أكملت الثورة الاسلامية الايرانية السنة الثانية والعشرين من عمرها، طافحة بالايجابيات، وفي طليعتها قيامها بارادة شعبية سلمية، واطاحتها بواحدة من أعتى الديكتاتوريات التي لم يكن أحد يتوقع سقوطها بالسهولة التي تمت بها. وكان لثورة 1979 الايرانية بعد آخر تميزت به عن أختيها السابقتين: ثورة (1906 ـ 1909) التي قامت للمطالبة بالدستور، وثورة (1951ـ 1953) في عهد الدكتور مصدق للمطالبة بالحد من سلطات الشاه وتأميم البترول، ذلك هو البعد الديني كما يراه علماء الشيعة، ولعله هو ما يشكل البعد الأساسي في فلسفة الثورة الايرانية. وبهذا المقتضى، فإن سلطة الشاه التي لم يكن لها حد، انتقلت الى مرشد الجمهورية تطبيقا لنظام ولاية الفقيه ، الذي يملك سلطات واسعة يمارسها مباشرة أو بواسطة (الملا) أي رجال الدين المصنفين في القمة على تراتيب محددة اعلاها رتبة وصف (آية الله)، وهذا اللقب الديني الكبير حمله الامام الخميني المؤسس للثورة، وأصبح لقب كل من يتولى مسئولية المرشد العام، الذي هو في نفس الوقت مالك السلطتين الزمنية والروحية ورئيس الدولة، والقائد الأعلى للجيش، والحكم بين فصائل الأمة. وجاء تنظيم الثورة يمزج بين هذه التنظيمات الأصولية، وبين التنظيمات الديمقراطية الحديثة. فقد تمت المصادقة على مشروع الدستور الايراني الأول في عهد الامام الخميني باجراء استفتاء شعبي بالاقتراع العام وقبله شعب ايران بأغلبية ساحقة، كما أن المجالس البلدية والمجلس التشريعي ورئيس الجمهورية تختار جميعا بالاقتراع العام، أي أنها تنبثق من سلطة الشعب. لكن مقابل ذلك يوجد مجلس صيانة الدستور ذو الصلاحيات الواسعة، وهو يتكون من إثنى عشر عضوا يعين مرشد الجمهورية نصفهم من رجال الدين، ويعين البرلمان نصفهم الآخر، والمجلس يصادق على القوانين التي يقرها البرلمان وينظر في صلاحيتها ومطابقتها لأحكام الشريعة، كما يرفضها اذا لم تعكس اتجاه الشريعة، ويشرف على سلامة الانتخابات التشريعية، ولا يعتبر المرشح بالتالي منتخبا إلا بموافقته. واذا كان رئيس الجمهورية ينتخب بالاقتراع الشعبي العام، فإن المرشد العام للجمهورية يختاره علماء الدين وحدهم، وبذلك يستعصي توصيف هذا النظام على ضوء المعايير الدستورية المتعارف عليها. فهو ليس نظاما رئاسيا ولا برلمانيا، ولا نظام ادارة جماعية، ويبدو وهو ينفرد بأوصافه هذه أقرب ما يكون الى نظام متعدد السلطات إلا أن رجال الدين هم قاطرته القائدة من الناحية الفعلية. وطيلة ما يناهز العشرين سنة الماضية، لم توضع تنظيمات الثورة الايرانية موضع التساؤل ولم تطرح على محك النقد على الأقل في العلن. لكن وضعها طيلة هذه المدة موضع التجربة والاختبار، جعل المفكرين الايرانيين يتتبعون تطورها ويكتشفون ما يحيط بها من تناقضات، ما تحتويه من ثغرات. وسارع بعضهم الى التفكير في ادخال تغيير عليها باستبعاد السلبيات وتصحيح أخطائها، وتقويم المعوج فيها. وأصبح أصحاب هذا التيار يعرفون بالاصلاحيين في مواجهة تيار المحافظين الذين يعتبرون أن الثورة مقدسة، ولا شيء فيها يقتضي التغيير. وهذا التيار الاصلاحي ليس ثورة تصحيحية، أو ثورة على الثورة، بل هو اصلاحي كما يريد هو أن يسمى، وكما ينعته به راصدو صيرورة الثورة الاسلامية داخل ايران وخارجها. ومنذ انتخاب محمد خاتمي رئيسا للجمهورية في مايو 1997، الذي ينظر للاصلاح ويدعو له، تبلور هذا التيار في شكل حركة سياسية التفت حول خاتمي كقائد لها. وظهر في مواجهة هذه النزعة التيار التقليدي أو الأصولي المقاوم للتغيير، والمستند على شرعية الثورة التي لا يجوز المس بها وتعلو في نظره على كل اصلاح، وهو تيار المحافظين الذي يوجد على رأسه المرشد العام للجمهورية آية الله محمد علي خامنئي. ولا يختلف التياران في تشبثهما بثورة 1979 والنظام واعتبارهما مكسبا قوميا بما في ذلك استمرار نظام ولاية الفقية والايمان بعصمة الأئمة، وتقيدهما بأحكام الفقه الشيعي، لكن أنصار الاصلاح يريدون أن يكون علماء الدين جزءا من النظام وليسوا النظام نفسه. ويريدون أن تعيش ايران عصرها دون اندماج أو ذوبان في المنظومة الغربية، وإنما في تعايش معها. وهم يدعون الى اسلام متحرك مرن لا ينغلق على نفسه في غلو وتطرف. وهم يخشون على الثورة اذا ما ظل المحافظون يهمشون النساء والشباب والمثقفين، ويختصرون هموم ايران في الشأن الديني. ولكن على مدى السنوات الأربع الماضية، ومنذ وصول الرئيس خاتمي الى السلطة، مرت الحركة الاصلاحية برئاسته بمنعطفات مهمة ما بين النجاح والاخفاق وسط سعي مستميت من المحافظين لاستغلال (الشاردة والواردة) للتهديف في مرمى الاصلاحيين وهز شباكهم بعدما تمكن التيار الاصلاحي من قلب الطاولة في معادلة الوصول الى مراكز القرار، فكان انتصاره مدويا جدا عندما استطاع في 18 فبراير 2000 انتزاع السلطة التشريعية من أيدي المحافظين في الانتخابات البرلمانية، وقبلها استطاع الفوز بالانتخابات البلدية، ليمسك وفي خلال زمن قياسي بزمام السلطتين التنفيذية والتشريعية والمجالس البلدية والقروية. واذ واصل الاصلاحيون صعودهم الشعبي فقد واصل المحافظون تراجعهم مع تحصنهم في مراكز يغلب عليها طابع التعيين لا الانتخاب، كالجهاز القضائي الذي عززوا مواقعهم بداخله، كما أن رئاسته تتم بالتعيين من المرشد. وأثبت الواقع أن معادلة المد والجزر السياسي والشعبي ليست ثابتة لمصلحة طرف دون آخر، من هذا المنطلق كانت دعوة الرئيس خاتمي الى (الاقلاع عن التفكير في سياسة الالغاء).. وهو يرى أن الطرف الذي سيطاله هذا الالغاء، سيظهر بأشكال قد تفرض (دفع اثمان باهظة). ومثلما تصدق المعادلة على المحافظين والاصلاحيين، تصدق أيضا على القوميين والليبراليين، دعاة الفصل بين الدين والسياسة، وابعاد القيادة الدينية عن مركز القرار السياسي. وهذا ليس جديدا، بل هو اقتناع لدى الاصلاحيين عبروا وتشبثوا به الى درجة تحويله الى شعار (ايران لجميع الايرانيين) وقد يقبل المحافظون هذا الشعار على مستوى التنظيم وحق المواطنة، ولكنهم يرفضونه على مستوى التطبيق وممارسة النشاط السياسي للقوى الليبرالية والقومية، إذ يرون فيه نقيضا للنظام الاسلامي وولاية الفقية. وعلى المستوى الفكري جاء الاصلاحيون بنظرية (القراءات المختلفة للدين) ما يعني عمليا معاودة النظر في كثير من المعطيات التي يرى فيها المحافظون ثوابت لا يمكن العودة عنها. ويرفض الاصلاحيون هذا الموقف، وينتقدون القراءات الخاطئة للدين. كما شهدت ولاية خاتمي نوعا آخر من الخلاف كنتيجة طبيعية للاختلاف في النظرة السياسية والفكرية. وقد تمحور هذا الخلاف حول العلاقة بين الدين والحرية، حتى ان الرئيس الايراني هاجم علنا متطرفي اليسار (الاصلاحي) واليمين (المحافظ) أي الذين (يرون أن الحرية في ايران مسحوقة بسبب الدين، والذين يرون أن الدين يتم سحقه بسبب الحرية). ومن هنا جاءت دعوة خاتمي الى الاعتدال، ثم دعوة المرشد آية الله على خامنئي الى ترسيخ (حاكمية الشعب الدينية) المناقضة للديمقراطية وفق المفهوم الغربي. هذه الصورة التي توحي بالاستقرار والتكامل على مستوى القيادة لم تكن كذلك على بقية المستويات، إذ تمحور الخلاف حول طبيعة تنظيم هيكلية الحكم ومؤسسات المجتمع المدني وماذا كانت تستند الى المشروعية الدينية أو الشعبية أو الاثنتين معا. وتعزز الخلاف بالنظرة السياسية الى الخارج، إذ ظل المحافظون يغمزون من قناة (عقلية المؤامرة) عكس النظرة الاصلاحية اذ تصنف مصادر محافظة (الدعم الخارجي للاصلاحيين) بأنه نقطة سوداء وتنتقد استحسان هذا الدعم لدى بعض شخصيات التيار الاصلاحي التي تتهمها بافتقاد حنكة سياسية تمكن من الفصل بين التنافس السياسي الداخلي والمصالح الخارجية. وتصل المخاوف حيال العلاقة السياسية بين الداخل والخارج الى مراكز عليا في صنع القرار، وليست الأوساط العسكرية (المحافظة) بعيدة عن هذا القلق. فـ(الحرس الثوري) مازال يحذر من الاختراق الثقافي. ويرى نائب القائد العام للحرس الثوري (أن هناك خطرا من ضياع الفواصل بين أهل الثورة وأعدائها، اذا لم يتبلور شعار ايران لجميع الايرانيين). لكن الاصلاحيين يرون أن قطار الاصلاحات لن يعود الى الوراء. كما يدركون أن الثمن الذي ينبغي دفعه باهظ، ولا تنفصل عن تلك الرؤية النظرة الى اغلاق أكثر من 52 صحيفة ومطبوعة ووقوع عشرات الصحفيين والمثقفين من دعاة الاصلاح ضحايا، إما لاغتيالات غامضة، أو الاعتقال والتعذيب والملاحقات القضائية. ويصدق على الحركة الاصلاحية في ايران ما جاء في المثل الايراني (الشجرة تتحمل كل صقيع الشتاء وثلوجه، على أمل الوصول الى الربيع). الواقع أن الفوز الكاسح الذي حققه خاتمي في انتخابات 1997 كان بمثابة استفتاء شعبي لصالح مسيرة الاصلاح، وتفويض من الايرانيين لخاتمي بالمضي قدما في ادخال المزيد من الاصلاحات في شتى المجالات استجابة لمطالب الغالبية العظمى. ولا يستطيع أحد إنكار التغيير الذي شهدته ايران منذ وصول خاتمي الى السلطة من اتساع هامش الحريات العامة وخاصة حرية التعبير، فهناك أكثر من ألف مطبوعة جديدة تم التصريح بها وتخوض الصحف في قضايا كانت بمثابة محرمات خلال السنوات التالية للثورة. وقد شكل كل تطور داخلي لمصلحة التيار الاصلاحي فرصة أمام مراكز القرار الاقليمي والدولي للقيام بمزيد من الخطوات في تطوير العلاقة مع ايران، حيث ظهر تلازم بين تطورات الداخل وتطور النظرة واتساعها نحو الساحة الإيرانية من الخارج. فقد نجح خاتمي في الخروج بايران نسبيا من العزلة والحصار الذي قادته الولايات المتحدة ضدها منذ قيام الثورة، وفتح آفاقا جديدة لعلاقات طهران، ليس فقط مع الدول الأوروبية والآسيوية، بل مع الولايات المتحدة ذاتها، التي كان مجرد مجيء خاتمي للحكم في حد ذاته، ايذانا بتغيير واضح في سياسة واشنطن تجاه ايران، كما أن خاتمي حقق انفتاحا ملموسا في علاقات ايران مع جيرانها العرب خاصة السعودية. واذا كان يمكن القول، أنه في ظل المنعطفات التي عاشتها ايران منذ ربيع عام 1997، خسر الاصلاحيون أحيانا وتعثروا أحيانا أخرى، ولكن كانت لهم انجازاتهم، التي يأتي في مقدمتها أنهم استطاعوا تسويق مفهوم (الاصلاح) الذي كان طرحا غريبا على الساحة السياسية ومرفوضا على اطلاقه من جانب المحافظين، أصحاب السطوة على أهم مفاصل صنع القرار في النظام السياسي الايراني، فالجميع الآن أصبح يردد هذا المفهوم الجديد، وإن كان ذلك بالطبع بمعان مختلفة، على النحو الذي جعله لا يزال عالقا في الفضاء السياسي الايراني، إنها فسيفساء كاملة، تلك الصورة المتشابكة الخيوط للحياة السياسية في عهد خاتمي الذي يدرك أن الطريق الوحيد أمامه هو الاستمرار في تنفيذ برامجه على الرغم من كل الصعوبات.. خصوصا وأن الحركة الاصلاحية أجبرت حتى المحافظين على معاودة النظر في بعض سياساتهم، فولدت فريقا داخل التيار المحافظ تبنى التجديد في الفكر الديني لمواكبة العصر، وهذا يدعو الى الاعتقاد أن خاتمي لن يترك الساحة، ولكن ليس من دون ثمن. وهكذا يبدو النظام السياسي الايراني بعد 22 عاما على الثورة، ينتقل في اطار عملية تطور طبيعية ليتلاءم مع الواقع دون التخلي عن أطره المرجعية، وهو ما يجعله نظاما فريدا بين تلك النظم التي رفعت راية الاسلام فسقطت في براثن الاستبداد الديني. وفي جميع الأحوال، فإن معركة الثامن من يونيو 2001 سوف تكون أهم محطة للثورة الايرانية في مرحلة ما بعد مرور عقدين على اندلاعها، حيث ستخضع هذه الانتخابات المشروع الاصلاحي مجددا لامتحان أكثر قسوة. بقلم: د.محمود مرتضى ـ كاتب مصري