تحظى انتخابات الرئاسة الايرانية المرتقبة التي ستجرى الشهر المقبل باحترام واسع من قبل مختلف الاوساط العربية والدولية، لأن نتائجها ستحدد مستقبل الحياة السياسية والديمقراطية في ايران من جهة، وتشكل مرحلة متقدمة بالنسبة للصراع الدائر بين الاصلاحيين والمحافظين من جهة اخرى وتبدو المعطيات السائدة عشية هذه الانتخابات بأن التيار الاصلاحي الديمقراطي الذي يقوده الرئيس محمد خاتمي ستكون له الغلبة في معركة الانتخابات, وذلك على الرغم من ان استطلاعات الرأي اظهرت بأن جيل الشباب في ايران قد ضاق ذرعا بالوعود التي قدمها الاصلاحيون ولم يتم الوفاء بها كاملة على امتداد السنوات الماضية ومن ذلك اطلاق المزيد من الحريات العامة والحد من القيود المقترحة على تطبيق بعض مظاهر الحياة العصرية الامر الذي اثار حالة من الشكوك لدى الاوساط الايرانية المؤيدة للرئيس خاتمي. ولكن هذه الاوساط نفسها، تؤكد انه من الضروري اعطاء الرئيس خاتمي فرصة جديدة واضافية لاستكمال برنامجه الاصلاحي الذي كان قد بدأه، مع توليه السلطة قبل سنوات على اساس الفترة المنصرمة لم تكن كافية لتنفيذ كل مراحل هذا البرنامج المختلفة، وعليه فإن من المتوقع ان يدلي الكثير من الايرانيين بأصواتهم لصالح الرئيس خاتمي، لكن الخبراء يعربون عن اعتقادهم بأن نسبة هؤلاء لم تكن مماثلة لتلك النسبة المرتفعة التي حصل عليها الدكتور خاتمي في الانتخابات الاخيرة. معركة سياسية ولا حاجة للتأكيد ان معركة الانتخابات في ايران ستكون معركة سياسية بامتياز. لكثرة عدد المرشحين من جهة والتفاوت الكبير القائم بين الحملات والشعارات الانتخابية المطروحة يؤشران بقوة الى ان الانتخابات ستتحول بالفعل الى شكل جديد من الصراع بين الاصلاحيين والمحافظين. ويرى العديد من المراقبين ان تقدم المرشحين سيؤدي الى توزيع عدد اصوات المقترعين والناخبين وهو الامر الذي يمكن ان يخفض من النسبة العامة التي سيحصل عليها الرئيس خاتمي رغم ان هذا الأخير يضمن النجاح بالتأكيد ولكن التحركات والمناورات التي يقوم بها المحافظون لابد ان تؤثر ـ بشكل او بآخر ـ على مجمل العملية الانتخابية حتى ان البعض من هؤلاء بدأ يتحدث عن امكانية حدوث انتخابات ومفاجآت دراماتيكية قبل بدء معركة الانتخابات ربما بأيام قليلة. ويشير هؤلاء الى ان حصر المعركة بين خاتمي والمحافظين، ليس في مصلحة الرئيس خاتمي الذي يتطلع الى الحصول على نسبة مؤيدين كبيرة تجعله قادرا على المضي قدما في عملية الاصلاح والتحديث حتى النهاية ولا يتوقف الامر عند هذا الحد بل ان ثمة من يؤكد ان المسألة بحاجة الى نوع من التكتيك السياسي الجديد حتى يستطيع الرئيس خاتمي جذب اكثرية الناخبين الى صفه، اذ ان هناك مجموعات كبيرة لم تحسم امرها بعد، وهي لا تزال مترددة في تحديد موقفها. ويحاول المحافظون استمالة هذه الفئات. على اساس ان الوقت قد حان، لاعادة النظر في مجمل عملية الاصلاح والتحديث التي تشهدها ايران خلال هذه المرحلة. واذا ما تمكن هؤلاء من كسب هذه الفئات، عبر سلسلة من الشعارات والمواقف المحددة، فإن هذا قد يؤثر سلبا على ميزان القوى في مجمل المعركة الانتخابية. ولكن الشيء المؤكد هو ان الرئيس محمد خاتمي الواثق من الفوز بات يحتاج الى نوع من التفويض الجديد من جانب الشعب الايراني، حتى يتخطى العقبات التي تعترض طريقه. وحتى مع الافتراض بأن المسألة يمكن ان تسوّى في اطار سياسي جديد، فإن هناك اكثر من حاجة لاعادة صياغة معادلة الاصلاح والتحديث بطريقة حركية اذا صح التعبير. ذلك ان حلقات الصراع بين قوى الاصلاحيين وقوى المحافظين تزداد تعقيدا وتشابكا وهو الامر الذي يشكل عامل ضغط على طرفي الصراع نفسه. وبعيدا عن التأويلات المتدرجة التي تطرح الآن فإن من الضروري التأكيد على ان ايران تشهد معركة سياسية من الطراز الأول، ولابد والحالة هذه ان يغير الاصلاحيون والديمقراطيون من طريق تفكيرهم وتعاملهم مع القضايا الداخلية المطروحة حتى يتمكنوا من السيطرة على الشارع السياسي والشعبي بالشكل المطلوب والقادر على حسم كل المواقف المترددة حتى الآن. البعد الخارجي وإلى جانب هذه المعطيات، فإن البعد الخارجي لمعركة الانتخابات في ايران: بات من العوامل الحاسمة والمهمة جدا: وبالتالي لا يمكن اغفاله او تجاوزه. ذلك ان ايران التي استطاعت خلال السنوات الماضية ان تفتح صفحة جديدة من علاقات التعاون وحسن الجوار مع مختلف الدول العربية عامة ودول مجلس التعاون خاصة: لا تستطيع ان تغير من سياستها على هذا الصعيد: حتى في حال فاز المحافظون بالانتخابات. ومن هنا يبرز العامل العربي ـ الاقليمي في المعركة الانتخابية وكأنه هو الناخب الاكبر في الانتخابات المقبلة. وثمة وقائع ومعطيات محددة لا يمكن تجاوزها على الاطلاق، اذ ان التحسن في علاقات ايران مع دولة كبيرة ومهمة في المنطقة مثل السعودية قد وصل الى حد التوقيع على اتفاقية للتعاون الامني بين البلدين، الامر الذي اعتبره المراقبون بأنه مؤشر قوي وواضح في الفترة المقبلة. ومن الاهمية بمكان التأكيد على مغزى ودلالة التحسن الذي أخذ يطرأ على علاقات ايران مع كل دول مجلس التعاون، بما في ذلك دولة الامارات العربية المتحدة التي تخوض نزاعا مريرا ومزمنا مع طهران حول السيادة على الجزر الثلاث. كما ان التحسن الموازي الذي تشهده علاقات ايران مع كل من مصر والاردن ودول عربية اخرى، لا يمكن اغفاله او اسقاطه من المعادلة لأن الاوساط الايرانية، تدرك اهمية مثل هذا التحول في علاقات طهران مع دول الجوار، ويشكل هذا التحول قوة مؤثرة جدا في الوضع الداخلي وهو لا يترك اي مجال للشك بأن فوز الرئيس محمد خاتمي في معركة الانتخابات المقبلة يعني الاستمرار في هذه السياسة وتطويرها وفتح آفاق جديدة امام المزيد من التحسن والانفراج في العلاقات الايرانية ـ العربية. معاداة أمريكا وإذا كان معظم المرشحين للرئاسة الايرانية، ينطلقون من برامجهم السياسية والانتخابية من معاداة امريكا، على اساس انها تمثل قوة الاستكبار الاولى في العالم، الا ان هذا الوضع، لا يمنع من الاشارة الى ان الرئيس خاتمي، كان قد بدأ حوارا مع الولايات المتحدة في وقت مبكر، ولو ان الظروف السياسية المناسبة توفرت لمثل هذا الحوار، لقاد العلاقات بين واشنطن وطهران الى دائرة التفاوض حول العديد من القضايا المطروحة، وثمة تأكيدات انه في حال فوز الرئيس خاتمي في الانتخابات المقبلة، فإن مسألة الحوار مع الولايات المتحدة خاصة والدول القريبة عامة، ستتجدد مرة اخرى، وربما وفق معطيات جديدة. فقد اكتشف الجانبان الايراني والامريكي ان الوقت قد حان لوضع حد لسياسة التصادم والمواجهة، وتشكل النظرية التي طرحها الرئيس خاتمي في اعقاب تسلمه لرئاسة الجمهورية الاسلامية ـ الايرانية، والداعية الى حوار الحضارات مؤشرا قويا على وجود رغبة واضحة لدى التيار الاصلاحي والديمقراطي لتطبيق هذه النظرية على علاقات ايران مع الولايات المتحدة، فالرئيس خاتمي الذي يرى ان هناك امكانية لقيام حوار ثقافي وسياسي جدي بين مختلف الحضارات والشعوب، كبديل عن التصادم والمواجهة، لابد انه سيكمل هذا التوجه، في السنوات المقبلة، الامر الذي يمكن ان يمهد الطريق امام قيام حوار سياسي جديد بين طهران وواشنطن. ومثل هذا الحوار، باتت منطقة الشرق الاوسط بحاجة اليه، لأن فيه الكثير من المؤشرات التي يمكن ان تسهم في جعل المنطقة اكثر استقرارا وأمنا من كل المراحل السابقة. وهذا كله، يزيد من اهمية وخصوصية معركة انتخابات الرئاسة الايرانية، ويضفي عليها ملامح اقليمية ودولية تتجاوز في أبعادها الخارطة الداخلية لإيران. بقلم: غزوان عمر ـ صحفي سوري