وعينه الخميني مديرا لمؤسسة كيهان عام 1981 وعين وزيرا للثقافة والتوجيه الاسلامي عام 1982و يجيد خاتمي ثلاث لغات غير الفارسية، هي الانجليزية والالمانية والعربية وله العديد من الكتب والمقالات في موضوعات مختلفة. تزوج عام 1974 وله ابنتان وولد. انتخب خاتمي رئيسا خامسا للجمهورية الاسلامية في مايو 1997 وذلك بحصوله على أكثر من 70% من مجموع الأصوات، وفي برنامج الانتخابات الحالية اكد خاتمي على استمرار الاصلاحات. علي شمخاني صالح.. أول مرشح عربي هو أكثر المرشحين رصيدا من بين الأربعة المتقدمين ضد خاتمي. ولد الوزير الادميرال علي شمخاني في مدينة الاهواز عام 1955، وينحدر من أصول عربية، ولديه مؤهلات فنية، فضلا عن مؤهلاته العسكرية. فهو حاصل على بكالوريوس الهندسة الزراعية وماجستير في ادارة الأقاليم، فضلا عن بكالوريوس الهندسة العسكرية، وله بحوث عملية وسياسية ودينية. كما حقق انتصارات كثيرة في الحرب مع العراق مما أهله لتولي مناصب عسكرية هامة، فكان قائد قوات الحرس الثوري في خوزستان، ثم قائد القوات البرية بجيش الحراس للمعلومات والعمليات، وفوض رسميا بتنفيذ قرار مجلس الأمن لانهاء الحرب مع العراق، ثم قائد القوات البرية بجيش الحراس، ثم قائد القوات البحرية للحراس، ثم قائد القوات البحرية للجيش والحراس مع قيادة قاعدة خاتم الأنبياء البحرية، ثم وزيرا للدفاع، ودعم القوات المسلحة في حكومة الرئيس خاتمي. وقد استثناه الزعيم من الاستقالة من الوزارة لترشيح نفسه للرئاسة، مما يعني عدم الاستغناء عنه في الظروف الراهنة. وهو وزير دفاع طموح، ويؤمن بأن أمن الخليج مسئولية الدول المطلة عليه فقط وهو لا يزعجه الوجود الأمريكي في الخليج، ولكن لن يسمح له بالتعدي على السيادة الايرانية، ولا شك ان ادراك شمخاني بأن ايران تمر بفترة حساسة مع التحديات الداخلية والخارجية هو الذي دفعه لترشيح نفسه، إذ يعتبر نفسه رجل الظروف الصعبة. وأكد في برنامجه الانتخابي على تأكيد دولة القانون. علي فلاحيان.. ساحق العناصر المضادة وزير المعلومات (المخابرات) الأسبق. ولد في نجن آباد عام 1949 من أسرة مذهبية فاتخذ سلك التعليم الديني وأصبح من علماء الدين، عينة الخميني حاكم الشرع في عبدان، وعند قيام الحرب مع العراق تولى قيادة اللجان الثورية في عبدان وحارب في الجبهة، اسس كلية المعلومات، وتولى منصب المدعي الخاص لعلماء الدين، ثم رئيس هيئة التحقيق الخاصة بالقوات المسلحة، ثم وزير المعلومات خلال فترتي رئاسة رفسنجاني، وقام بتصفية العناصر المضادة للنظام في الخارج والتي ادت احدى عملياتها الى توتر العلاقات بين ايران وألمانيا، وقد يعتبر البعض ان اخطاءه خلال فترة توليه الوزارة تعوق ترشيحة وتقلل فرص نجاحه، ولكن تأكيد مجلس الرقابة على صلاحيته يعني انه من رجال النظام الاقوياء الذين يدخرهم للمواقف الحساسة، فضلا عن انه قد استطاع بحكم عمله ان يقيم صلات واسعة، ليس على المستوى الرسمي بل على المستوى الشعبي ايضا. حسن غفوري الخبرة السياسية يعتبر اقوى المرشحين الباقين بعد شمخاني وفلاحيان باعتباره صاحب خبرة في المجال السياسي والانتخابي، فهو عضو ائتلاف خط الامام والزعامة، وهو امين عام الجمعية الاسلامية للمهندسين، وامين اول اللجنة التنفيذية لمجموعة البرلمانات الدولية في مجلس الشورى الاسلامي الخامس، وامين رئاسة مجلس الشورى في المجلس نفسه، كان وزيرا للطاقة في حكومة الامير حسين موسوي الاولى. سيد شهاب الدين ويؤكد برنامجه على اولوية التنمية.. نموذج الشباب الجاد هو حفيذ اية الله سيد صدر وابن عم اية الله محمد باقر صدر شارك في الكفاح منذ ان كان طالبا في المرحلة الثانوية والجامعية وحصل على درجة الدكتوراة في الطب الفيسيولوجي، واصبح استاذا في جامعة العلوم الطبية بطهران لم يتول اي منصب رفيع اكثر من رئيس لجنة الصحة والبيئة والعلاج بمجلس الشورى الاسلامي الرابع، وهو لم يتجاوز الاربعين وتحدث في برنامجه عن مجتمع ايراني متمدن وحديث. اعداد: هويدا سعيد