حالة اليأس التى أصيب بها الشارع الايرانى، نتيجة لعدم تمكن الرئيس الاصلاحى محمد خاتمى طيلة السنوات الاربع الماضية من تحقيق الطموحات العريضة التى كان قد وعد بانجازها قبل توليه رئاسة الحكم، وبعد ان عاش الايرانيون حالة من الآمال قدمها الرئيس خاتمى خلال حملته الانتخابية السابقة والتى استطاع عن طريقها اكتساح نتائج تلك الانتخابات وتحقيق فوز تاريخى فى ظل اقبال منقطع النظير على الاقتراع، خصوصا من جانب الشباب. هذه المرة يعود الرئيس خاتمى متنافسا مع تسعة آخرين اختارتهم لجنة صيانة الدستور من بين مئات من الذين قاموا بترشيح انفسهم، ولكن وهو فى طريقه للفوز بثقة الناخبين مجددا، باعتباره الشخص الوحيد المقبول شعبيا حتى من بين كل المرشحين ومعظمهم من المحافظين، فان هناك شعورا عاما بالاحباط يسود الشباب الذين يشكلون حاليا ما يزيد عن نصف عدد الشعب الايرانى البالغ تعداده أكثر من 65 مليون نسمة، والذى يزيد فيه عدد الذين يحق لهم التصويت عن 34 مليون انسان لم تعش الغالبية العظمى منهم أحداث الثورة الاسلامية التى شهدتها ايران فى العام 1979 ضد الشاه السابق محمد رضا بهلوى. واذا كان انتصار خاتمى فى هذه الجولة من الانتخابات الرئاسية شبه مؤكد الى الدرجة التى يرى معها بعض المراقبين ان هناك تعمدا من قبل مرشد الثورة علي خامنئى لتهيئة الاجواء المناسبة امام فوز خاتمى بالرئاسة ولكن دون تحقيق فوز كاسح كالذى حدث فى الانتخابات الرئاسية السابقة التى حقق فيها خاتمى فوزا كان كفيلا بدفع منافسه السابق ناطق نورى الى الابتعاد تماما عن تكرار التجربة والتقدم لاى تنافس سياسى. فبقاء الرئيس الحالى محمد خاتمى فى منصبه الرئاسى هو الوضع الاكثر افادة للمحافظين من أى خيار آخر، اذ ان خاتمى يتم تصنيفه فى خانة المعتدلين، وهو وجه مقبول بشدة فى الداخل حيث يقود تيارا متناميا فى عدده ووزنه على الساحة الايرانية، وقد كشر هذا التيار عن أنيابه فى انتخابات مجلس الشورى الحالى قبل عدة أشهر، اذ استطاع الاصلاحيون حصد النتائج لصالحهم ومن ثم السيطرة شبه التامة على المجلس. كما ان خاتمى يعد وجها مقبولا على الصعيد الدولى، وقد استطاع تحقيق نجاح لافت فى محاولة كسر العزلة التى فرضت على نظام الملالى، سواء من الجيران الذين أزعجهم كثيرا شعارات لتصدير الثورة رفعتها الحقبة الخمينية وكانت السبب وراء نأى الدول المجاورة عن طهران، فى الوقت الذى تمكن فيه خاتمى من بناء علاقات قوية مع الدول الاسلامية ودول العالم الثالث، ونجح فى عدة خطوات انفتاحية باتجاه العالم العربى كان آخرها اعادة العلاقات التى ظلت مقطوعة مع مصر منذ قبولها لجوء الشاه محمد رضا بهلوى اليها ودفنه بعد وفاته فى اراضيها، فى الوقت الذى قام بتحسين علاقاته مع عدد كبير من الدول الغربية، وبعضها كان على عداء تام مع ايران منذ صعود حكم الملالى. عودة الرئيس من هنا فان وجود شخص مقبول لدول الجوار ودول العالم مثل خاتمى سيكون أفضل لنظام الملالى من صعود المرشحين المحافظين الى المقعد الرئاسى وبالتالى عودة فرض العزلة الدولية على ايران من جديد، وهو الامر الذى يفسر شطب اكثر من 290 مرشحا من السباق الرئاسى. وقصره على الرئيس الحالى محمد خاتمى والى جانبه تسعة اخرين معظمهم من المحافظين بهدف تفتيت الاصوات التى تتوجه لهم مع اتاحة الفرصة امام خاتمى للفوز ولكن دون الحصول على غالبية كبيرة. والمؤكد فى ظل المعطيات الحالية على الساحة الايرانية ان المحافظين قد استوعبوا الدرس جيدا، للدرجة التى باتوا معها موقنين من ان الشارع الايرانى العريض لم يعد يميل لهم، وان الامر الوحيد الكفيل بابقاء الشعرة التى تربطهم بهذا الشارع هى السعى لحل المشاكل المعيشية التى ترزح تحت نيرها الدولة الايرانية، وعدم الوقوف بشكل حاد ضد الاصلاحات التى باتت مطلبا رئيسيا للشعب الذى وقف الى جانب خاتمى ضد المحافظين مرتين حتى الان، عند انتخابه للرئاسة، وعند انتخاب انصاره الاصلاحيين فى انتخابات مجلس الشورى. ضربات عدة ان هناك مخاطر جمة من بقاء الحال على ماهو عليه حاليا حيث تعطلت أو كادت عجلة الاصلاحات، فيما وقف الاصلاحيون عاجزين عن تنفيذ مشروعهم الذى جاء بهم الى السلطة، فى الوقت الذى قام فيه المحافظون بتسديد العديد من الضربات الى التيار الاصلاحى ابتداء من الاطاحة بالشيخ عبد الله نورى، ثم اجبار عطاالله مهاجرانى وزير الثقافة السابق ومستشار الرئيس الحالى على تقديم استقالته من منصبه الحكومى، وما حدث كذلك لكرباتشى الذى كان عمدة لطهران وهو من اكبر المناصرين لخاتمى، بعد ان انتهى امره الى السجن بعد محاكمة صنفت فى ذلك الوقت على انها سياسية وليست قانونية، واغلاق 15 صحيفة قبل عدة أشهر زادت الى 40 صحيفة مؤخرا، فالخطورة اذن تكمن فى انه ليس من صالح الدولة الايرانية على المدى الطويل تجميد التغييرات ووأدها، فى ظل حالة من التذمر تسود الشارع الايرانى وتكاد تبلغ ذروتها هذه الايام. ولكن على الجانب الاصلاحى فان خاتمى نفسه لايرى فى عدم تحقيق اى من وعوده مشكلة. ومع انه اعترف فى خطاب القاه قبل عدة ايام فى حشد من انصاره تجاوز 50 ألف شخص، ان الطريق امام تحقيق الاصلاحات طويل والموانع امامها كثيرة، وان مطالب الشعب ستتحقق عبر التصميم والمثابرة، فانه اعتبر فى نفس الخطاب ان الاصلاحات اصبحت واقعا لايمكن تجاوزه، بل انها حققت انتصارا تمثل فى ان الجميع اصبحوا يدعون الآن انهم من انصار الاصلاحات والحرية والعدالة والحقوق الاساسية للفرد والجماعة. وعلى افتراض ان يوم الثامن من شهر يونيو الجاري سوف يشهد انتصارا لخاتمى وتياره الاصلاحى فى الانتخابات الرئاسية، وهو الأمر الأكثر ترجيحا، فهل سيعنى ذلك ان بامكان هؤلاء الاندفاع فى مسيرة الاصلاح فى الفترة الرئاسية الثانية وبوتيرة أسرع مما حاول الاصلاحيون انجازها فى فترة الرئاسة الاولى؟، ان ذلك السؤال له أهمية كبيرة، فالمقارنة حاليا بين الفترتين تعطى انطباعا بان الظروف المحيطة حاليا مختلفة تماما عن الفترة السابقة، ففى الاولى كان المحافظون هم المسيطرون على مجلس الشورى (البرلمان)، الأمر الذى ساهم ولفترة طويلة فى تكبيل برنامج الرئيس خاتمى، ومحاصرته من كافة جوانبه، أما فى الوقت الحاضر، فان أنصار خاتمى من مؤيدى الاصلاحات، هم من أشد المؤيدين لاحداث تغيير فى كافة الهياكل الموجودة فى ايران. وهذا الامر تحديدا يمكن اذا احسن خاتمى استغلاله، ان يقوم باحداث ثورة تصحيحية شاملة، تحت مظلة من تشريعات يستطيع الحصول عليها بيسر من مجلس الشورى الذى يسيطر عليه اتباعه الذين اكتسحوا الانتخابات التشريعية السابقة، بعد ان ظل منذ الفترة التى تحقق فيها الانتصار للاصلاحيين يمنع انصاره من الصدام مع المحافظين، مرجئا أى خطوة يمكنها ان تستفز مناهضيه وتدفعهم لمواجهة مع الاصلاحيين قد لا يكون الوقت مناسبا لها. ولعل ماقاله الرئيس محمد خاتمى فى أحد خطاباته الانتخابية الاخيرة من ان أربع سنوات ليست كافية لتنفيذ برنامج اصلاحى يسعى اليه، مايعنى ان السنوات الاربع القادمة، وفقا لرؤيته سوف تشهد حسما، ولكن ذلك قد يكون احد شروطه صمت المحافظين عن تلك الاصلاحات واستسلامهم التام لها، ومن المؤكد ان حدوث ذلك قد يستغرق وقتا طويلا، قد تمر معه تلك السنوات الاربع دون ان تكون قد انجزت فعلا. بقلم: زكريا عبد الجوادـ كاتب مصرى